ما هي معرفة النفس وما هو دورها في الحياة؟
كما يوحي الاصطلاح، معرفة النفس هي معرفة الإنسان لذاته (Self Knowledge). أما السؤال المهم هنا هو: ما هو تعريف “النفس” في هذه المعرفة؟ ومن أي جزء من وجودنا يتكون؟ والأهم من ذلك، لم علينا أن نصل إلى هذه المعرفة؟
الجميع منا يواجه تساؤلات مختلفة طيلة حياته، الكبيرة منها والصغيرة، وبعض هذه التساؤلات التي تطرح في خواطرنا كأنها تم تثبيتها في أذهاننا وولدت معنا. استفسارات كهذه وُجدت عند البشر الأوائل و سترافقنا مدى الحياة، كما أنها ستكون بالتأكيد مورد اهتمام آخر جيل على الإطلاق.
في الحقيقة، نحن وُلدنا لكي نبحث ونجد إجابات عن هذه الاستفسارات، وكل إنسان وصل إلى نضج فكري، تخطر على باله هذه الأفكار ولو لمرة واحدة على الأقل في حياته، ولكن لا يستجيب الجميع بنفس الطريقة.
البعض يبحث عن جواب، ولا يهدأ له بال حتى يصل الى مراده، والبعض تمر عليه هذه التساؤلات مرّ السحاب ولا يلقى لها اهتماماً. هذا الاختلاف بالتحديد هو مقدمة لإيجاد المعنى الدقيق لمعرفة النفس، فكل من ذهب باحثا عن إجاباتٍ وحظي بحصولها، يكتسب هذه المعرفة.
سنطرح هنا هذه الأسئلة وعلاقتها بمعرفة النفس.

ما هي أهم الأسئلة في حياة الإنسان؟
مهما أوتي الإنسان من مالٍ وثروةٍ وجمالٍ ونجاح، ومهما امتلك من كمالٍ في الدنيا فلن يهدأ له بالا أبداً، وستظل طبيعته البشرية تحثه الى البحث عن المزيد. وكأن صوتاً ما في داخله يتساءل بإستمرار: “الى متى، وما هي النهاية؟”
هذا الاستفسار في النفس البشرية لا يُجاب عليه من خلال تحقيق النجاح والثروة والكمال الظاهرى، بل يظل متأججاً في صدر الإنسان و يطالبه بالكشف عن جوابٍ منطقي يقنعه.
أسئلة كهذه:
- من أنا؟
- من أين أتيت؟
- ما هي مهمتي في هذا العالم الواسع؟
- كيف ولأي غرض خُلق هذا العالم؟
- هل يوجد خالق لهذا الكون؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي صفات هذا الخالق؟
- ما هو الموت؟
- و هل هناك حياة بعد الموت؟
الطريقة الوحيدة للوصول إلى الإجابات هي عبر معرفة النفس فقط. ففي اللحظة التي نتعرف فيها على النفس الحقيقية يهدأ صدى التساؤل المتسعر بداخلنا، لدرجة أن أشرس طوفان يحصل في الخارج لن يكون قادرا على تعكير صفو السلام بداخلنا، عندها تكون قيمة الأعمال لدينا واحدة مهما بلغت من الأهمية، عندها يصبح العسير واليسير بنفس الأهمية. ومن هنا نعرف أن معنى الحياة يعتمد على معرفة الذات، وأي ادعاء آخر يزعم أنه يجلب السعادة والهدوء إلى الإنسان هو إدعاءٌ باطل.

الفرق بين معرفة النفس وعلم النفس
ذكرنا أن معرفة النفس هي المعرفة التي تؤدي إلى فهم “النفس”. ولكن ماذا تعني هذه “النفس“، وما هي خصائصها؟ هل هناك فرق بين ماهیة نفسي و ماهية نفسك؟ هل تتضمن معرفة النفس كلا من الأهداف والمعتقدات والقيم لدى الإنسان؟ ام تشتمل معرفة النفس على المشاعر والرغبات و السلوك والسمات الشخصية؟ أم أن هناك مفهوما يتجاوز كل هذا؟
هذه هي أهم الأسئلة التي لا بد لنا الجواب عنها كي نصل إلى المفهوم الحقيقي لمعرفة النفس.
