هل ثمة معيارٌ مُحدَّدٌ لتمييز الاختيار الصائب في مسيرة حياتنا؟
إنّ مسألة الاختيار الصائب في الحياة وآثاره، تُلازم الإنسان من بداية حياته الدنيوية حتى نهايتها، بل وتستمر معه في يوم القيامة والآخرة. بيد أنّ السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: ما الذي يُحدّد صواب خياراتنا؟ وكيف يمكننا أن نتيقن من صواب خياراتنا على اختلاف مستويات أهميتها، بدءًا بانتقاء قطعة لباس أو تحديد لونها، مرورًا باختيار أثاث المنزل أو السيارة، وصولًا إلى الخيارات المصيرية الكبرى كشريك الحياة والمسار المهني؟ السؤال الأهم عند تقييم شتّى الأمور هو: من أين لنا أن نستقي المعرفة بأفضل الخيارات وأصوبها؟ وهل يوجد معيارٌ خاصٌ يرشد الإنسان في انتقاء خياراته؟
إنّ اختياراتنا تؤثّر مباشرة على تحديد مكانتنا يوم القيامة والآخرة. ومن جهة أخرى، نعرف أنّ معيار التقييم وتحديد المكانة هناك هو “الميزان”. وبالنظر إلى هاتين النقطتين، لا ريب في وجود صلة وثيقة بين هذا الميزان وبين الاختيار الصائب، ولكن ما مدى إدراكنا لطبيعة هذه العلاقة وعمقها؟
في الحديث عن أهمية الاختيار الصحيح، ينبغي أن نعلم أنّ عالم الخَلْق هو عالـَمٌ رياضيّ، حيث كلّ شيء فيه قائمٌ على قواعد وقوانين دقيقة، وأنّ لكلّ فعل ردّ فعل يتناسب معه. وعلى هذا الأساس، فإن جميع اختياراتنا تحمل في طياتها تبعات ونتائج، قد تكون بعض هذه النتائج محدودة بحدود الحياة الدنيا، ولكن في كثير من الحالات علينا أن نولي اهتماماً بالغاً لآثار ونتائج اختياراتنا الأخروية والأبدية؛ ذلك لأننا كائنات لا نهائية ونملك عمرًا أبديًّا.
من منظور علم الإنسان، وبالاستناد إلى ضرورة معرفة النفس، يمكننا أيضًا التطرق إلى مسألة العلاقة بين “الميزان” و”الاختيار”، وفهم أسباب هذه العلاقة وكيفيّتها. إذا لم نعرف أنفسنا وقيمتنا الحقيقية، لن نتمكن في اللحظات الحاسمة من التمييز بين ما هو صحيح أو خاطئ من الأعمال، والعلاقات، والأفكار، والسلوكيات. إن غياب هذه المعرفة سيؤدّي حتمًا إلى اختيارات خاطئة، ومن لا يستطيع أن يختار بشكل صحيح، فلا ينبغي له أن يتوقّع أن يكون ميزانه ثقيلًا، لأنّ الميزان لا يثقل إلا بالأعمال الحقة، وتلك لا تكون إلا ثمرة الاختيار الصحيح. لكي يكتمل ميزان أعمال الإنسان ويثقل، لا بد له من الاستفادة من متاع الدنيا. وفي هذا السياق، تلعب خيارات الإنسان دورًا محوريًا وذا طبيعة مزدوجة؛ فهي إما أن ترجح كفة حسناته وتزيدها ثقلاً، وإما أن تكون سببًا في انحرافه عن الحق، مما يؤدي إلى خفة ميزانه ونقصانه.
في هذا الدرس، نسعى إلى معرفة المعايير المؤثرة في الاختيارات التي تتناسب مع “الميزان”، والتعرف على أفضل المصادر لمعرفة مؤشرات هذا النوع من الاختيارات. كما نرغب أن نفهم: هل في متناول كل إنسان إمكانية تمييز هذه الخيارات؟
المعايير المؤثّرة في اختيار صحيح ومتناسب مع “الميزان”
يكفي أن نتأمل دور الاختيار في سلوكنا، وأقوالنا، وعلاقاتنا، وأدائنا لنفهم مدى أهميته؛ ففي الغالب، ينطلق كل ذلك من اختيار نتبناه في البداية. ونظرًا لأهمية قضية الاختيار وارتباطها بأهم وأساسي وسيلة لتقييمنا يوم القيامة، ألا وهي الميزان، فمن الضروري أن ندرك المعايير التي يجب أن نراعيها في اختياراتنا لنتمكن من الوصول إلى ميزان ثقيل وممتلئ بالحسنات.
