الوصول إلى التوحيد: كيف يمكن تحقيقه؟ ومن هو مرشدنا في هذا الطريق؟

جدول المحتويات
هل يمكننا الوصول إلى التوحيد بمفردنا؟

هل يمكننا الوصول إلى التوحيد بمفردنا؟

مهما أظهرنا من عدم اهتمام أو لامبالاة تجاه القضايا الدينية لا يمكننا أن نبقى غير مكترثين لمسألة من الذي خلقنا وما هي طبيعة علاقتنا به. فإن التوحيد هو أحد المبادئ الأساسية التي تشكل رؤيتنا للعالم، وتؤثر بشكل مباشر على خياراتنا وعلاقاتنا وقراراتنا وأسلوب حياتنا سواء شئنا أم أبينا. التوحيد هو الأساس والخيط الناظم الذي يمنح جميع جوانب حياتنا، وأهدافنا، وأعمالنا معناها الحقيقي. ومن دونه، تصبح حياتنا مجرد سلسلة من الأمور العابرة والعديمة الأهمية.

بدون فهم التوحيد بصفته جوهر الوجود، لن نعرف طبيعة العالم كنادٍ ولن نتمكن من تفسير سرّ الآلام والمحن التي تواجهنا؛ بل سنجد أنفسنا عالقين في دوامة المقارنات والمنافسة، أو قد نقع في فخ اليأس والاكتئاب. وبفقدان الصلة بالخالق والكمال المطلق، والوجود اللامتناهي الذي يتجلّى في كل شيء، نعتبر خلقنا عبثًا، ونمضي حياتنا كلها في حيرة وذهول، بلا دافع ولا معنى.

لكي ندرك هدف وجودنا ونقترب من الله، يجب أولًا أن نؤمن بوجوده كحقيقة مطلقة وكمال لامتناهٍ. وهذا الإيمان يفرض علينا، شئنا أم أبينا، نمطًا خاصًا من الحياة وإطارًا محددًا للوجود. فالله هو الخالق الذي أوجدنا ويعلم أدق تفاصيل وجودنا، ونحن كمؤمنين به، لا ينبغي أن نبقى غير مبالين بالعالم الذي خلقه من أجلنا، ولا بالخطة التي رسمها لتحقيق سعادتنا. التوحيد، في جوهره، يعني الوصول إلى وحدة الوجود، أي إدراك أن كل ما في الكون هو جزء من وجود واحد متكامل، وأن السعي لفهم هذا الوجود هو الطريق نحو تحقيق هدف خلقنا والسير في مسار التوحيد، والوصول في النهاية إلى حقيقة التوحيد ذاتها.

حاجتنا الملحة

لكنّ المسألة هنا: لا نملك وحدنا القدرة على بلوغ التوحيد وإدراك هذا الوجود الواحد اللانهائيِّ، أي الله. فما لم يتجلَّ هذا الوجود اللانهائيّ لنا، لا سبيل لنا إلى معرفته. نحن بحاجةٍ إلى نموذجٍ ومثالٍ يجسّد كمال الله ويُظهر أسماءه وصفاته في هيئةٍ بشريةٍ مفهومةٍ لنا. وكما أسلفنا، هذا المثل الأعلى والنموذج الكامل هو المتخصص المعصوم نفسه.

لقد وفر الله لنا مثالًا كاملًا يجسد صفاته وأسمائه، كما أرسل لنا المتخصص المعصوم ليكون مرشدنا في هذا الطريق. فهو ليس فقط على دراية بمسار التوحيد، بل هو أيضًا كائن بشري، مما يجعله قادرًا على التواصل معنا بوضوح. والأهم من ذلك، أنه معصوم من الخطأ والزلل، مما يجعله الدليل الأكثر موثوقية لتحقيق الهدف النهائي.

