مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

ما الرابط بين زيارة عاشوراء والإمام المهدي (عج)؟ وهل تقع كربلاء والظهور في خطٍّ واحد؟

جدول المحتويات
الرابط بين زيارة عاشوراء والإمام المهدي (عج).. سرُّ الانتقال من مقام المعزِّي إلى المنتظِر

الرابط بين زيارة عاشوراء والإمام المهدي (عج).. سرُّ الانتقال من مقام المعزِّي إلى المنتظِر

تُمثّل زيارة عاشوراء والإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حقيقتين مقدستين متجذرتين في فكر ووجدان الشيعة، وقد يُتصوّر أحياناً أنهما منفصلتان، إلا أن بينهما في الحقيقة رابطاً وجودياً لا ينفصم. فهناك الكثيرون ممن يظنّون أنّ زيارة عاشوراء ليست سوى نصٍّ لاستحضار واقعة كربلاء والبكاء على مصاب سيّد الشهداء (عليه السلام)، غير أنّ حقيقتها أوسعُ بكثير. فهي ليست روايةً تاريخية فحسب، بل عهدٌ ممتدٌّ إلى حاضر الإنسان ومستقبله؛ وعهدٌ يصل الإنسان بالإمام الحيّ ويذكّره بمسؤوليّاته في زمن الغيبة.

وحين نتأمّل في مضامين زيارة عاشوراء، نرى أنّها — إلى جانب اللعن والسلام — تحمل فصولاً تدعو الإنسان مباشرةً إلى التزامٍ مستقبليّ. ففي هذه الزيارة يرتبط البكاء على الماضي بعهدٍ يُبرَم للمستقبل. ولا تكتسب الدمعةُ على الإمام الحسين (عليه السلام) معناها الحقيقي إلّا إذا قادت إلى يقظةٍ قلبية ومسؤوليّة تجاه الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه). ومن هنا تتحوّل زيارة عاشوراء من نصٍّ عاطفي إلى مدرسةٍ تربويّة تُنشئ الإنسان المنتظِر.

تعلّمنا زيارة عاشوراء أنّ المصيبة الكبرى في كربلاء لم تكن مجرّد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، بل كانت عزلَ الإمام المعصوم عن مقام القيادة والهدى؛ وهي جراحٌ ما تزال ممتدّة إلى يومنا هذا، وإلى زمن الغيبة تحديداً. فإذا أدرك الإنسان هذه الحقيقة، علم أنّه شريكٌ — بوجهٍ ما — في استمرار هذه المصيبة؛ لأنّ غياب الإمام عن المجتمع يعني أنّه مجتمعٌ يتيمٌ محرومٌ من الحياة الحقيقية. ولهذا تصبح قراءة زيارة عاشوراء في كلّ مرّة فرصةً للإنسان كي يستعيد هويّته، ويذكّر نفسه بأنّ عليه واجباً عظيماً تجاه الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه).

إنّ الارتباط بين زيارة عاشوراء والإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) ليس ارتباطاً عقديّاً أو عاطفيّاً فحسب، بل هو خريطةُ طريقٍ لحياة الإنسان الشيعي. فتعلمنا الزيارة أنّ العزاء الحقيقي لا يقف عند حدود الدمع والنحيب؛ بل ينبغي أن يتحوّل إلى عهدٍ بنصرة الإمام المهديّ، وإعداد المجتمع لظهوره. وهنا بالضبط تتحوّل دموع الماضي إلى حركةٍ نحو المستقبل، ويرتقي الإنسان من مجرّد معزٍّ إلى مقام المنتظِر الواعي.

لِمَ تكون زيارةُ عاشوراء ناقصةً من دون فهم صلتها بالإمام المهديّ (عج)؟

تبدو زيارةُ عاشوراء – للوهلة الأولى – نصّاً شعائريّاً يضمّ سلاماتٍ ولعناتٍ تعيد القارئ إلى أجواء كربلاء؛ لكنَّ حصرَها في إطار أحداث سنة إحدى وستين للهجرة يُخفي نصف حقيقتها. فزيارةُ عاشوراء والإمامُ المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) حقيقتان لا تنفكّ إحداهما عن الأخرى.

