ما هي أنواع الذنوب في القرآن؟ وما المصطلحات التي استخدمها الله لوصفها؟
في رحلتنا نحو الكمال الإنساني، يسعى معظمنا لاكتساب الفضائل، ولكن الأهم من ذلك هو إدراك ما قد يُبطل أعمالنا الصالحة ويمنع ثمارها من الاستمرار. فطالما لم نتعرف على العوائق والمفسدات، لن يكون لخير أعمالنا أثر دائم. وكما ذكرنا سابقًا، فإن أكبر عقبة في طريقنا إلى الخلود، والتي قد تذهب بكل جهودنا سدىً، هي الذنوب. لذا، فإن أولى واجباتنا قبل السعي نحو الفضائل والأعمال الصالحة هي معرفة الذنوب بأنواعها والابتعاد عنها.
عند الحديث عن تصنيف الذنوب، نجد أن هناك عدة تقسيمات لها، ومن أكثرها شيوعًا هو تقسيمها إلى ذنوب ظاهرة وذنوب باطنة. فالذنوب الظاهرة أو البدنية هي تلك التي يرتكبها الإنسان بجوارحه وأعضائه، مثل السرقة، القتل، شرب الخمر، التجسس، الغيبة، والقذف. أما الذنوب الباطنة أو القلبية فهي الحالات النفسية والصفات المذمومة التي يُضمرها الإنسان في قلبه؛ مثل الحسد، والبخل، والغضب، وسوء الظن، والكِبر، والنفاق، والعجب و غيره.
هناك تصنيف آخر يقسم الذنوب إلى صغائر وكبائر، حيث توجد معايير محددة للتمييز بينهما، ومن أبرز هذه المعايير أن كل ذنب ورد بشأنه وعيد مباشر بالعذاب في القرآن أو السنة، يُعتبر من الكبائر. على سبيل المثال، القتل جاء بشأنه وعيد صريح بالعذاب،[1] والربا شُبّه مرتكبه بمن يحارب الله ورسوله،[2] مما يُعد تحذيرًا شديدًا في حقه. أما الذنوب التي لم يرد بشأنها وعيد صريح، فتُعتبر من الصغائر. وبالطبع، هناك معايير فقهية أخرى للتمييز بين الكبائر والصغائر، لكنها موضوعات تناولتها الكتب الفقهية بتفصيل، ولن نخوض فيها هنا اختصارًا.
الموضوع الأساسي الذي سنناقشه في هذا الدرس هو دراسة المفاهيم القرآنية للذنوب وتحليل المصطلحات التي استخدمها القرآن لوصفها، وهو ما سنتطرق إليه في الفقرات القادمة.
مفهوم أنواع الذنوب في القرآن
في لغتنا الجميلة وهي لغة أهل الجنة، توجد لكل حالة من حالات الذنوب كلمة خاصة تحمل دلالة معنوية معينة. تتمتع لغتنا العربية بين جميع لغات العالم بهذه الميزة الفريدة؛ ولهذا السبب أنزل الله القرآن باللغة العربية ليقدم أفضل وأشمل محتوى للإنسان.
فيما يتعلق بالذنوب في القرآن الكريم، تم استخدام تعابير متعددة مثل إثم، ذنب، سيئة، خطيئة، وفساد، وتعبر كل منها عن حالات مختلفة للنفس. هناك وجوه متعددة لأفعالنا، وتعكس كل من هذه التعبيرات جانبًا منها. سنقوم في ما يلي بشرح كل من هذه التعابير بشكل منفصل.
الإثم
“الإثم” تعني التباطؤ والتأخر عن الخيرات.[3] يُطلق على الذنب مصطلح إثم لأنه يبطئ أو يوقف حركتنا نحو هدف خلقنا؛ تمامًا كما يحدث عندما تتوقف حركة الجنين في رحم الأم لفترة معينة دون أي تكوين للأعضاء. من الطبيعي أن يعاني مثل هذا الجنين عند الولادة من العديد من الأضرار والنواقص التي تعيق حياته الدنيوية.[4] وكذلك فإن الذنب له آثار مشابهة، حيث يعرقل ولادة الإنسان السليمة إلى البرزخ.
الذنب
من بين المصطلحات التي يستخدمها القرآن الكريم تأتي كلمة “ذنب”، التي تعني في أصلها اللغوي العواقب الوخيمة والآثار السيئة للفعل القبيح.[5] سُمي الذنب بهذا الاسم لأنه يترك أثره في النفس البشرية حتى يوم القيامة.[6] فأي فعل يقوم به الإنسان، يكون له أثر لحظي سريع الزوال، وأثر آخر طويل الأمد يبقى معه.
