من أين ينشأ الفرق بين الجاهل والعاقل؟

جدول المحتويات
نظام التقييم هو الميزان المُفرّق بين العاقل والجاهل

نظام التقييم هو الميزان المُفرّق بين العاقل والجاهل

من العاقل في نظرك؟ ومن الذي تُطلق عليه صفة الجاهل أو السفيه؟ ما هو المعيار الذي نقيس به رجاحة عقل الإنسان ونضج بصيرته؟ وهل من نراه عاقلًا يُعدّ عاقلًا في نظام التقييم الإلهي أيضًا؟

كما ذكرنا في الدروس السابقة، نحن نعيش في عالم تحكمه بنية رياضية دقيقة، فكلّ ما في الوجود له مقدار ومقياس، ويخضع إلى قواعد ومعادلات محددة.[1] الله سبحانه وتعالى هو خالق هذه المنظومة المحكمة، فهو من وضع المقادير، وأرسى القوانين، وعيّن القيم. وفي هذا النظام الرباني، لكلّ مخلوق قدر معلوم، وقيمة محددة، ومرتبة واضحة بين سائر الموجودات. وكما أن الله وضع موازينه الدقيقة، نحن البشر أيضًا نمتلك معاييرنا الخاصّة في التقييم. و لكن ليس بالضرورة أن تكون موازيننا متطابقة مع ميزان الله! بل في كثير من الأحيان، نهتمّ بأمور لا وزن لها عند الله، ونهمل أشياء هي عنده في ذروة القيمة والاعتبار. هذا الاختلاف بين ميزاننا وميزان الله ليس في صالحنا، بل هو خطر على مسيرتنا الروحية وتكاملنا الإنساني.

إن العلاقة بيننا وبين الله علاقة تلميذ بمعلّمه، إن أراد التلميذ أن يبلغ مراتب معلمه، وجب عليه أن يضبط نظرته، وسلوكه، ومقاييسه على ما يراه المعلّم، وأن يضع خطاه حيث يضع المربّي قدمه، وإلا فلن يتحقق له أي نضج حقيقي، ولن يخطو في طريق الرقي خطوة واحدة.

وبما أن الله هو ربّنا، ومربينا، وهو من يتولى بناء نفوسنا وتربيتها، إن كنّا حقًا نطلب الوصول إليه، ونرجو حسن العاقبة، فلا بدّ لنا أن نعيد ضبط نظامنا القِيَمي على نظامه هو، لا على ما يُمجّده الناس، أو ما تهواه النفوس، أو ما يُشاع في زمن الغفلة. فأبسط خلاف بيننا وبين الله في هذا الشأن أو غيره، هو انحراف في المسار، وقطعٌ في السير نحو الغاية الكبرى التي خُلقنا من أجلها. ولكن… لماذا يحدث هذا الخلاف أصلاً؟ لماذا تختلف مقاييس بعضنا عن مقاييس الخالق؟  للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من إطلالة خاطفة على حقيقة الإنسان وأبعاده الوجودية.

أبعاد الوجود الإنساني: منبع الحكمة والجهل

الإنسان هو الكائن الأكمل في الكون، والمخلوق الجامع الذي يحمل في كيانه تجليات الوجود من أدناه إلى أعلاه، من المادة إلى الله. إنّ تركيبته الوجودية ليست بسيطة، بل تتكوّن من طبقات وأبعاد شتى: البُعد الجمادي، والنباتي، والحيواني، والعقلي، ثمّ ماوراء العقلي؛ وكلّ بُعد من هذه الأبعاد له ما يناسبه من الرغبات والتوجّهات والميول، وله ما يشدّه نحوه من الكمالات.

 غير أنّ البشر يختلفون في غلبة أحد هذه الأبعاد على بقية الأبعاد، وبحسب نمط حياة الإنسان، وطبيعة شخصيّته واهتماماته، يبرز أحد هذه الأبعاد على غيره، ويقود شخصيّته وقراراته. فترى بعض الناس تستهويهم الكمالات الجمادية، كأحجار كريمة ومجوهرات وأدوات فاخرة وحياة أرستقراطية. وآخرون تجذبهم الكمالات النباتية مثل جمال الوجه وتناسق الجسد ويجدون في الاهتمام بها مصدرًا للبهجة والرضا، وبعضهم يسعى وراء الكمالات الحيوانية مثل القوة والمنصب والسلطة، في حين يستمتع آخرون بالكمالات العلمية والعقلية ويجدون فيها غايتهم، وبين هؤلاء توجد قلّة نادرة تبلغ مرحلة ما وراء العقل، حيث تصبح تعلّقاتهم ذات قيمة إنسانية عالية وتتجاوز حدود الذات والمادة.

