ما هو الإثم؟ استكشاف مفهوم الإثم وآثارها من منظور جديد

جدول المحتويات
تأمل في مفهوم الإثم وکیفیة تأثيرها على الباطن

تأمل في مفهوم الإثم[1] وکیفیة تأثيرها على الباطن

إن من أبرز الأسباب التي تحدّ من فاعلية العمل الثقافي والتربوي في مجتمعاتنا هو الخطأ في أساليب نقل المفاهيم الدينية. ويعود سبب نفور جزء من المجتمع، وخاصة الشباب، من الدين إلى هذه الطريقة الخاطئة في إيصال تلك المفاهيم. إذ إن فهم الكثيرين للمعارف الدينية يبقى سطحيًا وغير عميق، مما يؤدي إلى تحريف معناها الحقيقي أو نقصانها. وبطبيعة الحال، لا يقبل العقل ما يأتي محرفًا أو ناقصًا. إننا بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف المعارف الدينية في العديد من المجالات، ومن بينها مفهوم الإثم.

يعتقد عامة الناس، بسبب جهلهم ببنية الكون الرياضية وتأثرهم بالتلقينات منذ الصغر، أن الإثم مجرد مخالفة لأوامر الله، وأنه فعل يكرهه الله ولا يرضى به، وأن من يخالف أمر الله سيعاقب. وهذا المفهوم للإثم ليس خطأً بالكامل، لكنه ناقص جدّا، مما يفتح الباب للعديد من الشبهات، حيث يتصور الإنسان أن الله حاكم جبار يفرض أوامره دون سبب، ويجبر عباده على الطاعة. ولكن إذا فهمنا الإثم في إطار الفلسفة الإنسانية والكونية الإلهية، وفي ضوء حقيقتها، فإن الكثير من هذه الشبهات تزول، وتظهر أسباب كراهية الله للإثم و تحريمه بوضوح.

إنّ الإثم هو أشدّ ما يُعوّق مسير الإنسان نحو الآخرة. ومَنْ يَعمل الصالحات دون أن یتعرف ويتجنّب الآثام، فكأنه فلاح يبذلُ كلّ جهده في زراعته، وينفقُ مالاً وجهداً، ولا يُكافح الآفات التي تهدّد محصوله. فهو يظنّ أنّ عمله سيؤتي ثماره، ولكنّه يغفل عن أنّ الآفات ستدمر محصوله في النهاية. وبالمثل، فإنّ الإنسان الذي لا يتطهّر من المعاصي والآثام، فإنّها ستُفسد حسناته وتُبطل عمله.

إن الإسلام يضع معرفة المعاصي واجتنابها قبل معرفة الحسنات والعمل بها.[2] إلا أن واقع حياتنا المعاصرة يتعارض مع هذا المبدأ. فالكثير منا يقضي وقته في الأعمال الصالحة، متناسياً الذنوب التي تشبه الفئران التي تأكل محصولنا. وهذا التقصير يؤدي بنا إلى الفقر الروحي يوم الحساب.

فنحن نضع القمح في هذا المخزن                         بيد أننا لا نكاد نجمع القمح حتى نفقده

وليس ينتهي بنا التفكر آخر الأمر                              إلى أن هذا الخلل الذي يقع بالقمح، جاء من مكر الفأر !

فمنذ صنع الفأر جُحراً في مخزننا                             خرِّب بخداعه هذا المخزن

فاعملي أيتها النفس أولًا على دفع شر الفأر            ثم اجتهدي – بعد ذلك – في جمع القمح[3]

سنستعرض في هذا الدرس مفهوم الإثم وعواقبه من زاويتين مختلفتين: الأولى هي هدف خلق الإنسان، والثانية هي قانون النسبة والرياضيات التي تحكم الكون.

