كيف يمكن للأعمال أن تثمر وهي مفصولة عن محور الخير والبركة؟
نحن في حياتنا نسعى دائماً إلى نيل شتّى مراتب الكمال، ونادراً ما نجد من يضع حدّاً لطموحه في مسار النموّ والتقدّم. إن الميل إلى الثراء، والشهرة، والسلطة، أو الوصول إلى أعلى المراتب العلمية والاجتماعية، كلها مظاهر لروحنا المتطلعة إلى الكمال. لكن السؤال الجوهري هنا: هل كل كمال نسعى إليه يضمن بالضرورة سعادتنا وخيرنا الحقيقي؟ الواقع أن الكثيرين ممن سلكوا مسارات تحقيق هذه الكمالات الظاهرة، والمقبولة اجتماعياً، دون وصلها بـ محور الخير والبركة، قد انزلقوا في هوة الغفلة والسقوط الروحي. ونتيجة لذلك، لم يتمكنوا من بلوغ كمالهم الحقيقي أو غايتهم الإنسانية.
لذا، فمجرد الحصول على إعجاب المجتمع أو تحقيق إنجازات مرئية لا يمكن أن يكون ضماناً للسعادة. علينا أن نتعلم التمييز بين “الكمال” و “الخير”؛ وأن نسعى بصدق نحو الكمالات المرتبطة بنفعنا الحقيقي وخيرنا الأبدي. فالنجاح الظاهري، كتوسيع المنزل أو زيادة الشهرة أو التفوق العلمي، قد لا يعود علينا بالنفع، بل قد يسلبنا السلام الداخلي ويعيق اتصالنا بالحقيقة.
على الرغم من أن طبيعة الخير تتفاوت باختلاف الظروف والمواهب، فمن الواضح أننا بمفردنا قاصرون عن تمييز المسار الصحيح والخير الحقيقي. نحن نحتاج إلى الاتصال بالمنبع المطلق للخير، وهم الأئمة (عليهم السلام). ويهدف هذا المقال إلى تحليل السبب وراء كون الاتصال بأي شيء آخر غير أهل البيت (عليهم السلام) – بوصفهم ـ محور الخير والبركة – يُعد سعياً خاسراً وخطيراً على تحقيق سعادتنا المنشودة.
لماذا لا يكون للنجاح معنًى من دون المعصوم؟
من الطبيعي أن تكون الحالة المثلى لبلوغ أي نوع من الكمال هي الوصول إلى مبدئه ومنبعه. وهذا ينطبق على سعينا للوصول إلى محور الخير والبركة. أعمالنا لن تحقق سعادتنا الحقيقية إلا إذا جلبت لنا السكينة الداخلية والبهجة، وهذا مستحيل دون ربطها بمنبع كل الخيرات والبركات أي بأهل البيت (عليهم السلام).
وذلك لأنّهم أقرب الموجودات سنخيّةً ومماثلةً لصفات الله، أي للكمال المطلق، وهم مرآة تامة لوجود الله اللامتناهي؛ ومن هنا فإنّ الارتباط بهم يفتح لنا نافذةً نحو بلوغ محور الخير والبركة، ويضمن لنا النجاح في السير على طريق الحياة الإنسانية والوصول إلى الغاية التي خُلقنا لأجلها.
إن كلّ عملٍ يُشرَع فيه من دون صِلَةٍ بأهل البيت، لن يبلغ غايته الحقيقية. فنحن إمّا أن نسير في طريق النموّ مع مراعاة مصالح وجودنا ماوراء العقلي، وبإرشاد أهل البيت (عليهم السلام)، وإمّا أن نُخطئ في ترتيب الأولويّات فنقدّم الجوانب الدنيا من وجودنا، ونختار منهجاً فكرياً أو قدوةً ليست مؤهّلة لتربيتنا وقيادتنا، فنُحرم بسبب ذلك من بلوغ النجاح والسعادة الحقيقية.
فالنجاح لن يتحقّق إلّا حين يكون مطلع الطريق ومنتهاه منسجماً مع أولويّات المعصوم وهواجسه واتّجاهه. وبما أن أهل البيت (عليهم السلام) مطّلعون تماماً على بنية وجودنا ومسار حركتنا وغاية خلقنا، فهم قادرون على تنظيم اختياراتنا، وعلاقاتنا، وأفكارنا، وسلوكنا، ومنح حياتنا الاتجاه الصحيح، ليبلغوا بنا أفضل نهاية ممكنة، وهي التشبّه بصفات الله.
