الشكر، والطمأنينة، والإخلاص؛ ثلاثة مؤشرات أساسية تكشف المسار الإلهي للإنسان
أحيانًا قد يتشابه شخصان تشابهًا كبيرًا في الظاهر؛ فكلاهما من أهل العبادة، وكلاهما متمسّك بالشعائر الدينية، وكلاهما يعلن بلسانه ارتباطه بالله. لكن ما إن نقترب من تفاصيل حياتهما حتى يظهر اختلاف جوهري وحاسم: فأحدهما سرعان ما ينهار أمام الصعوبات، ويواجه الألم بالجحود وقلّة الشكر، وتضطرب علاقاته بالحقد والحساسية والمرارة، ولا يفصله عن التعرّض للأذى أو إلحاق الأذى بالآخرين إلا خطوة يسيرة؛ بينما يكون الآخر، في الظروف نفسها، أكثر هدوءًا، وأشدّ اعتمادًا على نفسه، وأكثر صبرًا وثباتًا وقدرةً على المقاومة. القضية الأساسية هنا ليست أيّهما أكثر التزامًا بالأعمال الظاهرية، وإنما أيّهما استطاع، في عمق وجوده، أن يبني علاقة أصحّ وأعمق بالله. من هنا يتشكّل سؤال أساسي: ما المعيار الذي يمكن من خلاله تشخيص كون الإنسان واقعًا في الاتجاه الإلهي؟ فإذا لم يكن المعيار الأساسي هو مجرد كثرة العبادات الظاهرية، فعلى أي شيء ينبغي الرجوع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تنقل البحث من مستوى السلوكيات الظاهرة إلى مستوى أعمق؛ أي إلى الموضع الذي تتجلّى فيه علاقة الإنسان الحقيقية بالله، أو بالضدّ منه، في أخلاقه، وفي كيفية مواجهته للألم، وفي نوعية فرحه وطمأنينته، وفي منظومة حبّه وبغضه، وفي خلوص نيّته. ومن هذا المنظور، لا يكتسب التديّن معناه إلا عندما يترك أثرًا في باطن الإنسان، وينقله من التمحور حول الذات إلى التمحور حول الله.
يسعى هذا المقال إلى توضيح هذه العلاقة نفسها؛ فيبدأ بتحديد معيار التشخيص، ثم يبحث علامات وقوع الإنسان في المسار الإلهي ضمن ثلاثة مجالات، هي: الشكر، والطمأنينة، وتنظيم منظومة المحبة، وفي النهاية يبيّن كيف ستتجلّى الصورة النهائية لهذا التحوّل في الوصول إلى الإخلاص. وبهذه الطريقة، يستطيع القارئ أن يتعرّف إلى مسار البحث لا على مستوى المفاهيم فحسب، بل أيضًا في سياق حياته الشخصية.
علامات الولاية وانتقال المعيار من الظاهر إلى الباطن
نقطة الانطلاق في هذا البحث هي تصحيح معيار الحكم على الإنسان. فما دام مقدار العبادات الظاهرية يُعدّ المعيار النهائي لمعرفة مدى التزام الإنسان بالولاية، فإن احتمال الخطأ في التقييم يظلّ مرتفعًا جدًا؛ إذ قد يُؤدَّى الفعل الديني في ظاهره، من دون أن يُحدث بعدُ أيّ تغيّر حقيقي في روح الإنسان وباطنه. ومن هنا، ينبغي البحث عن المعيار الأساسي في الموضع الذي تتجلّى فيه علاقة الإنسان الحقيقية بالله؛ أي في صفاته الأخلاقية وحالاته الباطنية.