فهم معنى الإثم في ضوء غاية الخلق

لقد تكرر الحديث في دروسنا عن علم الإنسان عن بنية النفس الإنسانية. وتوصلنا إلى أن طبيعتنا الإنسانية تسعى جاهدة إلى التشبه بالله تعالى. فالإنسان بطبيعته يميل إلى الكمال المطلق، والكمال المطلق هو الله وحده. لذا، فإن كل إنسان، مهما اختلفت ظروفه واعتقاداته، يحمل في أعماق نفسه شوقاً وحبًا إلى الله، ويبحث عنه كأنه الكنز الضائع. بعبارة أخرى، إن فطرة الإنسان تدفعه نحو الله بشكل فطري، حتى وإن لم يدرك ذلك إدراكاً واعياً.

إن الجانب الإلهي في وجود الإنسان ليحتاج إلى تربية إلهية مباشرة، لكي يصل إلى غايته المنشودة وهي التشبه بالله. وهذه القاعدة تنطبق على سائر أجزاء وجود الإنسان، فلكل جزءٍ منها مربٍ خاص وطريقة خاصة في التربية. فلكي ينمو الإنسان جسديًا وعقليًا وروحيًا، لابد له من أن يخضع لقوانين التربية التي يضعها المربون المتخصصون في كل مجال. ويتمثل دور المربي في وضع مجموعة من القواعد التي تساعد المتعلم على الوصول إلى هدفه. فبعض هذه القواعد تكون واجبة الاتباع، وبعضها الآخر محرمة، وهذا الأمر سائد في جميع مدارس الحياة والنوادي. فمثلاً، على من يريد أن يتعلم الرسم أن يخصص وقتًا للتدريب يوميًا، وإلا فإنه ارتكب حرامًا في مجاله، وعلى من يريد أن يكون مغنيًا أن يبتعد عن الأطعمة الضارة التي تؤثر على صوته، وإلا فقد ارتكب حرامًا مهنيًا.

وهكذا فإن مفاهيم الحلال والحرام والواجب والمستحب لا تقتصر على الدين فقط، بل تشمل جميع جوانب وجودنا، من الجمادية إلى ماوراء العقل.

  • الواجب: هو العمل الذي لا بد منه للوصول إلى الهدف المنشود، فتركه يُبطل جميع الجهود المبذولة.
  • الحرام: هو العمل الذي يجب تجنبه تمامًا لأنه يعيق السير نحو الهدف ويمنع التقرب من المربي والتشبه به.
  • المستحب: هو العمل الذي يسرع من الوصول إلى الهدف، وإن كان تركه لا يعرقل المسير، إلا أنه یجعل الإنسان أكثر قربًا إلى قلب مربیه.
  • المکروه: يُقصد بالمكروه كل عمل يؤخر أو يوقف السير نحو الهدف المنشود، ولذلك فتركه أولى؛ لأنه يعيق الوصول إلى الغاية.

بناءً على هذه التعريفات، يتضح مفهوم الإثم بوضوح. فالمعصیة أو الحرام من المنظور الإنساني هي كل عمل يمنعنا من تحقيق غاية خلقنا والتقرب من صفات الله والتشبه بکمالاته، أي كل عمل يعيق سيرنا نحو الكمال والصیرورة. إن ارتكاب الإثم هو في الحقيقة خرق للحدود التي وضعها الله – سبحانه وتعالى – ليرشدنا بوصفه مربیًا إلى السعادة والطمأنينة في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة.

فهم معنى الإثم من منظور قانون النسبة ورياضيات الخلق

يمكننا أن نفهم مفهوم الإثم وآثاره السلبية على النفس البشرية بشكل أعمق إذا ما استعنا بقانون النسبة. فكما سبق وذكرنا، فإن العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه علاقة رحم الأم بالجنين. إذا فهمنا مفهوم الإثم وعواقبه على الجنين في رحم أمه، فسوف نفهم بسهولة مفهوم الإثم وعواقبه على الإنسان في مسيره نحو الآخرة. ولكن، ما هو المقصود بمعصیة الجنين؟

إن الجنين في رحم أمه في حالة نشاط مستمر وتطور دائم، دون أن يهدأ للحظة. ولكن ليس كل ما يكتسبه الجنين من قدرات وأفعال يصلح للحياة الدنيا، بل إن الأفعال التي تتوافق مع مقاييس وقوانين الحياة الدنيا هي وحدها النافعة. فمثلاً، عدد الأيدي التي يحددها قانون الطبيعة للإنسان هو اثنان لا أكثر ولا أقل، وإذا جاء جنين بثلاث أيدي، فإنه يحمل في ظاهره زيادة في الممتلکات، وهذه الزيادة لا تتناسب مع مقتضيات الحياة الدنيا، بل تصبح عبئًا عليه بدلًا من أن تكون نفعًا.