وفي الحقيقة، دور المعصوم في كل هذا هو أن يضع أيدينا في يد الله تعالى فحسب. لذلك، لا يمكننا أن نخطو بثقة نحو هدفنا ونطمئن لنتائج مساعينا إلا إذا بنينا نمط حياتنا على محور اهتمامات المعصوم، وسرنا خطوة بخطوة بصحبة أهل البيت (عليهم السلام).
النجاح الحقيقي رهينُ الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام)
إنّ الظنّ بأنّ كمالنا وفضيلتنا يقتصران على الرفاه المادّي، أو نجاحات اقتصاديّة واجتماعيّة، أو إنجازات شخصيّة، هو ظنّ خاطئ؛ لأنّ الكمال الحقيقي لا يتحقّق إلّا حين تُضبَط جميع أعمالنا وقراراتنا وروابطنا على نسقٍ واحدٍ يقرّبنا من الكمال المطلق ويُشبّهنا به. وهذا يتطلب تنسيق نمط الحياة على محور اهتمامات المعصومين والتناغم مع إرادتهم. بخلاف ذلك، حتى لو حققنا نجاحات ظاهرية وبدونا ناجحين أو حتى مُنتجين اجتماعياً، فإننا طالما استبعدنا أهل البيت بوصفهم منبع ومحور للخير والبركة من معادلات حياتنا، لن نصل إلى حقيقة غاية أعمالنا وثمرتها.
إن أهل البيت (عليهم السلام) هم وحدهم المعصومون والعارفون بكل أبعاد وجود الإنسان، والمنصوبون إلهياً بوصفهم خبراء حقيقيين في شؤون حياتنا. إنهم لا يحددون مبادئ أساسية للحياة فحسب، بل يتولون أيضاً تنظيم أدق جوانب وجودنا للوصول بنا إلى محور الخير والبركة. فالشخص الوحيد الذي يستطيع تشخيص النفع والخير الحقيقي للإنسان هو من أحاط بكل زوايا بنيته الوجودية، ومسار طريقه، وخيره الفعلي. وبما أن المعصوم ليس فقط في منتهى الخير والرحمة، بل يمتلك العلم الإلهي والبصيرة التخصصية اللازمة لهداية الإنسان لتحقيق هدف الخلق، فهو الشخص الوحيد المؤهل والقادر على إيصالنا إلى كمالنا الإنساني وغاية وجودنا. إن الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) هو في حقيقته ارتباطٌ بالجذر؛ ومن الطبيعي بفقدان الجذر، لن تثمر الفروع أثماراً حقيقية.
أهل البيت (عليهم السلام) هم غايةُ هدفِنا ومنتهاه
مهما كان الطريق الذي نختاره لأنفسنا، فإنّنا بطبيعة الحال نبحث عن قدوةٍ نقتدي بها لنبلغ منتَهى ما نطمح إليه من كمال. ويقضي العقل بأنّه إذا وجدنا قدوةً أكمل وأرفع ممّن اخترناها سابقاً، وجب علينا أن نترك النموذج القديم، ونُعيد تنظيم شؤوننا على وفق النموذج الأكمل. غير أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم أكملُ نسخةٍ قائمة من الكمال المطلق، ولهذا فإنّ اختيارهم قدوةً إنّما هو اختيارٌ للمرتبة القصوى التي لا يعلوها بديل. وبالتالي فإنّ اتّخاذ أيّ فردٍ أو مدرسةٍ غير مدرسة أهل البيت عليهم السلام بدلاً عنهم إنما يعني الانحدار عن مقام الكمال والابتعاد عن بلوغ الغاية التي خُلقنا من أجلها.
بما أنّ أهل البيت هم الغاية والمنتَهى في مدارج الكمال، ولا يوجد في عالم الوجود مرتبةٌ أعلى منهم في التشبّه بصفات الله عزّ وجلّ؛ وعليه، فلا يمكن تجاوزهم ولا بلوغ مرتبةٍ في الخير والجمال تفوق مرتبتهم. ومن هنا فإنّ الإنسان الناجح هو من ينسق شؤونه منذ البداية مع كائن يتربع على قمة الكمالات، ويستمد منه العون لبلوغ المنتهى وأقصى غايات الكمال الإنساني.