ولكن، لا يمكن بلوغ التوحيد وتحقيق الغاية من الخلق دون المرور عبر هذه الدنيا. فالتشبه بالله يستلزم مقدمات ومعارف يجهلها وجودنا المادي المحدود. المتخصص المعصوم، وهو المعني بهدايتنا، هو نائب الله، أو خليفة الله بتعبير آخر. فهو يمتلك مجموعة من المعلومات المتخصصة حول حياتنا لا يمتلكها إلا خالقنا والتي تدور حول مراحل ما قبل الدنيا، الجسد والروح، العلاقة بينهما، عالم الطبيعة، علاقة عالم الطبيعة بالجسد والروح، والعالم الذي سنعود إليه بعد الدنيا. إذن، سعينا للوصول إلى الله، والتشبه به، وبلوغ التوحيد، والانخراط في مساره، لا يكون إلا بالاستعانة بالمتخصص المعصوم واتباعه.

طريق معرفة التوحيد

تعلمنا في الدروس السابقة أن الإنسان كائن شامل يحمل جميع أسماء وصفات الله بالقوة، مما يعني أن معرفة الإنسان لنفسه تؤدي إلى معرفة الله. ومع ذلك، هناك فرق جوهري بين معرفة الله والتشبه بالله؛ فقد يدرك الإنسان وجود الله على المستوى العقلي، لكن معرفة الله عقليا شيء والتشبه به عن طريق الحب شيء آخر. قد نعرف الله بعقولنا لكن اكتساب صفاته هو ثمرة حبه. هناك نقطة مهمة لا نستطيع أن نحب إلها نؤمن بوجوده عقليا فقط. الحب ينبع من القلب؛ لذلك إن لم يكن لدينا شخص يجسد جميع صفات الله بالفعل لن نتمكن من أن نحبه وبالتالي لن نصل إلى عشق الله.

في غياب هذا المثال الحيّ والقدوة يستحيل علينا فهم صفات الله وأسماءه، لأننا نسعى إلى الربط بين ما فينا من صفات كامنة مجهولة وما عنده من صفات مطلقة نجهلها وهو ضرب من المحال؛ إذ لا رابط بين مجهولين وكل ما نتصوره في هذا السياق، ليس إلا ضربا من الوهم والخيال. فكان لا بد من وسيط نتواصل معه ويكون في الوقت ذاته أتم مظهر لصفات الله وهذا الأتم ليس إلا المثل الأعلى أو المتخصص المعصوم.

إذن، المتخصص المعصوم هو الوسيلة التي تنظم علاقتنا بالله. لقد خلق الله جوهرنا الروحي الأصيل من اللانهاية، ووضع كمالنا في التشبه بأسمى مظاهره، أي المتخصص المعصوم. لذا، فإن الشخص الوحيد القادر على قيادتنا نحو التشبه بالله وتحقيق التوحيد هو الإنسان الأكثر شبهًا بالله، أي المتخصص المعصوم.

التوحيد دون متخصص معصوم هو مجرد توحيد وهمي وخيالي، فمن لا يعرف المظهر الحقيقي لله لن يكون لديه إدراك صحيح لمعاني أسمائه وصفاته. في الواقع، تصورنا عن الله، إذا لم يستند إلى تجلياته في الوجود، سيكون بعيدًا جدًا عن الله الحقيقي والكمال المطلق.

في هذا الدرس، استعرضنا طريق الوصول إلى التوحيد، وأوضحنا أن معرفة الله والكمال اللامحدود الذي يسري في الوجود لا يمكن تحقيقه دون الرجوع إلى تجلّ كامل لصفاته وأسمائه. فالوصول إلى التوحيد والدخول في مجراه يستلزم وجود المتخصص المعصوم، فهو المرآة الصافية التي تعكس أسماء الله وصفاته، وهو أعظم دليل لنا في هذا الطريق.

ما رأيك في دور المتخصص المعصوم في معرفة الله؟ هل تعتقد أن الوصول إلى التوحيد ووحدة الوجود ممكن دون وجوده؟

اكتب رأيك