دور الإنسان في تعجيل الظهور: هندسة الوعي والتحوّل الداخلي لتحقيق الوعد الإلهي
مع ازدياد تعقيد الظروف العالمية وصعوبتها، وتدهور أوضاع الإنسانية بشكل متسارع، لم يعد موضوع ظهور المنقذ الموعود قضية دينية بحتة أو محصورة بدين أو مذهب معيّن. فالأزمات المتعددة التي يشهدها العالم، من اقتصادية وصحية، إلى انتشار الظلم والاعتداءات اللامحدودة وغير الإنسانية التي تمارسها القوى الكبرى الجائرة والأنانية، قد أيقظت في قلب الإنسان شعورًا بالحاجة إلى منقذ. وقد بلغ الإنسان الواعي والحرّ في عصرنا درجة من الإيمان واليقين بأنّ منقذاً إلهياً عالماً، مختصاً، ومعصوماً هو وحده القادر على انتشال العالم من هذا المستنقع.
هذا المنقذ هو الذي يستطيع إحياء الإنسانية المفقودة في نفوس البشر، إذ لا يمكن للإنسان أن يبلغ مرحلة التكوّن والنمو والتكامل في بُعده الإنساني والإلهي إلا في ظل حكومة أكمل إنسان. غير أنّ المسألة الجوهرية تكمن في أنّ بلوغ هذا الهدف، الذي يُعدّ أعظم وأصعب غاية في الوجود، لا يمكن أن يتحقق بمجرد الأمنيات أو التطلعات القلبية أو حتى الشعارات، بل إن دور الإنسان في تعجيل الظهور أعمق بكثير من ذلك. فتحقيق هذا الهدف يتطلب مجاهدة حقيقية وجهداً كبيراً ومتواصلاً.
وقد يتبادر إلى الذهن في البداية أنّ هذه الجهود تقتصر على العالم الخارجي، وعلى الثورات الإلهية العالمية؛ ورغم أنّ هذا التصور صحيح إلى حدّ ما، إذ إنّ الثورة العالمية والحراك الجماعي يُعدّان من مستلزمات الظهور الحتمية، إلا أنّ الحقيقة الأعمق، والجانب الأهم من هذا الحدث، متجذّر في قلب الإنسان، ولا يقتصر على مظاهره القولية أو العملية. فقد يرفع الإنسان شعارات ثورية في قوله وسلوكه، بل وربما يسعى عملياً لتمهيد الظهور، لكنه – لعدم إدراكه الصحيح لحقيقة دوره في تعجيل الظهور – لا ينسجم قلبه في حقيقته ولغته مع نيّته، ولا يتجانس مع طهارة وقداسة هذا المسار، فتغدو أفعاله محدودة الأثر وقليلة الجدوى.
إنّ ظهور المنقذ ظاهرة تتحقق نتيجة حركة إنسانية، حركة تنطلق في أصلها ومنشئها من قلب الإنسان، فإذا سارت في مسارها الصحيح انتهت إلى الظهور. ومن هنا، فطالما لم يُفهم دور الإنسان في تعجيل الظهور فهماً عميقاً، ولم يدرك الإنسان موقعه الحقيقي في هذه الثورة والحكومة الإنسانية، فإنّ الظهور لن يتحقق.

الأساس المحوري للثورة العالمية الممهّدة للظهور
إنّ العالم الذي يتشكّل بعد ظهور المنقذ الموعود هو عالم يُبنى ويُدار على أساس الفطرة الإنسانية السليمة، وبما ينسجم مع سلامة قلب الإنسان؛ ومن ثمّ، فإنّ تهيئة المقدمات اللازمة لقيام هذه الدولة الإنسانية تقتضي، في المقام الأول، أن يتحرّك قلب الإنسان من ظلمات الأمراض والآفات والتلوّثات والأخطاء والذنوب نحو الطهارة والنقاء والصحة. وإلا، فلن يكون ثمة مجال لقيام الدولة الكريمة على يد المنقذ الموعود. فكيف يمكن لعالمٍ أُنشئ من أجل تكميل قلوب الناس وارتقائها أن يستقبل قلوباً لم تتهيأ مسبقاً لهذا النمو والتكامل؟ إنّ قلب الإنسان، قبل الظهور، ينبغي أن يكون قد تعلّم أبجدية اكتساب السلامة ومارسها، ليكون قادراً على الإسهام في تحقق الظهور، وليعمل في ظل الدولة الكريمة على ترميم جراح قلبه ومعالجة علله.
