من هو مصداق اللانهاية في العالم؟ وما هو الشيء الذي نعشقُهُ؟
کم تحتاج من الملیارات لتحقیق كل أمنياتك؟ قد تتجسد سلسلةٌ من الأمنیات في ذهنك عندما تفكر في هذا الاستفسار. ولکن، هل یوجد يا ترى حدٌّ لهذه الأمنیات؟ أو أنه ما إن تم وضع نقطة في نهایةَ الفهرس إلا وظهرت آمال وأمنیاتٌ أخری؟
يبدو أنه لا توجد نهایة لأمنياتنا في هذه الدنیا ولا یوجد مصداق لأمنياتنا اللانهائية. إذن لاداعي لإثبات أنّ الإنسان یطلب اللانهاية دائما إذ أنه یکفي لکلّ منا أن ینظر إلی نفسه وأمنياته لقبول هذا الواقع.
إن الرغبة في اللانهایة توجد في کل شؤون حیاتنا، إننا نريد الأفضلية في أيّ مهنة ندخلها، حتى ولو فزنا بمیدالیة ذهبیة في الألمبياد، سنفکّر في تحقيق رقم قياسى جديد بالتأكيد. إن خيالنا في سعى دائم بين رغباتٍ لایمکننا تصوّر نهایَةً لها. إذا لم يتم التحكّم في الرغبة اللانهائیة ولم يتم وضعها في الطريق الصحيح نحو تحقيق المصداق الحقيقي لها فإنها سوف تصبح خطيرة للغاية. کما أثبتنا في المقالات السابقة، فإنّ طلب اللانهایة رغبة فطريّة في البشر ونحن غیرمحدودین في هذه الرغبة. هذا یعني أن رغبتنا في السعى نحو الأفضل لن تتوقّف أبداً. بالتالي، إذا لم تُوجه هذه الرغبة في الاتجاه الصحیح، فإنها إمّا أن تُضيّع حیاتنا بالكامل في السعي لتحقيق أهداف جدیدة طوال الوقت، أو أننا سنشعر بالملل والاكتئاب حتى بعد الوصول إلی أفضل ما يمكن الحصول عليه في العالم المادّي. لذلك، السؤال الأهم في حیاتنا هو: ” ما هي الطريقة للوصول إلى تجسيد لامتناهٍ، أو بعبارة أخرى، ما هو مصداق اللانهاية في العالم، وکیف یمکننا الوصول إلیه؟”
إتجاه خاطئ في طلب اللانهایة

نحن لانلومُ أحدًا بسبب الأکل أو الزواج أو الرغبة في الجمال، لأنّنا قد قبلنا أن هذه رغبات إنسانية طبيعية. ولكن عندما يأكل شخص ما أكثر من اللازم، أو لديه الكثير من الزوجات، أو یُخضع نفسه لعملیات التجمیل عدة مرات لامتلاك وجه أجمل، فإننا لن نعتقد أن ذلك أمر مقبول.
على الرغم من أن کلّ من هؤلاء يتبعون رغباتهم فقط، فلماذا نعتقد أن إشباع الرغبات أمراً مباحاً وطبيعياً تارة، و غير مقبولا و قبيحا تارة أخرى؟
صحيح أنّ جميع هذه الرغبات تنبع من وجود الإنسان ولکنها في الواقع لديها أصول مختلفة. إن الرغبة في تناول الطعام هي جزء من احتياجاتنا المادية للوجود الإنساني ومن الطبيعي تلبيتها بأشياء مادية. ولكن الخطأ هنا هو أننا قد اعتبرنا أن الرغبة في اللانهاية عند الإنسان مادية أيضا وقمنا بمحاولة تلبية هذه الرغبة بوسائل مادية، في حين أن هذا مستحيل بشكل أساسي.
لایمکن للأرض بکل اتساعها وتنوّعها في الکائنات والظواهر أن تلبّي رغبة الإنسان في اللانهایة، لأنّ هذا العالم هو مادّي ومحدودٌ ورغبتنا في اللانهایة لها أصل غير مادي وغير محدود، وهذا ما تقبله الفطرة السليمة أنّ المحدود لایمکنه تلبية احتياجات اللامحدود.
إذا حصر الإنسان جهده في إشباع رغبته اللانهائية في إطار الدنيا وامکانیاتها، فإنه لن يحصل على شيء سوى التعب والإرهاق، وطالما أنه لایُشبع هذه الرغبة بطريقة صحيحة و من مسارها المخصص لها، فإنه لن يشعر إلا بالعطش الشديد إلى المزيد من الطلبات.
