مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

ما الحاجة إلى معرفة الميزان؟ وما هي أهم الموازين الأخروية؟

جدول المحتويات
ما هي أهم الموازين الأخروية؟

أهمية معرفة الموازين الأخروية في الحياة

تحدّثنا في الدروس السابقة عن مفهوم الميزان وتقييم الأعمال، وأشرنا إلى أننا دوماً في حالة تقييم و موازنة لأعمالنا، إن عملية قياس الأعمال هي من صميم حياتنا اليومية. وعليه، فإن حاجتنا إلى المؤشر والميزان الخاص بكل عمل، تفوق حاجتنا إلى مجرد المعرفة والمعلومات. . فغياب الميزان الصحيح يقودنا إلى الإفراط أو التفريط.

تأمّلوا في مثال الطبيب: إن لم يكن على دراية تامة ودقيقة بالمقاييس الحيوية لجسم الإنسان – مثل النسب الطبيعية للحديد، والكالسيوم، وفيتامين “د”، وسكر الدم، والدهون – فلن يتمكن من تشخيص الأمراض وعلاج المرضى.  فماذا عن العقل، والشجاعة والإخلاص والتضحية والصدق والتقوى، أو حتى مدى صحة صلاتنا وصيامنا، هل تعتقدون أن هناك ميزاناً دقيقاً يمكننا من خلاله قياس كل ذلك؟

لا شكّ في أن امتلاك ميزان صحيح في السير نحو الآخرة أمرٌ بالغ الأهمية، بل هو أهم بكثير من امتلاك أدوات الحياة الدنيوية، لأنّ وسيلتنا في الآخرة لن تكون هذا الجسد المادي، بل القلب والروح، والحفاظ على سلامتهما أولى بكثير من سلامة البدن. وللولوج إلى عالم الآخرة، نحتاج إلى قلب سليم، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال معرفة الموازين الأخروية، وتفاصيلها الدقيقة التي ينبغي أن يتطابق معها قلب الإنسان.

فإذا لم يكن لدينا ميزان واضح وصحيح لأعمالنا، فلن نعلم هل ما نقوم به – وإن بدا ذا أجر كبير في الظاهر – سيكون في صالحنا أم لا. فكثيراً ما ننشغل بأعمال دينية وشعائر ظاهرها البرّ، لكننا نغفل عن العمل الأهم والأكثر وجوباً. على سبيل المثال، خلال فترة الجهاد والحرب ضد الأعداء، قد ينشغل بعض طلاب العلوم الدينية بالفقه والدراسة، بينما غفلوا عن الجهاد الذي هو أوجب. هكذا يُضلّنا الشيطان بإشغالنا بأعمالٍ صالحة ومقدّسة، حتى يصرفنا عن العمل الرئيسي.

في هذا المقال، سنتناول أهم الموازين الأخروية التي لا غنى لنا عن معرفتها، فتابعونا.

التعرف عن المواقف أو الموازين الأخروية

لا بدّ لكلّ إنسان أن يتعرّف على الموازين الأخروية، حتى لا يقع فريسةً للعذاب في يوم الحساب. إن التعرف على المواقف والموازين الأخروية تمثّل الخطوة الأولى للاستعداد لولادةٍ صحيحة سليمة نحو الحياة الأبدية؛ أما أما الخطوة التالية، فهي تجسيد هذه الموازين وتفعيلها في ذواتنا. فلكلٍّ منّا، بحسب موقعه ودوره في الحياة، مجموعة من موازين متعددة يُوزن بها كلّ عملٍ نأتي به. بعض هذه الموازين حاسمة ومحورية، ويمكن بواسطتها تصحيح ما اختلّ من موازين أخرى، بينما هناك موازين لا سبيل إلى إصلاحها  إذا اختلّت أبداً.

فكروا مثلاً في طبيب يصف علاجاً أو يجري جراحة لإنقاذ مريض، لكن في حالات معينة يكون وضع المريض متدهوراً إلى درجة يعجز فيها الطبّ عن فعل شيء. هكذا هي بعض الأعمال في الميزان الأخروي؛ فترك الصلاة، أو التقصير في أداء الواجبات الفردية تجاه الإمام المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، تُعدّ من الحالات الخطيرة التي يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة.

فيما يلي، سنستعرض أمثلة على بعض من أبرز الموازين الأخروية التي لا بدّ لكلّ واحدٍ منّا أن يعرفها.

الميزان وصلتنا بالعائلة السماوية

إن أعظم موقفٍ نواجهه يوم القيامة، هو الموقف الذي يتعلق بالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). هناك يُسأل كلٌّ منّا عن طبيعة صِلته بهذا الإمام الغائب الحاضر: هل كنت بحقّ ابنًا له وشيعيًا صادق الانتماء؟ هل ملأتَ الموازين التي تُطلب منك في هذا الارتباط هل كانت خياراتنا، علاقاتنا، أفكارنا، وسلوكياتنا – بل نمط حياتنا بأسره – متناغمة مع نهج دولته الإلهية وفريضة انتظاره؟

يدعي غالبية الناس حب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بينما قلة منهم فقط تستوعب حقيقة الهوية الأبوية للإمام. فالحقيقة أن كلّ واحدٍ منّا، قبل أن نكون آباءً، أمهات، أزواجًا، أبناء، موظفين، أو رؤساء، نحن جميعًا أبناء الإمام المهدي عليه السلام ويجدر بنا أن نشعر بالمسؤولية تجاه هذا الأب الغريب والمظلوم الذي ما زال عبر القرون، يذرف الدموع ليلاً ونهارًا في وحدته وضيق غربته.