تتأثر خياراتنا بمعايير عديدة؛ من أبرزها نوع الكمالات التي نسعى لبلوغها. فنحن البشر نمتلك خمس أبعاد وجودية، ونسعى في كلّ بُعد منها إلى الوصول إلى الكمال المطلق. فعلى سبيل المثال، في البعد الجمادي نرغب في الحصول على أعظم الثروات وأكثرها، وفي البعد النباتي ننشد أجمل الصفات الجسدية وأكثرها تناسقاً، وهکذا في سائر الأبعاد الأخرى. والسؤال المهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل السعي وراء الكمال المطلق في المراتب الدنيا، يؤدي بالضرورة إلى ارتقاء أسمى مرتبة في وجودنا، أي المرتبة ماوراء العقلية والإنسانية؟
إن نمو المرتبة الإنسانية فينا، وبلوغ مقام العبودية، هو الهدف الأسمى الذي خُلقنا لأجله. أما الكمالات الدنيا، فليست سوى وسائل وأدوات للوصول إلى هذا المقام. وكلّما ارتفعت جودة كمالاتنا الإنسانية، وازداد عمق عبوديتنا، أصبح ميزاننا أثقل. إن أثقل الموازين هي من نصيب من بلغ ذروة مقام الإنسانية والعبودية. بناء على ذلك، أحد المعايير التي ينبغي أن نأخذها في الحسبان عند اتخاذ القرارات هو أثر هذا القرار على تطوّر الجانب الإنساني فينا. فكلما كان اختيارنا يساهم في رُقينا الإنساني، كلما اقتربنا من الكمال وثقُلت موازيننا.
كنا قد أشرنا في البداية إلى أن مسألة الاختيار وآثارها تمتد معنا إلى يوم القيامة وما بعده. وكثير من اختياراتنا ترتبط بأمانينا التي تتجلى في المراتب الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وما وراء العقلية. وقد أولى أمير المؤمنين(عليه السلام) أهمية كبيرة للأماني، فقد وصفها بالرَفيقٌ المُؤنِسٌ.[1] وبناءً على هذا الدور البالغ للأماني، يُصبح من المهمّ أن نُحسن اختيار هذا الرفيق و الأنيس. وإذا لم ندرك قيمة أمانينا، سنقع في اختيارات خاسرة وضارة، تؤدي إلى الخسارة والندم. إن سوء ترتيب الأماني لا يقود إلا إلى الحزن والوصول إلى طريق مسدود. يجب أن ننتبه إلى أن طريقة اختيارنا لأهدافنا وترتيب أمنياتنا في الحياة يجب ألا تعيق سعادتنا وراحتنا في هذه الدنيا، كما يجب ألا تؤدي إلى ولادة سيئة في الآخرة. فأسلوب ترتيبنا لأهدافنا وتحديد أمنياتنا يؤثر بشكل مباشر على ميزان أعمالنا وعلى خياراتنا في الحياة؛ فكلما اهتممنا بميزان أعمالنا، تغيرت طريقة اختيارنا لأهدافنا وترتيب أمنياتنا، وفي المقابل، فإن الأمنيات التي نختارها تؤثر بدورها على وزن ميزان أعمالنا. إن العديد من الأماني، سواء كانت حسنة أو سيئة، لا تقتصر آثارها على هذه الحياة و إلى نهاية أعمارنا بل تمتد إلى ما بعد الموت حتى يوم القيامة. لذلك، من الأفضل أن نولي أقصى درجات الحذر والدقة في ترتيب أمانينا، وأن نطلب، كما أوصى الإمام السجاد (عليه السلام)، أَسأَلُكَ… مِنَ الآمَالِ أَوفَقَهَا.[2]
[1] الأَمَلُ رَفيقٌ مُؤنِسٌ؛ الآمدی، عبدالواحد بن محمد، غررالحکم و دررالکلم، ج 1، ص 56
[2]أَسأَلُكَ مِنَ الآمَالِ أَوفَقَهَا؛ المجلسی، بحار الأنوار، ج 94، ص 155