تشبه النفس في هذا الأمر الجسد البشري، فكما أن تناول الدهون والسكريات الزائدة التي لا يحتاجها الجسم يؤدي إلى تراكمها داخله، مما يسبب أمراضًا مختلفة لاحقًا، فإن الذنوب تعمل بالطريقة نفسها؛ فحتى لو كان الذنب صغيرًا بحجم حبة الخردل، فإنه يلوث النفس بسبب عدم انسجامه مع الفطرة الإنسانية. هذه التراكمات لا تظل محصورة في النفس فقط، بل تمتد آثارها إلى المجتمع أيضًا. فعلى سبيل المثال، عندما ينشر أحدهم شبهة دينية أو فكرة خاطئة بين الناس، أو يرفع مقطعًا غير لائق على الإنترنت، أو يؤلف كتابًا يزعزع العقيدة، فإن تأثير هذه الأفعال لا يقتصر على حياته، بل يمتد لأجيال لاحقة، وقد يضل بسببه كثيرون. لذا، فإن المسؤولية يوم القيامة لا تتوقف عند الفعل نفسه، بل تشمل جميع تبعاته السلبية، مما يفسر طول يوم الحساب، الذي يستغرق خمسين ألف سنة لمراجعة جميع الأعمال وآثارها.
تشبه النفس ذاكرة الحاسوب، حيث تحتفظ بجميع الأفعال التي يقوم بها الإنسان. وعندما يُحذف شيء منها، قد يبدو أنه اختفى، لكنه في الحقيقة يظل قابلًا للاسترجاع. كذلك، عندما يتوب الإنسان، فإن الله يستر آثار الذنب، لكنها لا تزول تمامًا. وإذا لم يحذر الإنسان، فقد تعود هذه الذنوب للظهور مجددًا، كما يرتفع الطين الراكد في قاع النهر عند أدنى اضطراب. ولهذا أكدت الروايات على ضرورة تجنب الذنوب، صغيرها وكبيرها، وأن “اجتناب السيئات أولى من اكتساب الحسنات”.[7]
السيئة
من المصطلحات الأخرى التي يستخدمها القرآن لوصف الذنب كلمة “سيئة”، [8] التي غالبًا ما تأتي مقابل “حسنة”، وتعني الفعل القبيح وغير المقبول.[9] سُميت السيئة بهذا الاسم لأنها تشوه باطن الإنسان، وتجرده من النور والطمأنينة، وتقربه من طباع الوحوش المفترسة. في السيئة، يدرك الإنسان قبح الفعل، لكنه مع ذلك يُقدِم عليه بسبب ضعف إرادته أمام رغباته وشهواته. بمعنى أن المخالفة تكون متعمدة، مع العلم بحرمة الفعل، لكن النفس الأمّارة بالسوء تدفع صاحبها لارتكابه.
الوزر والثقل
“الوزر” هو أحد المصطلحات القرآنية [10] التي تدل على الذنب، ويعني “الثِقل”. وسُمي الذنب وزرًا لأنه يُثقِل الإنسان،[11] ويبطئ سيره نحو الهدف الذي خُلق لأجله. فالإنسان الذي يُثقل نفسه بالمعاصي يواجه طريقًا وعِرًا في البرزخ، إذ سيكون عليه حمل أثقال ذنوبه على ظهره، والعبور من خلال وديان موحشة ومخيفة، مليئة بالمخاطر التي صنعها بنفسه، ومطاردة من قبل وحوش متجسدة من أعماله السيئة.
المعصية
من أنواع الذنوب من حيث المصطلحات القرآنية، هي “المعصية”،[12] وتعبر عن موقف يتخذ فيه الإنسان قرارًا بالتمرد على التشريعات الإلهية، رغم معرفته بها.
فعلى سبيل المثال، يدرك الإنسان أنه مسؤول عن حقوق أسرته، وأنه ملزم بأداء العبادات، وأن الظلم حرام، لكنه يتجاهل هذه الأوامر بدافع التمرد الداخلي. هذا العصيان ناتج عن هيمنة الجانب الحيواني على الجانب الروحي في النفس البشرية، مما يجعلها غير قادرة على الامتثال لما يأمر به الله.
الحوب
ورد مصطلح “الحوب” في القرآن مرة واحدة فقط، وذلك في سياق أكل مال اليتيم،[13] “الحوبة” في اللغة تعني الحاجة والضرورة التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب الذنب، ولهذا فقد استخدم القرآن هذا المصطلح للإشارة إلى الاعتداء على أموال الأيتام، لأن مبررات هذا الفعل غالبًا ما تكون مرتبطة بالاحتياج أو الطمع تحت ستار الضرورة. كما أن “الحوب” يدل على شيء مقزز ومثير للاشمئزاز، لأن الذنب بطبيعته مكروه ومنفر.[14]
الجرم
من المصطلحات الأخرى التي وردت في القرآن والسنّة هي “الجُرم”.[15] “الجرم” هو الانقطاع والابتعاد عن الحق، والمجرم هو من خرج عن المسار الطبيعي للحياة وابتعد عن ما هو جدير به. يُطلق على الذنب اسم “جرم” لأن الفرد، من خلال ارتكابه، يبتعد عن مسار الحق ومصاديق الحق، التي هي الله والمعصومون(عليهم السلام)، ويدخل في وادي الضلال. إن الابتعاد عن الحق والخروج عن الصراط المستقيم يُمرض قلب الإنسان، وكلما زادت هذه المسافة، زادت شدة مرض القلب. كما ذكرنا سابقًا، فإن القلب المريض سيعاني من حياة برزخية صعبة، وعلى حسب نوع وشدة المرض، لابد له أن يبقى في مستشفى جهنم ويتحمل آلام العلاج لكي يصل إلى الحالة الطبيعية.