العلاقة بين الميزان والصلاة

للصلاة موازين عدّة، ينبغي لكلٍّ منّا أن يعرفها جيداً، ويجتهد في ملئها، وإلا فقد نُصلّي خمسين عاماً، دون أن تُقبل منا حتى ركعتان،[1] لأننا لم نلتزم بموازين الصلاة كما ينبغي. الصلاة لها شرطان أساسيان: الصحة والقبول.

الصحة تتعلّق بهيئتها الظاهرة: الوضوء، القراءة، الركوع، السجود، وغيرها من الأركان. أما القبول، فمرتبط بروح الصلاة وباطنها: هل كانت الصلاة خالصة لوجه الله؟ هل كانت وسيلة لارتقاء أرواحنا؟ كثيراً ما نُؤدي صلاة صحيحة من الناحية الفقهية، فترفع عنا التكليف، لكنها لا تكون تلك الصلاة التي ترتقي بنا وتعارج بنا إلى مقامات أعلى. إنها كدرجاتٍ حصل عليها طالب، لكن بالغش، لا بالعلم. فإذا أراد أحدنا أن يعرف هل قُبلت صلاته، فلينظر: هل نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر؟ فبقدر ما تُبعِدنا الصلاة عن  المعصية، تكون مقبولة عند الله.[2] أي إذا كنّا نصلّي، ولا نزال نأكل الحرام، ونظلم الناس، ونتجاوز حدود الله، فاعلموا أن في صلاتنا خللًا، وأنها لا تُرضي ربّ الصلاة.[3]

العلاقة بين الميزان ودور الأبوة

ذكرنا سابقًا أن كل فرد، بغض النظر عن موقعه ودوره، ملزم بتحقيق موازينه الأخروية التي ينبغي أن يملأها قبل أن يأتي يوم تُوزن فيه الأعمال. ويعني اكتمال ميزان الأب أن ينهض بمسؤولية تعريف أفراد أسرته بالله والآخرة.[4] وإذا لم يتمكن من تحقيق هذا الميزان، فإنه سيفر من عائلته يوم القيامة، لأنه لم يقم بحق الأبوة الحقيقي.[5]

إن مسؤولية الأب لا تقتصر على توفير المال والتعليم، بل تتمثل واجبات الأب تجاه نفسه وعائلته في معرفة الواجبات الدينية وتعليمها. لكن المؤسف أن غالبية الآباء يهتمون بتحصيل أبنائهم للعلم، الشهادات، والمناصب الدنيوية، أكثر من اهتمامهم بدينهم، وأخلاقهم، وأدبهم، أو آخرتهم. ورغم أهمية هذه الأمور الدنيوية، إلا أنها يجب ألا تكون الأولوية القصوى في الحياة. فيا للأسف على أولئك الآباء والأمهات الذين ينشغلون بدنيا أبنائهم ويغفلون عن آخرتهم![6]

في هذا الدرس تحدّثنا عن أهمية معرفة الموازين الأخروية، وعن ضرورة أن تكون أفعالنا متناسبة مع هذه الموازين، وعرّفنا ببعضٍ من أهمّها.

ماذا عنكم؟ ما هي الموازين الأخروية التي تعرفونها؟ ننتظر منكم تجاربكم وآرائكم القيّمة.

[1] الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: “والله إن الرجل ليأتي عليه خمسون سنة وما قبل الله منه صلاة واحدة، فأي شيء أشد من هذا.” (الكافي، محمد بن يعقوب، تحقيق وتصحيح علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407 هـ، ج 3، ص 269)

[2] الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: “من أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر؟ فبقدر ما منعته قُبلت منه.” (مجمع البيان في تفسير القرآن، فضل بن حسن الطبرسي، تحقيق فضل الله يزدي الطباطبائي وهاشم رسول، طهران، ناصر خسرو، 1372 هـ، الطبعة الثالثة، ج 8، ص 447)

[3] عرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “فلانة امرأة تصوم النهار وتقوم الليل وتتبرع، لكنها تؤذي جيرانها بلسانها.” فقال: “لا خير فيها، هي من أهل النار.” (مستدرك الوسائل، حسين بن محمد تقى النوري، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، بيروت – لبنان، 1408-1409 هـ، ج 8، ص 423)

[4] الإمام علي (عليه السلام) يقول: “لا يلقى الله أحد بذنب أعظم من جهل أهله وأولاده؛ في القيامة، لا يلتقي الفرد بالله إلا بذنوب أكبر من جهل أسرته.” (المحجة البيضاء، ج 3، ص 73)

[5] سورة عبس، الآيات 34 إلى 36.

[6] روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “أنه نظر إلى بعض الأطفال فقال: ويل لأبناء آخر الزمان من آبائهم. فقيل: يا رسول الله، من آبائهم المشركين؟ فقال: لا، من آبائهم المؤمنين لا يعلمونهم شيئًا من الفرائض، وإذا تعلم أولادهم منعوهم ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا، فأنا منهم بريء وهم مني براء.” (جامع الأخبار، محمد بن محمد الشعيري، النجف، مطبعة حيدرية، بدون تاريخ، الطبعة الأولى، ص 106)

اكتب رأيك