إن هذا الانتقال من الظاهر إلى الباطن ليس مجرد تغيير تربوي، بل هو تغيير جوهري في فهم حقيقة الإنسان. فإذا كانت العلاقة بالله حقيقةً، فلا بد أن تترك آثارًا حقيقية في الإنسان. ولا يمكن لمثل هذه العلاقة أن تبقى حبيسة الألفاظ والأعمال المجردة من دون أن تُحدث أثرًا في الباطن. فكل ولاية، بما يتناسب مع حقيقتها، تترك أثرها فيمن يقع تحت ولايتها. ومن ثم، فإن السير في الاتجاه الإلهي ينبغي أن ينعكس بوضوح في شخصية الإنسان وسلوكه. والمعيار هنا هو: إلى أي مدى ابتعد الإنسان عن الصفات الناشئة عن التمحور حول الذات والخضوع للأهواء، وإلى أي مدى أصبح أقرب إلى المدار الإلهي؟
وبناءً على ذلك، فإن البحث في علامات الولاية يتناول العلامات التي تكشف عن وجود رابطة وجودية، لا مجرد سلوك متكرر. وهذه النقطة هي التي تحدّد البنية الكاملة للبحث، وتحول دون اختزال التديّن في مجموعة من الأعمال التي لا تترك أثرًا في نفس الإنسان.
علامات الولاية في علاقة الإنسان بالألم: الشكر بدلًا عن عدمه
من أولى علامات سير الإنسان في الاتجاه الإلهي كيفية مواجهته لحالات النقص والمرض والمصائب وأوجه القصور. فالمسألة لا تقتصر على مجرّد تحمّل الألم، وإنما تتعلق بكيفية إدراك الإنسان لموقعه في هذا العالم. فعندما يرى الإنسان نفسه في مملكة الله، فإنه لا يعيش الألم في عالم متروك سُدًى؛ بل يفهمه ضمن أفقٍ يظل فيه العالم كلّه ملكًا لله. وثمرة هذا الإدراك هي الشكر.
والشكر هنا لا يعني مجرد التلفّظ بكلمة أو إبداء رضا سطحي، بل هو علامة على أن الإنسان لم يفقد وعيه بملكية الله. وغالبًا ما يظهر عدم الشكر عندما يفسّر الإنسان العالم انطلاقًا من رغباته الخاصة، ويرى كل نقص على أنه إخفاق لما يريده هو. وفي المقابل، فإن من يفهم نفسه ضمن مملكة الله يبتعد عن الجزع والاعتراض المستنزِف. ولا يعني هذا الابتعاد إنكار الألم، وإنما يعني وضع الألم في علاقته الصحيحة بحقيقة العالم.
ومن هنا يتضح أن الشكر ليس مجرد توصية أخلاقية، بل هو علامة على حالة وجودية. فالإنسان الذي تقوده أوجه النقص مرارًا إلى المرارة والاعتراض والجحود والتفكك الداخلي، لم يخرج بعد من مدار رغباته الشخصية. أما الإنسان الذي يحافظ، في الظروف نفسها، على علاقته بمملكة الله، فإنه يكشف بذلك عن باطنٍ تحكمه رابطة أخرى وتؤثر في نظرته إلى الحياة.
علامات الولاية في الحالة الداخلية للإنسان: الفرح والطمأنينة والانشراح
تظهر العلامة الثانية في نوعية الحياة الداخلية للإنسان؛ فإذا كانت العلاقة بالله، وفقًا لما بحثناه حتى الآن، هي علاقة بالكمال المطلق، فينبغي أن يظهر أثرها في نفس الإنسان على هيئة انفتاح وانشراح، لا على هيئة انقباض وقتامة. ومن هنا، فإن الفرح والطمأنينة والنشاط والانشراح والسرور تُعدّ من الآثار المهمة للوقوع في الاتجاه الإلهي. والمقصود بالفرح هنا ليس اللهو السطحي أو الانفعال العابر، وإنما حالة من الانشراح الروحي تنشأ من الانسجام الداخلي للإنسان مع مبدئه.
ويوفّر هذا المعيار إمكانية إجراء تقييم دقيق. فإذا أصبح الإنسان، بعد سنوات من العبادة، في واقع حياته أكثر حقدًا، وأكثر تكبّرًا، وأكثر حسدًا، وأسرع تأثرًا وانزعاجًا، وأشد سوءًا في الكلام، وأكثر حزنًا، فلا يمكن اعتبار هذه الحالة علامة على النمو في العلاقة الإلهية؛ لأن العبادة تكشف عن حقيقتها عندما تُبعِد الإنسان عن هذه الظلمات. أما بقاء هذه الصفات أو ازديادها، فيشير إلى أن الفعل العبادي لم يؤدِّ بعدُ إلى تحوّل حقيقي في باطن الإنسان.