إنّ كربلاء لم تكن مجرّد مصيبة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه؛ بل المصيبة العظمى فيها كانت في الحقيقة إقصاءَ الإمام المعصوم عن موقع القيادة.[1] في الحقيقة، لم تكن كربلاء مجرد مأساة دامية، بل كانت بعد واقعة الغدير، سقوطاً جديداً في تاريخ الإنسان؛ وما تزال آثار هذا الجرح ممتدّةً إلى يومنا هذا، لأنّ عصر الغيبة نفسه يشهد حرمان المجتمع من الهداية الظاهرة للإمام الحيّ. لذلك، عندما نذرف الدموع في زيارة عاشوراء، فإن هذا الدمع ليس على الماضي فحسب، بل هو على واقع البشرية الحالي، وعلى المجتمع الذي يعيش في ظلام وتيه في غياب الإمام.

وإذا حُصرت زيارةُ عاشوراء في دائرة العزاء فحسب، فقد فقدت غايتها الأساسية. فالبكاء والنواح، دون الارتباط بمفهوم الانتظار، لا يتجاوز كونه تفريغاً انفعالياً؛ أمّا إذا أدركنا أنّ الثأر الحقيقي للإمام الحسين (عليه السلام) لا يتحقّق إلّا على يد «الإمام المنصور»، أي الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه)، تغيّر منظورُنا كلّياً. فدمعةُ الماضي يجب أن تتحوّل إلى عهدٍ للمستقبل؛ والزيارة تعلّمنا أنّ العزاء الحقّ هو تحمّلُ المسؤولية أمام الإمام الحيّ، مسؤوليةٌ تظهر في حياة الفرد عبر العبادة الهادفة، وفي حياة المجتمع عبر مقاومة الظلم والفساد.

إنّ تجاهلَ الرابط بين زيارة عاشوراء والإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) يجعل الزيارة ناقصةً بطبيعتها؛ إذ لا معنى لعاشوراء بلا مهدويّة، ولا قيام للمهدويّة بلا روح عاشوراء. وهذا هو جوهر رسالة الزيارة: أن ترتقي بالإنسان من مجرّد مُعزٍّ إلى إنسانٍ مُنتظِر ذي مسؤولية.

أرضية خصبة لتربية الإنسان المنتظِر في عصر الغيبة

زيارة عاشوراء ليست مجرد نص عبادي لكسب الثواب الفردي؛ بل هي منظومة تربوية تُفعّل الإنسان في مسار الانتظار. ففيها تتشابك العاطفة والدمع مع العهد والمسؤولية. هذا المزيج هو ما يرفعها فوق مستوى الدعاء والرثاء ليجعلها مدرسة لإعداد الإنسان المنتظر في عصر الغيبة. هذه المدرسة تُعرّف الإنسان بحقيقته، وتذكره بمسؤوليته التاريخية، وتجهّزه لنصرة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف).

وتبدأ الزيارة بتقديم الإمام الحسين (عليه السلام) باسم «ثار الله .[2]وليس المقصود بالثأر أو الدم هنا هو الدمَ الماديّ، بل الحقيقة التي تمنح الإنسانَ الحياة. فوجودُ الإمام المعصوم هو سرُّ الحياة الحقيقية للبشر، وغيابُه يُدخل المجتمع في موتٍ معنوي. وهذا الفهم هو نقطةُ الانطلاق في التربية العاشورائية.