عقیدة خاطئة
قد قابلت أشخاصًا قد عاشوا في منطقة ما على أجيال متتالية، متأثرين جداً بأخلاق السكان الأصليين وسلوكهم وعاداتهم حتى أنهم يتحدثون بلهجتهم، ولکن ظاهرهم يصرخ أنهم ليسوا من أبناء المنطقة. هذا ما ينطبق علينا نحن البشر أيضا. لقد عشنا على الأرض جيلا بعد جيل، واعتدنا على ظروف الحياة فيها، حتى نسينا بالكامل أن موطننا الأصلي ليس هو الأرض بل إننا ننتمي إلى مكان آخر و أن جذورنا ترجع إلى وجود لا نهائي ومن المقدر أننا سوف نرجع إليه في نهایة المطاف!
إن رغبتنا في اللانهاية هي رغبة غير مادية، لکننا قد تعوّدنا على جسمنا المادّي بحیث أننا لانتصوّر أنفسنا شیئا غير ذلك، ولذلك فإننا نحاول أن نلبّي جميع احتیاجاتنا وأُمنياتنا عن طريق المادة. لقد نسينا أنه لا يوجد مصداق للانهاية في العالم المادي المحدود ولإشباع هذه الرغبة، لابد أن نبحث عنها في عالم أكبر.
ازدهار الرغبة في اللانهاية
تصوّرا الفرقَ بین نبات الصبّار في صحاري قارة أمریکا وصبار صغیر خلف نافذة غرفتك. الصبّار هو نوع خاص من النباتات ينمو تلقائيا في القارة الأمریکیّة وقد تظهر على جوانبها أزهار جميلة. في ظل الظروف المناخية لتلك المنطقة قد یبلغ طوله إلی عدة أضعاف قامة الإنسان. ولکن، النبات الذي نحتفظ به في مزهریّتنا هو نسخة صغيرة تعكس صورة مختصرة عن النبات الأصلي، ولو لم نملك معلومات عن تلك الناحية من الكرة الأرضية فإننا لن نتصوّر إمکانیّة نموّ نبات الصبّار أکثرَ من سانتیمترات و لم نعلم حتی أن هذا النبات قد یعطي أزهارا.
عندما لا یکون الشيء اصلیًا في منطقة ما یمکن تمییزه بسهولة، إذ أنه یُظهر میزاتٍ من نفسه تمیّزه عن نظائره بوضوح. وقد يكون أيضا غير قادر على التكييف والتوافق مع البیئة الجدیدة من عدّة منظورات، أو أن بعض ميزاته قد لا تبرز بشكل كامل أبداً. نحن البشر لا ننتمي إلى الأرض ورغبتنا في اللانهاية لا تنبع من كوننا سكان الأرض، بل إنها کانت موجودة في وجودنا بالفطرة، ولذلك فإنها لن تزدهر في ظل الإمکانیات الأرضية أبدا.
لو غفلنا عن رغبتنا في اللانهاية، فسوف نعتبر هذا العالم أنه غايتنا الأسمى، وسنحاول عندها إشباع هذه الرغبة بأن نكون الأفضل في كل شيء، وما إن نصل إلى نهاية ما كنا نبحث عنه حتى نقفز إلى فرع آخر. وطالما أن أصل رغبتنا اللانهائية وجذرها نشأ في “اللانهاية” منذ البداية، إذن فلا معنى لهذه الرغبة إلا في بيئة اللانهاية. تماما مثل الماء الذي هو الوحيد القادر على إرواء العطش، فلا يمكن تهدئة رغبة الإنسان في اللانهاية إلا باللانهاية وحدها.
الإثبات الشهودي لوجود کائن لانهایی أو الکمال المطلق
شرحنا في المقالات السابقة أنه توجد هناك رغبة في اللانهاية عند جميع البشر، وتناولنا هذه المسألة نظريا و منطقيا، وبما أنّ هذه الرغبة فطرية وذاتية للبشر بأسرهم، فهم يبحثون عن الكمال المطلق ومطلق الكمال ويمكن إثبات ذلك عبر قوانين الأمنيات والطلب والتي شرحناها من قبل:
- إذا طلبنا شيئًا ما، فإنه موجود بالتأكيد.
- هناك تناسب وتوافق بیننا و بین أمنياتنا.
- توجد لدينا السعة لقبول ما نطلبه.
- إننا جربنا المطلقية واللانهائية بالفعل، ولهذا نتمناها ونطلبها.