وتتضح أهمية هذا الجانب في أنه يمنعنا من الوقوع في خطأ شائع، وهو اعتبار الالتزام الظاهري بالعبادة دليلًا تلقائيًا على القرب من الله والهداية. فالعبادة لا تُقاس حقيقتها بكثرتها فحسب، وإنما بما تُحدثه في الإنسان من أثر. فإذا كان الإنسان يزداد، مع مرور السنوات وكثرة العبادة، مرارةً وعنفًا وحزنًا، بدل أن يزداد صفاءً وسكينةً وانفتاحًا، فثمة خلل في أثر هذه العبادة عليه. ومن هنا، لا تُعرف علامات الولاية في هذا المجال بكثرة الأعمال وعددها، وإنما بما تتركه هذه الأعمال من أثر حقيقي في نفس الإنسان وحياته.
علامات الولاية في تنظيم منظومة الحب والبغض: الانتقال من التمحور حول الذات إلى التمحور حول الله
المحور الأساسي المقال التالي هو منظومة الحب والبغض لدى الإنسان. فلا تكتمل أيّ علاقة بالله ما لم تنعكس في هذه المنظومة. فالمسألة لا تتمثل في أن يتحكّم الإنسان في مشاعره فحسب، وإنما تتعلق بالمصدر الذي يستمدّ منه معيار الحبّ والبغض. فما دامت هذه المعايير شخصية، أو قبلية، أو قومية، أو فئوية، أو مرتبطة بالبلد، أو بالانتماء المهني، أو بالجنس، فإن البنية الداخلية للإنسان تظلّ أسيرةً لنطاق الرغبات المحدودة.
وهنا تظهر العبادة بوصفها طريقًا للتحوّل. فالصلاة والصيام لا يكتمل أثرهما الحقيقي إلا حين يغيّران معايير الإنسان، ويحرّرانه من أسر أهوائه الشخصية. فإذا كان الإنسان كثير العبادة، لكنه يظلّ في محبّته وبغضه أسيرًا لدوافع غير إلهية، فإنه لم يذق بعدُ حقيقة الإيمان. فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد المشاعر، وإنما بالمعايير التي تحكم نظرة الإنسان إلى الأشياء والأشخاص والأحداث وأحكامه عليها.
إن إضفاء الطابع الإلهي على الحبّ والبغض يعني أن يتجاوز الإنسان محور مصالحه وتعلّقاته وحساسياته الشخصية، وأن يضبط موقفه القيمي وفق إرادة الله. وعندها، لا يعود الحبّ مجرد ميل شخصي، ولا البغض مجرد ردّ فعل نفْسي؛ بل يخضع كلاهما لمنظومة تضبط مشاعر الإنسان، وتخرجه من التشتّت والازدواجية الداخلية. ولهذا، تُعدّ علامات الولاية في هذا المستوى من أعمق الدلائل على التحوّل الباطني للإنسان؛ لأنها تكشف أن المعيار الذي يزن به الأشياء ويحدّد قيمتها قد تغيّر.
الإخلاص؛ الصورة النهائية للاتجاه الإلهي
إذا كان الشكر والطمأنينة وتنظيم منظومة الحب والبغض من العلامات المهمة على مجود الإنسان في المسار الإلهي، فإن الإخلاص يمثل الصورة النهائية التي تتجسّد فيها ثمار هذا المسار وتتكامل. والإخلاص هنا يعني أن يؤدي الإنسان عمله لله، وألّا ينتظر من الآخرين جزاءً أو شكرًا أو تعويضًا. وهذه ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل تعبير عن تحوّل مركز إرادة الإنسان ووجهتها.
