إعادة تعريف قانون القصور الذاتي ومفهوم القوّة في إطار الرؤية التوحيدية للعالَم
- ما هو قانون القصور الذاتي، وماذا يعبِّر عنه في ما يتعلّق بحركة الأجسام أو سكونها؟
- ما هو سبب تغيير الحالة الحركية أو السكونية للأجسام، بناءً على قانون القصور الذاتي؟
- ما الفرق بين رؤية العلماء المسلمين وغير المسلمين لطبيعة القوّة والطاقة، وما علاقة الملائكة بهذه المفاهيم؟
“يحتفظ كل جسم بحالته من السكون التام أو الحركة المنتظمة في خط مستقيم، ما لم تُجبره قوة خارجية مؤثرة على تغيير هذه الحالة.”
العبارة السابقة تمثل النص المؤسس للقانون الأول لإسحاق نيوتن، المعروف باسم قانون القصور الذاتي. ينص هذا القانون على أن جميع الأجسام تقاوم بطبيعتها أي محاولة لتغيير وضعها الحالي؛ فالجسم الساكن يميل إلى الأبد للبقاء ساكناً، والجسم المتحرك بسرعة ثابتة وفي اتجاه محدد يميل للبقاء على حالته ما لم تتدخل قوة خارجية لإحداث التغيير. فعلى سبيل المثال، يحافظ الكتاب الموضوع على سطح الطاولة على سكونه ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تُحركه. وكذلك، فإن الكرة المقذوفة في الفضاء كانت ستبقى متحركة في مسار مستقيم وبنفس سرعتها الابتدائية إلى الأبد لو لم تعترضها قوتا احتكاك الهواء وجاذبية الأرض.
إن وجود هذه القوى الخارجية المسؤولة عن تغيير حالات الأجسام هو مبدأ لا خلاف عليه بين جميع العلماء، مسلمين كانوا أم غير مسلمين. لكن، يكمن الاختلاف الجذري في تحديد ماهية هذه القوى الخارجية. والسؤال المحوري هنا هو: هل القوى التي يشير إليها قانون القصور الذاتي هي مجرد مفاهيم تجريدية وذهنية، كما يرى المنظور الفلسفي والفيزيائي الحديث؟ أم أن وراء هذه القوى والطاقات الكونية حقيقة حية واعية، تتمتع بالإرادة والقدرة، كما يعتقد الفكر الإسلامي والفلسفة الحِكمية؟
تهدف هذه المقالة إلى الإجابة على هذه التساؤلات، من خلال إعادة تعريف مفهوم القوة والطاقة، وكشف الرابط العميق بينهما وبين القوى الإلهية المتمثلة في الملائكة، وذلك انطلاقاً من زاوية الحكمة الإسلامية.
الكشف عن ماهيّةِ القوّة وربطها بعالَمِ الملكوت
إنّ إدراكَنا لوجود قوى في الكون تُحرِّك الأجسام المادّية وتدفعها إلى الحركة، مسألةٌ مهمّة، غير أنّ الأهمّ هو معرفة ماهيّة هذه القوى والمصدر الذي تنبع منه. فالنطفةُ الموجودة في صُلب الرجل، وهو جسمٌ مادّي، يميل وفق قانون القصور الذاتي إلى السكون، ولا ينبغي لها بحسب هذا القانون أن تتحرّك من مكانها، بينما نرى في الواقع أنّ السائل المنوي خلال العلاقة الجنسيّة يتحرّك من موضع إنتاجه ضمن عمليّة دقيقة ومحكمة، ثمّ يشقّ طريقه بمعونة حركات السوط في ذيله، عبر مسار طويل متعرّج يبدأ من المهبل وصولًا إلى قناة فالوب ليلتقي البويضة. وفي هذا الطريق، تجري عمليّةُ «غربلة» ذكيّة هي بالفعل من أعاجيب الهندسة الحيويّة؛ إذ يهلك عدد كبير من النطف، ولا يبقى إلا الأقوى منها. وفي النهاية، لا ينجح سوى حيوانٍ منويّ واحد في اختراق الغشاء الخارجي للبويضة والاتّحاد بنواتها في عمليّة التلقيح. وبعد التلقيح مباشرة يبدأ انقسامُ الخلايا في الجنين، وانطلاقًا من كتلةٍ خلوية بلا شكل، تتوالى سلسلةٌ من أعمال دقيقة منسّقة يتشكّل منها أعضاءٌ وأنسجةٌ متخصّصة، في مشهدٍ هو بحدّ ذاته من عجائب الصنع والإبداع.
فما القوّة التي تُحرّك النطفةَ من موضعها وتزوّدها بالطاقة اللازمة؟ وما العامل الذي يختار واحدةً من بين ملايين النطف لتلقح البويضة؟ وكيف تتحوّل كتلةٌ خلوية عاديّة إلى أنسجة وأعضاء متخصّصة في جسد الجنين؟ وهل يمكن حقًّا نسبةُ هذه العمليات البالغة التعقيد والذكاء إلى مجرّد خاصيّةٍ في المواد، من دون الاعتراف بدور عالم الأمر وتدبير الموجودات المجردة في هذه العمليّات؟!