وهذا ما يؤدي إلى معاناة الإنسان بسبب محدوديات الحياة على الأرض، لأنه دائمًا يطلب المزيد والأكثر من كل الامكانيات. الجميع يدرك هذا الأمر مع القليل من التفكير.
العشق للکمال المطلق واللانهائي لا ينتج عن العلم والتعلم، وإنّما هو أمر متأصل وفطري في الإنسان. بما أننا نحب الکمال المطلق ومطلق الکمال إذن فإننا كائنات لانهائية، لأن اللامتناهي فقط توجد لديه السعة لقبول اللانهایة ولایمکن للمحدود طلب اللانهایة أبداً.
مصداق اللانهاية في العالم
لا يمكن أن يكون مصداق اللانهایة الحقیقیة من منظور العقل إلا واحداً، لأنهه لو کان أکثر من واحد فسيکون محدودا ولا يعود لانهائيا بعد. إننا نسمّي هذا المصداق الواحد بـ«الله» والذي لا تكون لانهائيته کامنة وبالقوة، إذ كون شيء “بالقوة” يعني امتلاكه القدرة على تحقيق الكمال الذي قد یزدهر. الکمال الکامن وبالقوة هو کمال ناقص ومحدود یسیر نحو النموّ، بینما الله سبحانه وتعالی لیس هکذا. إنه مصدر کافة الکمالات و یرجع ظهور کلّ شيء في العالم إليه. (سوف نتحدّث في المقالات المتقدّمة حول هذه القضیّة).
إن الله هو المعشوق الحقیقي لجميع البشر. حتى و لو لم نكن مؤمنين به من منظر الاعتقاد، إلا أننا جميعا نطلب الوصول إلیه في جمیع لحظات حياتنا وتنبثق محاولاتنا وحرکاتنا کافة من رغبتنا في اللانهایة أو الکمال المطلق. لا يوجد مصداق لتلك اللانهاية التي نعشق الوصول إليها إلّا الله، إنّه يجسّد الحقيقة اللانهائية الموجودة وله کل الکمالات وهو غير محدود، ليس أكثر من واحد، وهو خالق جميع الكائنات الأخرى، وبما أنّ نفسنا قد نشأت من هذه اللانهاية، إذن فلديها الرغبة فيها وتبحث دائمًا عن أصلها، ولن يهدأ لها بال حتى تصل إليها.
السعادة والسکینة الأبدیة
تصدر الرغبة الإنسانية في اللانهایة من جانب “ماوراء العقل” من وجود الإنسان وتتبعه الأجزاء السفلی منه في هذه الرغبة، وفي الواقع فإن رغبة الإنسان اللانهائیة لا تسبب له غير المتاعب إلّا في الجانب ماوراء العقلي من وجوده. هذه الرغبة اللانهائية الكامنة في بقية جوانب الإنسان الوجودية تدفع الإنسان إلى التحول و الانتقال بشكل دائم من مسعى إلى آخر، مما يحرمه في النهاية من السعادة والسلام، کالطفل الذي یتضرّع دوما و لا يعرف ماذا یرید بالضبط. إهتمام الإنسان بجانب ماوراء العقل من وجوده وإشباع رغبته في اللانهایة عبر اللانهایة المطلقة الحقيقية، هي الطريقة الوحيدة لجلب السکینة والهدوء لجوانب وجوده الأخرى. بالنتيجة فإن عودة السكينة والهدوء إلى الكيان الإنساني رهن استجابته الصحيحة للرغبة اللانهائية.
أكّدنا في هذا المقال أنه لا توجد نهاية للرغبات الإنسانية، و بما أن شغف الإنسان باللانهائية له جذور غير مادية، لذلك فلن تتمكن الإمکانیات المادیة في الدنیا تلبية هذا الشغف. وإذا تجلت هذه الرغبة اللامتناهية في أي من رغباتنا المادية، فإنها لن تؤدي إلا إلى حرماننا من السعادة والسلام. بالنتيجة، فإن إشباع الرغبة في اللانهاية يمكن فقط في بيئة لا نهائية و الإجابة الوحيدة المناسبة لرغباتنا غير المادية هذه، هي اللانهائية المطلقة.
لكل حاجة نشعر بها في أنفسنا إجابة أو مصداق خارجي يمكنه إشباع تلك الرغبة. فكما أن الجوع والعطش یمکن تلبیتهما عبر الماء والطعام، فإن رغبتنا في اللانهاية يتم اشباعها بمصداقها الخارجي، وهو الكمال المطلق والوجود الذي يدعى ب: “الله” و الذي حبّه في قلوب الناس جميعا دون استثناء.
ولکن، ما هو مصدر هذا الحب؟