فالإنسان الذي ينتظر تقدير الآخرين يجعل جزءًا من دوافعه مرتهنًا بردود أفعالهم؛ وبذلك تظلّ صورته عن نفسه مرتبطة بنظرة الآخرين إليه. أما حين يتحرر من انتظار التقدير، فإنه يكشف عن أن غاية عمله لا تتوقف على قبول الناس به أو ثنائهم عليه. ومن هنا، يثمر الإخلاص نتيجتين واضحتين: أن يتوقف الإنسان عن مقارنة نفسه بالآخرين، وألّا ينشغل بالانتقام وردّ الإساءة. فالمقارنة والانتقام كلاهما يكشفان عن بقاء الإنسان أسيرًا لدائرة من الأنا والمطالبة بالاعتراف والجزاء. أما الإخلاص، فيحرره من هذه الدائرة ويعيد توجيه عمله نحو غايته الحقيقية.
وفي هذه المرحلة، تظهر علامات الولاية بأوضح صورها؛ فالإنسان الذي يعمل من أجل الله يتحرّر من أسر أحكام الآخرين عليه، ويتخلّص من التوتر الذي يصاحب انتظار المكافأة من الناس. وهذا التحرّر لا يعني اللامبالاة تجاه المجتمع، ولا السلبية أو الاستسلام، بل يعني أن تتجه إرادة الإنسان نحو الغاية الحقيقية من عمله، دون أن ترتهن بتقدير الآخرين أو ردود أفعالهم.
علاقة هذه المؤشرات بالاتجاه المقابل
ومن خلال مجموع ما سبق، يمكننا أن نتعرّف أيضًا إلى الاتجاه المقابل. فحيث يحلّ الجحود محلّ الشكر، وحيث تكون ثمرة التديّن مزيدًا من الحزن والحقد والحسد والتكبّر وسرعة الانفعال، وحيث يدور الحبّ والبغض في فلك التعلّقات النفسية، وحيث يصبح عمل الإنسان مشروطًا بانتظار المكافأة والتعويض من الآخرين، فإن علاقته بالاتجاه الإلهي تكون قد اختلّت. وفي مثل هذه الحالة، مهما بدا العمل دينيًا في ظاهره، فإن باطن الإنسان لم يتحرّر بعد من هيمنة التمحور حول الذات.
وتكمن أهمية هذا التقابل في أنه يوضح بجلاء الحدود الفاصلة بين المسارين. فأحد المسارين يقود الإنسان إلى الانسجام، والانفتاح، وإضفاء الطابع الإلهي على المعايير، وخلوص النية؛ بينما يُبقيه المسار الآخر في حالة من التشتّت الداخلي، والمرارة، والتعلّقات الشخصية، والحاجة الدائمة إلى نيل تأييد الآخرين. . ومن هنا، فإن علامات الولاية لا تقتصر على وصف حالة روحية، بل تكشف أيضًا عن المسار الوجودي للإنسان.
سُبُل التشخيص في سياق الحياة
وفي الختام، يمكن القول إن علاقة الإنسان بالله لا تُقاس، قبل كل شيء، بكثرة أعماله الظاهرية، وإنما تُعرَف من خلال كيفية تشكّل باطنه وبناء نفسه. فالشكر في مواجهة أوجه النقص، والفرح والطمأنينة الداخلية، وإضفاء الطابع الإلهي على منظومة الحب والبغض، والإخلاص في العمل، كلها تعبّر عن ابتعاد الإنسان عن محورّية النفس ودخوله في المدار الإلهي. وفي المقابل، فإن عدم الشكر، والمرارة، والحسد، والحقد، ومشاعر الحب والبغض الشخصية، وانتظار المكافأة من الآخرين، هي علامات على بقاء الإنسان في حالة التمحور حول الذات التي كان عليها سابقًا.
ولهذا السبب، فإن السؤال الأساسي عند تقييم الحياة الدينية ليس مقدار ما أدّاه الإنسان من أعمال، وإنما الأثر الذي تركته هذه الأعمال في حقيقة وجوده. فحيثما تقود العبادة إلى تحوّل داخلي، يتجلّى المسار الإلهي؛ وحيثما يغيب هذا التحوّل، فإن المظهر الديني وحده لا يستطيع أن يقدّم الجواب الحاسم.
وفي هذا الأفق، لا تمثّل علامات الولاية وسيلةً للحكم الخارجي على الآخرين، وإنما هي معيار لفهم موقع الإنسان ومكانته في سياق حياته.
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.