ومثل ذلك بذرةُ النبات؛ فهي أيضًا كغيرها من الأجسام، لا ينبغي لها أن تتحرّك، إذ يملي عليها قانون القصور الذاتي أن تبقى ساكنة في وضعها. لكنّ أعجب التحركات إنّما تقع في هذه البذور الحيّة الصغيرة نفسها. فعندما تُوضَع بذرة في باطن التراب، تبدأ بامتصاص الماء وتنتفخ كما ينتفخ الإسفنج. ومع امتصاص الماء تنشط أنزيمات كامنة في البذرة، فتكسر مركّبات غذائيّة معقّدة كالنشاء إلى سكّريّات بسيطة، توفّر الطاقة اللازمة للنموّ الأوّلي. وبنشاط الأنزيمات وحصول البذرة على الغذاء، تبدأ عمليّة التنفّس الخلوي؛ ثمّ تشقّ الجذيرة طريقها نحو الأسفل، وينبثق الساق الصغير نحو الأعلى، وهكذا يخرج من تلك البذرة الضئيلة نباتٌ عظيم، قد يبلغ ارتفاعه أمتارًا، وتتميّز أوراقه كلّها بخصائص متفرّدة، فلا تجد ورقتين متطابقتين تمامًا!
وهذا كلّه مجرّد ما تبصره العيون. أمّا في أعماق خلايا النبات، فالعجب أعجب، ففي عمليّات كالتمثيل الضوئي والتنفس الخلوي تضجّ الخلايا بحركة دقيقة لا يختلّ فيها موضع إلكترون واحد! بل إنّ كلّ ورقة أشبه بمصنع يعمل بانتظام لا يختلّ.
هذان مجرد قطرتين من بحر ملايين بل مليارات تجري في عالم المادّة، سواء في مقاييسه الكبيرة أو مجاهرِه الدقيقة. ولو حاولنا تدوين وحصر كل حركة في الكون، لاحتجنا لعدد لا يحصى من مجلدات، وهو أمر مستحيل عملياً. وهنا يبرز سؤال حاسم: ما هي القوى التي تُوجّه وتُدير هذه الحركات الدقيقة والمعقدة، وهذا النظام الكوني المذهل الذي لو اختل للحظة لانهار الوجود بأكمله؟
نظرةُ المادِّيّين القاصرةُ إلى الظواهر
الواقع أنّ الإنسان المعاصر ـــ بتعمّدٍ منه، وإصرارٍ على الجهل الذي يُسمِّيه «الحداثة» ـــ يميل إلى أن ينظر إلى عالَم الخلق أو الدنيا بوصفه عالمًا مكتفيًا بذاته، لا صلة له بعالَم الأمر والملكوت، كي لا يُضطرّ إلى الإيمان بوجود عالمٍ آخر غير هذه الدنيا؛ لأنّ الإيمان بذلك يحمّله التزاماتٍ يفرّ منها هواه الجامح. ولو لم يكن هذا النفور، لكان وجودُ عالمٍ غير الدنيا واضحًا كوضوح الشمس، لا يمكن إنكاره بحال.
فكلُّ إنسانٍ راشد، إذا رجع إلى عقلِه وفطرتِه، ونحّى حجابَ العادة عن بصره، أدرك أنّه يستحيل تفسيرُ جميعِ أحداث العالم بطريقةٍ تُغني عن عالَم الأمر، وتُنكر تدبيرَ الأرواح المجرّدة لشؤون الكون. فمهما حاك الإنسانُ من تفسيراتٍ ماديّة، سينتهي دائمًا إلى نقطةٍ لا يُعقَل تجاوزها إلا بالاعتراف بعالَم الأمر، وبوجود قوى غير ماديّة تتدخّل في وقوع الظواهر.
إنّ أغلبَ علماء العلوم التجريبيّة يُفسّرون ظواهر الكون تفسيرًا مادّيًّا خالصًا؛ ولهذا، رغم التقدّم المرموق في العلم، لا يزال الإنسان عاجزًا عن تقديم تحليلٍ دقيق لكثير من حوادث وحقائق كونيّة. لكنّنا ـــ وبحكم نزوعنا الفطري إلى المعرفة ـــ نحاول أن نسدّ هذا النقص باللجوء إلى وضع النظريّات. ومن أبرز هذه القضايا: مبحثُ القوّة وماهيّتُها.