الحقيقة أن مفهوم معرفة النفس هو أحد المفاهيم التي تم تحريفها بمرور الوقت، ولهذا فإنها فقدت معناها الحقيقي. لذلك قبل ان نبدأ بشرح ماهيتها، ربما من الأفضل أن ننظر إلى كل ما هو ليس بمعرفة النفس.
ما يتم الإعلان عنه اليوم تحت عنوان معرفة الذات في مواقع الويب والمجلات والكتب المختلفة هو في الحقيقة ليس بمعنى المعرفة التي نبحث عنها تحت عنوان معرفة النفس، بل هو جزء من علم النفس الذي نُسب إليه اصطلاح معرفة النفس عن طريق الخطأ..
في الواقع لا علاقة لمجال الدراسات النفسية بمعرفة النفس، بل إنها تختص بفحص خصائص الإنسان السلوكية والأخلاقية. يعتقد علماء النفس أن اهتمامات ومواهب ومعتقدات وتطلعات مختلف الأشخاص متنوعة، فتجد أحدهم مثلا انطوائيا بينما الآخر منفتحا، وواحد مجازفا، والآخر جبانا، وواحد يسعى للكمال والآخر يود كسب حب الآخرين وإلى آخره … لذلك عندما يتحدث علماء النفس عن معرفة النفس، فإنهم يقصدون من ذلك فهم الخصائص الفردية للأشخاص، وبما أن الخصائص الأخلاقية تختلف لدى البشر، فمن الطبيعى أن تختلف هذه “النفس” لديهم.
في حين أن مثل هذا الاختلاف غير مقبول في مفهوم معرفة النفس الحقيقية، لأن “النفس” هي حقيقة ثابتة في جميع البشر ولا يختلف البشر في هذا الصدد.
معرفة النفس مفهوم يحتاج إلى الشرح مجدداً
إن الوصول الى معرفة ما نحن عليه وما لسنا عليه هو بدون مبالغة أهم عمل ومهمة في حياتنا. كل واحد منا يمتلك “ذاتاً حقيقية” أو في الواقع “الأنا الحقيقية”. هذه الذات أو الأنا كانت معنا منذ الولادة وقبلها وستظل معنا إلى الأبد. لذلك لا تختلف ذاتي وذاتك وذات أي إنسان آخر، لأننا جميعا ننتمي الى نفس المصدر والأصل.
الذات الحقيقية لها ميزات فريدة كالتالي:
- لا تتغير مع مرور الوقت.
- لا علاقة لها بكونك امرأة أو رجلا.
- لا تتأثر بالتعليم أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
- لا تتغير بالصحة أو المرض.
- لا علاقة لها بالدين أو المعتقدات أو الأفكار.
إذن يمكننا القول إنك ”أنت“ الآن لست رجلًا ولا امرأةً، ولا طالباً ولا موظفاً، ولا أمًا ولا أبًا، ولا جميلًا ولا قبيحًا، ولا مسلمًا ولا مسيحيًا. أنت أنت فقط! حقيقة وجودك لا تعتمد على أي من هذه الجوانب، الجمال والذكاء، الوظيفة والوضع الاجتماعي، أن تكون سليمًا أو سقيمًا، أن تكون غنياً أو فقيراً، إلخ. كل ذلك لا علاقة له بذاتك، لذا فإن وجود أو عدم وجود أي من هذه الميزات لا يضيف ولا يقلل أي شيء من قيمتك، لأن كل هذه الأمور متعلقة بالأبعاد الدنيوية لوجودك فقط، فأنت أكثر وأعلى قيمة من ذلك بكثير.
كل ما ذكرناه هو ليس يُعرف بالنفس الحقيقية، ويبقى سؤالنا الرئيسي بدون اجابة، ما هي معرفة النفس؟ بل وظهرت في الواقع أسئلة أخرى:
– معرفة النفس هي معرفة أي بعدٍ من أبعاد الوجود؟
– ما هي أبعاد الوجود المرتبطة بي؟ وأي منها هي نفسي الحقيقية؟
– ما هي ضرورة معرفة النفس الحقيقية؟
– ما هو تأثير معرفة أو عدم معرفة هذه النفس الحقيقية في نوعية حياتنا؟
قبل أن تنتقل لقراءة المقالات التالية، شاركنا وجهة نظرك حول هذه الأسئلة في قسم التعليقات.