إنّ ظهور المنقذ يرتبط بوعي الإنسان بدوره في تعجيله، وبحدوث تحوّلٍ عميق في القلوب؛ تحوّلٍ تتجه فيه نحو الصفاء، وتبحث عن سبيلٍ يقود إلى دولة الطاهرين. وما لم تنشأ هذه الروح وهذا التحوّل في نفوس المنتظرين، وما لم يسلكوا طريقًا صحيحًا ومدروسًا لإصلاح ذواتهم، فلن يتحقق الظهور، مهما طال نهوضهم مطالبين به، ومهما خاضوا من صراعات عسكرية أو سياسية أو عالمية مع القوى المستكبرة الظالمة.
إنّ قضية الظهور قضية قلبية في جوهرها، ينبغي أن تتحقق أولاً في باطن الإنسان، لا في ظاهره فحسب. فموضع ظهور المنقذ الموعود هو قلب الإنسان، لا مجرد جغرافية الأرض. وبما أنّ المنقذ الموعود هو تجسيد للطهارة والسلامة والجنة، فإنه لا يمكن أن يظهر في قلبٍ تحترق فيه نيران الأمراض والرذائل الأخلاقية، لعدم وجود التناسب والانسجام معه. ومن هنا، فإنّ دور الإنسان في تعجيل الظهور بالغ العمق والحساسية، بحيث إنّ القلب الذي لا يزال ممتلئاً برذائل كالحقد والغضب والحزن والخوف وغيرها، لا يصلح أن يكون موطناً للإمام المنقذ، ولا أن ينهض بمهمة السعي لإقامة عالمٍ قائم على السلم والسلامة.
سرّ تحقق ظهور المنقذ
إنّ أهمّ شرطٍ لمن يطمح أن يكون من صالحي آخر الزمان هو بناء الذات، ومراقبة القلب، وتزكية النفس. أمّا الذين لم يدركوا دور الإنسان في تعجيل الظهور، ولم يتزيّنوا بهذه الصفات ويجاهدوا أنفسهم عليها، فإنهم، حتى لو فتحوا العالم بأسره—لن يجنوا إلا الخسران؛ لأنّ نواياهم لم تتطهّر بنور التقوى، فيكونون قد أعدّوا لأنفسهم جحيمًا بقدر هذا العالم. وسرعان ما ينقلبون، عاجلًا أو آجلًا، إلى جزءٍ من أولئك الطواغيت الذين يقفون يومًا في وجه طريق الظهور.
ولأنّ مسألة ظهور المنقذ الموعود هي ثورة إنسانية داخلية، فإنّ أصغر الأعمال، إذا اقترنت بنيّة إصلاح النفس وبنائها وتزكية القلب، تكون أشد أثراً من أعظم الأعمال التي تُنجز من دون تهذيب النفس وطهارة النية في سبيل الظهور. ومن هنا، فإنّ مسار بناء الذات، وإصلاح النفس، وتزكية القلب، يجب أن يسير في اتجاهه الصحيح والإنساني، حتى يتحقق الظهور.
كما أنّ تحقق هذا الهدف يتوقف على الفهم الصحيح لمكانة الإنسان في تعجيل الظهور؛ فطالما انشغل الناس بالمظاهر دون الجذور، ولم يكتشفوا تكليفهم الحقيقي في هذا الدور، فلن تزول قوى الطغيان والاستكبار، ولن تقوم الدولة الكريمة العالمية الموعودة التي تهدف إلى إيصال الإنسان إلى مقام الخلافة الإلهية على الأرض.
إنّ الله تعالى يُقدّر مصائر البشر على أساس قضائهم وسعيهم وأسلوب حياتهم، والدولة الكريمة هي قدرٌ يُمنح للإنسان ثمرةً لسعيه نحو سلامة قلبه. فمصير الإنسان ومنجزاته إنما هما نتاج ما يصدر عن قلبه وأعماله. وكذلك فإنّ مقدار إسهام الإنسان في تعجيل الظهور لا يخرج عن هذه القاعدة، بل يتحدد بقدر ما يكتسبه من سلامة قلبية طوال حياته، وهو ما ينعكس أثره في تحقق الظهور العالمي الموعود.