فالجميع يعلم أنّ القوى هي أساس الكون ومعماره الأكبر، ولولاها لما كان هناك شيءٌ موجودًا على ما نعرفه. فالقوى هي التي تُبقي الإلكتروناتِ دائرةً حول نواة الذرّة، وهي التي تربط الذرّات بعضها ببعض لتكوين الجزيئات؛ ولولاها لما وُجدت ذرّة، ولا جزيء، ولا تشكّلت مادّة أصلًا.
وأما النجومُ والكواكب فهناك قوىً تحفظها في مداراتها المرسومة، ولولاها لتفكّكت البُنى الكونيّة وانهارت مجرّاتٌ بأكملها. بل إنّ القوى وتفاعلاتها تؤدّي دورًا جوهريًّا في تحديد شكل الفضاء والزمن؛ فبدونها لا يبقى للمسافة أو للزمن أيّ معنى مماثل لما نعرفه. وباختصار، لولا “القوى” ما وُجد الكون بهيئته وشكله الحالي.
الملائكةُ: وُكلاء الله وقُوى الوجود
لا يقدم الفيزياء الحديثة إجابة شافية حول كنه القوى وماهيتها، فمن منظورها، القوة والطاقة هما عاملان خارجيان حقيقيان، لكن ماهيتهما غير واضحة، ولا يمكننا أن نرى إلا آثارهما. أما في الحكمة الإسلامية، فهناك إجابة واضحة ودقيقة لهذا السؤال.
القوى التي يتحدث عنها قانون القصور الذاتي والتي تسبب التغيير في حالات الأجسام، هي في حقيقة الأمر قوائم الوجود الكوني (قوى العالم) والتي هي عينها الملائكة. وقد نقل الفلاسفة والحكماء المسلمون، كالفيلسوف الملا محسن فيض الكاشاني، أن “ما من شيء في هذا الكون إلا وله في العالم الآخر قوة روحانية، وهي التي يعبر عنها الشرع بالملائكة”.[1] كما اعتبر العلامة حسن زادة الآملي أن القوى الفاعلة في الكون هي ذاتها ملائكة الله. [2]
والتعبير الأدقّ لهذه القوى هو «القوى الإلهيّة»، إذ لا وجودَ في الكون إلّا لوجودٍ واحدٍ حقيقي، وهو الذات المقدّسة للّه تعالى. فالله هو الوجود المطلق اللانهائي الذي يملأ العالم، ولا شيء سواه يمتلك وجودًا مستقلًّا. جميع المخلوقات التي نراها، بما فينا نحن، ما هي إلا تجليات وظهورات لأسماء الله الحسنى، ولا نملك وجوداً مستقلاً بذواتنا. لله سبحانه وتعالى أسماء متعددة في القرآن الكريم (السميع، الرحيم، العليم، إلخ). هذه الأسماء هي ألفاظ ندعوه بها، لكن وراء هذه الألفاظ حقائق وكمالات حقيقية. فعندما نقول “الحي”، فهذا ليس مجرد لفظ، بل هو تعبير عن كمال إلهي يمنح المخلوقات الحياة؛ وعندما نقول “القادر”، فهذا يعني أن في ذاته كمالاً يمنح القوة للموجودات، وكل ذي قوة في الكون يستمد قوته منه.
والملائكة في حقيقتهم مظاهرُ هذه الأسماء والكمالات؛ فإنّ عمل الأسماء في العالم، يجري بواسطة قوى الملائكة. فمثلًا، هناك الكثير من الموجودات في العالم بحاجة إلى الالتحام والاتّصال، حيث يتمّ ذلك تحت اسم «الواصل» وبواسطة ملائكةٍ هم مظاهر اسم «الواصل» الإلهي. أمّا التصوير والتشكيل، فذلك عملُ ملائكةٍ هم مظاهر اسم «المصوّر»، حيث لا تتشابه ورقتان أو وجهان تماماً، هو نتاج هذا الاسم الإلهي الذي يُنتج من خلال الملائكة المصوّرة.
لذا، عندما نتحدث في الفيزياء عن قوة الجاذبية، أو القوة الكهربائية، أو القوة المغناطيسية، فإننا في الحقيقة نتحدث عن قوة الملائكة. فالملائكة هي التي تُدير دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس بقوتها. وهي التي تخصب السحب وتنقلها. وحركة الحيوان المنوي نحو البويضة، والإخصاب، وتكوين الجنين، وكل العمليات التي تؤدي إلى ميلاد إنسان، تُدار بقوة الملائكة. فالملائكة هم وكلاء الله، وأذرعه التنفيذيّة في عالم الخلق، يُدبّرون شؤون الكون بإذنه، ويمضون أمره، ويُنجزون ما تُجليه الأسماء الإلهيّة في عالم الوجود.[3]
في الدروس القادمة، سنتعلّم المزيد عن خصائص الملائكة وكيفيّة عملهم في هذا العالم.
[1] علم اليقين، ص 276
[2] ألف نقطة ونقطة، ص103، النقطة114.
[3] «فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا؛، سورة النازعات، الآیة 5