إذا أردنا أن نشرح مفهوم الإثم فيما يتعلق بالجنين، فإننا نقول: إن الإثم هو كل فعل يخالف قوانين الطبيعة التي تحكم الكون من مقاديره وحدوده، أي كل فعل يتعارض مع البنیة الرياضية لنظام الكون والذي يمنع الجنين أن يولد سليما، یعتبر إثما.

يمكننا أن نطبق هذا المبدأ نفسه على رحلة الإنسان من رحم الدنيا إلى دار الآخرة، ونستخرج منه مفهوم الإثم. ففي هذه الرحلة، يُعد الإثم كل فعل يتعارض مع قوانين الحياة الآخرة وشروطها ومقاييسها. أي هي كل اختيار أو علاقة أو سلوك أو فكر يغير جوهر الإنسان الداخلي ويؤدي به إلى عذاب يوم القيامة. فالمذنب أو العاصي يشبه الجنين المشوه في رحم أمه، والذي لا يظهر تشوهه إلا عند الولادة. وهكذا، فإن الإثم هو كل ما يشوه الروح الإنسانية ويمنعها من بلوغ الكمال.

لقد تناولنا في هذا الدرس مفهوم الإثم من زاويتين: الأولى هي الغاية من خلق الإنسان، والثانية هي القوانين الرياضية التي تحكم العالم. وفي الختام، من المهم أن نؤكد على نقطة أساسية وهي أن الإثم لا يقتصر على الأفعال الفاحشة المعروفة كالسرقة وشرب الخمر والخيانة والكذب والقتل وغيرها، بل يشمل كل عمل يمسّ سعادتنا في الدنيا ويُعوق تقدمنا نحو الآخرة. وهكذا، فإن العديد من الصفات السيئة التي قد لا نعتبرها من الكبائر، يمكن أن تكون مدمّرة وتؤدي إلى ارتكاب خطايا أخرى. من أبرز هذه الصفات هي الكسل واللامبالاة اللذان يعدّان أصلًا لكثير من المعاصي، ويعوقان تقدمنا في الحياة الدنيا والآخرة. سنتناول هذه الصفة السيئة بالتفصيل في المرحلة المتقدمة من دراستنا في علم الإنسان.


[1] . الإثم هي مخالفة لأوامر الله ورسوله، سواء كانت هذه الأوامر تتعلق بأفعال ظاهرة مثل الصلاة والصوم، أو بأفعال باطنة مثل النوايا والأفكار. الإثم تفتح الباب للعقاب الإلهي وتبعد الإنسان عن رضوان الله. و أما الذنب فهو كل فعل قبيح أو قول مشين يخالف تعاليم الدين. الذنب يترك أثراً سلبياً على نفس الإنسان وحياته، ويجعله يشعر بالندم والأسف. و اما الإثم فهو فعل مقصود ومعمد، يرتكبه الإنسان عن قصدٍ واختيار. الإثم يعتبر أشد أنواع المعاصي، لأنه يدل على إصرار الإنسان على المخالفة.( أبو هلال العسكري، معجم الفروق اللغوية الفروق اللغوية بترتيب وزيادة، صفحة 244 و مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقه المصرية، صفحة 69)

[2] . الإمام علی علیه‌السلام: «اجتِنابُ السيّئاتِ أولى مِنِ اكتِسابِ الحَسَناتِ» غررالحکم و دررالکلم، ص81

[3] . المثنوي المعنوي جلال الدين الرومي الجزء الأول، القسم 16

اكتب رأيك