خطأ
تُستخدم كلمة “خطأ” مقابل العمل الصحيح، وعادة ما تشير إلى الأفعال التي تحدث عن غير قصد ومن خلال الغفلة. أحيانًا نرتكب ذنبًا عن جهل وعدم معرفة؛ دون أن نعتزم على ارتكاب الذنب في الحقيقة، ولكن بسبب محدودية معرفتنا وعدم بذل جهد للحصول على الوعي في هذا المجال، نقع في وادي الذنب عن غير قصد. هذه الأنواع من الذنوب في الأدبيات الدينية تُسمى”خطا”[16]، تماما مثل العديد من العادات والتقاليد الخاطئة التي تنتشر بين مختلف الشعوب، لكنها ليست موضع تأييد من الله وتعتبر خطأ.
الفساد
“الفساد” هو من الكلمات الأخرى التي تُستخدم كثيرًا في الأدب القرآني، وقد سمعنا جميعًا بها؛[17] على سبيل المثال، نقول إن هذا الطعام فاسد، أو أن هذا الاعتقاد فاسد، مما يعني أن ذلك الطعام أو ذلك الاعتقاد قد ابتعد عن الحالة المرغوبة وأصابه خلل. الفساد يقابل الصلاح والسلامة، ويشير إلى أي نوع من الخلل في الأداء أو الاعتقاد أو الرأي الذي يبعد الأفراد عن الحالة المرغوبة؛ على سبيل المثال، إثارة الفتنة والنميمة بين شخصين تُحدث فسادًا، لأنها تبتعد بعلاقتهما عن الحالة المرغوبة وما يجب أن يكون. أو أن بعض السلوكيات الاجتماعية غير السليمة، مثل عدم الالتزام بالزي المناسب، تُحدث فسادًا في المجتمع. كما أن عدم الالتزام بالوحدة الوطنية وتضحية المصالح الجماعية من أجل المصالح الفردية والحزبية، قد تُفسد المجتمع.
القبيح
“القبح” يعني الزُّهد و”القبيح” يعني شيء غير جميل وزائد عن الحد.[18] يكون القبح أحيانًا في شكل الفعل، مثل ارتداء ملابس المنزل في الخارج. وقد يكون القبح في اللفظ، مثل عدم الأدب واستخدام الألفاظ البذيئة تجاه الآخرين. أو قد يكون أصل القضية قبيحًا، والتفكير أو الحديث عنها ليس عملًا صحيحًا.
في هذا المقال، تحدثنا عن أنواع الذنوب من منظور القرآن، وقلنا إنه في الثقافة قد تُستخدم كلمات مثل “ذنب”، “حوب”، “جرم”، “إثم”، “وزر”، “سيئة”، “معصية”، “خطا”، “فساد”، أو “قبيح” وما شابهها للتعبير عن الذنب، ولكن في لغة القرآن والروايات، تحمل كل من هذه الكلمات معاني خاصة ودقيقة تعكس حالات مختلفة للنفس، وتحذرنا في الواقع من ارتكاب الذنب برسالة خاصة وتنبيه خاص.
[1] سورة النساء، الآية 93
[2] سورة البقرة، الآية 279
[3] . الراغب الاصفهاني، المفردات لألفاظ القرآن الكريم، ج1، ص 63
[4] سورة الأنعام، الآية 120
[5] . الراغب الاصفهاني، المفردات لألفاظ القرآن الكريم، ج1، ص331
[6] سورة الشعراء، الآية 14
[7] ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة 987
[8] سورة الأنعام، الآية 160
[9] . الزبيدي، تاج العروس، ج1، ص 177
[10] سورة فاطر، الآية 18
[11] . الأزهري، تهذيب اللغة، ج13، ص 167
[12] سورة المجادلة، الآية 9
[13] سورة النساء، الآية 2
[14]. مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير القرآن، ج 3، ص 250
[15] سورة الأنعام، الآية 55
[16] سورة النساء، الآية 92
[17] سورة القصص، الآية 83
[18] سورة القصص، الآية 42