تتضمن الزيارة تعبيرين مفتاحيين بخصوص “طلب ثأر الإمام الحسين (عليه السلام)”[3] و”طلب ثأر الإنسان نفسِه” وقد يتساءل البعض: لم يجب أن أطلب ثأري وأنا لم أكن حاضراً في كربلاء؟ يكمن جواب هذا السؤال في معرفة النفس. إن حقيقة أرواحنا من نور أهل البيت (عليهم السلام)، وعندما يُقصى الإمام عن مسرح الهداية، نُفصل عن أبوينا السماويين، وتتعطل طاقاتنا للوصول إلى مقام خلافة الله؛ وبالتالي، فإن دمنا قد سُفك أيضاً. لذا، فإن عبارة “طَلَبَ ثاري” في زيارة عاشوراء تعني طلبي لعودة مُرَبّي وأبي السماوي. وكما يسعى الإنسان لرزقه المادي، يجب عليه أن يعتبر الأخذ بالثأر رزقاً له. فبقولنا: “أَنْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثاري”، نعترف في الحقيقة بأن حياتنا الإنسانية ناقصة بدون الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وأن رزقنا الحقيقي هو حضوره وحاكميته.

وهنا يتجلّى ارتباط زيارة عاشوراء بالإمام المهديّ (عجّل الله فرجه). فالثأر الحقيقي لدم الإمام الحسين (عليه السلام) لا يتحقّق إلّا عندما يَظهر الإمام المهديّ ويقيم حكومة المعصوم في الأرض. وعند ظهوره يعود الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الدنيا، وتعود الحياةُ الحقيقية إلى الناس. لهذا فإنّ زيارة عاشوراء تأخذ بأيدينا من سنة إحدى وستين للهجرة، وتمضي بنا إلى مستقبل الظهور.

فإن اقتصرت دموع عاشوراء على الانفعال، بقي العزاء ناقصاً؛ أمّا حين تتحوّل الدموع إلى طلب الثأر، وإلى استعدادٍ للظهور، فإنّ الإنسان يرتقي من مقام «المُعزّي» إلى مقام «المُنتظِر»؛ مقامٌ يقوم على العهد والمسؤولية والاستعداد. وهكذا تنتقل زيارة عاشوراء بنا من العزاء العاطفي إلى الحركة البنّاءة في سبيل نصرة الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه).

إنّ زيارة عاشوراء والإمام المهديّ ليسا طريقين منفصلين، بل هما حقيقةٌ واحدة يُكمل أحدهما الآخر. فالزيارة تكشف لنا جذر المصيبة: أنّ أعظم كارثة في التاريخ كانت إقصاء الإمام عن محور الهداية. والإمام المهديّ هو الجواب الإلهي على هذه المصيبة؛ إذ إنّ ظهوره يعني عودة الإمام إلى قلب الحياة الإنسانية. فإذا فُقِد هذا الربط، تحوّلت زيارة عاشوراء إلى مجرّد طقس عاطفي، وتحول الانتظار إلى أمنية غامضة.

كل من يفهم زيارة عاشوراء حقّ الفهم، يدرك أنّ البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ وأنّ تلك الدمعة ينبغي أن تتحوّل إلى عهدٍ للمستقبل، ومسؤوليةٍ لنصرة الإمام المهديّ، وحركةٍ لتهيئة المجتمع.

ما الرابط الذي ترونه أنتم بين زيارة عاشوراء والإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؟ وهل أحدث اكتشاف هذا الرابط تغييراً في نظرتكم أو نمط حياتكم؟ شاركونا تجاربكم وآراءكم.

[1] وَ لَعَنَ اللَّهُ اُمَّةً دَفَعَتْکُمْ عَنْ مَقامِکُمْ و َاَزالَتْکُمْ عَنْ مَراتِبِکُمُ الَّتی رَتَّبَکُمُ اللَّهُ فیها؛

[2] اَلسَّلامُ عَلَیْکَ یا ثارَ اللَّهِ وَ ابْنَ ثارِهِ

[3] اَنْ یَرْزُقَنی طَلَبَ ثارِکَ مَعَ اِمامٍ مَنْصُورٍ مِنْ اَهْلِ بَیْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ و َآلِهِ

اكتب رأيك