صحيح أنّ لكلّ نوع من الكمالات قيمته في موضعه، لكن لا شيء منها يُضاهي الكمالات الإنسانية في الشرف والقدر. فالإنسان ليس أيّ كائن من مخلوقات الله؛ بل خُلق لغاية أسمى، وهي الوصول إلى الكمال الإنساني الأصيل. لذا، لا ينبغي له أن يُضيّع عمره في طلب كمالات دنيا سريعة الزوال، على حساب كمالات إنسانية خالدة.

ولكي نُقرّب المعنى بمثال، يمكننا أن نتخيّل طالبًا جامعيًا، يدخل الجامعة لأجل التعلّم، فطلب العلم هو الهدف الأسمى من وجوده هناك. بيد أنّ هذا الطالب قد يُمارس أثناء دراسته أنشطة أخرى كالأكل، والرياضة، والمشاركة في الرحلات والبرامج الترفيهية. وهذه الأمور وإن كانت جزءًا من حياته الجامعية، إلا أنّها لا تُقارن في قيمتها بهدفه الحقيقي. ولذلك فإن الطالب الذي يُعطي الترفيه أهمية أكبر من طلب العلم يُعتبر إنسانًا جاهلًا وقليل الحكمة.

وكذلك حال الإنسان في هذه الدنيا؛ فالحياة ليست إلا مدرسة، خلقها الله بعناية، لتكون ساحة تربية وتكميل. فنحن لم نُخلق من أجل بلوغ الكمالات الجمادية أو النباتية أو الحيوانية أو حتى العقلية فقط، بل جئنا إلى هذه الحياة من أجل الوصول إلى الكمالات الإنسانية العليا، ولذلك فإن من يُعطي هذه الكمالات الدُنيا قيمةً تفوق الكمالات الإنسانية هو إنسان جاهل، لأن نظامه القيمي والتقييمي بعيد كل البعد عن نظام ربّه ومربّيه، أي الله سبحانه وتعالى. وفيما يلي، سنتعرّف بشكل أعمق على نظام القياس الإلهي مقابل نظام القياس لدى الإنسان الجاهل.

 من هو الإنسان الجاهل في نظر الله، ومن هو الأعقل؟

ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى هو خالق جميع المقادير، وبما أنه مُحيط بكل الوجود، فإن نظامه في القياس والتقييم هو أدق وأصدق نظام يمكن الاعتماد عليه، ونحن بدورنا مدعوّون للسير في طريق الوصول إليه، ولذلك فإن العقل يقتضي أن نُنسّق نمط حياتنا وفق ميزان الله، لا وفق معايير مبتورة أو منبثقة من أهواء شخصية. ولا ينبغي لنا أن نسمح للشهوات والنزعات الحيوانية بأن تؤثّر على عقولنا، فتُبعدنا عن المعايير الإلهية التي تضمن لنا الرشد والهداية والكمال.

مَن يقع عقلُه تحت تأثير شهواته فهو جاهل، لأنه يُخطئ باستمرار في اختياراته وعلاقاته، ويُقدّم ما لا قيمة له على ما هو ذو قيمة حقيقية. فلو طُلِب منّا أن نختار بين حقيبتين، إحداهما تحتوي على مليون دولار والأخرى على مليار، لاخترنا جميعاً بلا شك الحقيبة الأغلى قيمة، بل إننا لنشك في سلامة عقل من يختار خلاف ذلك. ومع ذلك، نجد الكثيرين منا يتعاملون مع قضايا جوهرية تتعلق بانسانيتهم وحياتهم الأبدية، بمنطق من يختار القليل الزهيد على الكثير النفيس. إنها سذاجةٌ لا تُغتفر!

فما السرّ وراء ذلك؟ السر يكمن في جهلنا بـ”قيم” الأشياء الحقيقية. فعندما نرغب في اقتناء سلعة باهظة الثمن لمنزلنا، نجتهد في استقصاء الأسعار من متاجر متعددة، خشية أن نُخدع أو نُغبن. لكن، وللأسف الشديد، لا نبدي نفس الحساسية تجاه ذواتنا؛ فنبيع أرواحنا، وهي أثمن رأسمالنا وملكيتنا الوحيدة، بأبخس الأثمان، لأن نظام تقييمنا للقيمة يبتعد كل البعد عما ينبغي أن يكون.

قال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في تعريف العقل: “العقل ما عُبِدَ به الرحمن واكتُسِبَ به الجنان”.[2]

هذه الكلمات، التي تبدو بسيطة، تحمل في طياتها معاني جليلة؛ يرسم لنا رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه العبارة الموجزة، الخط الفاصل بين العقل والرشد من جهة، والحماقة والضلال من جهة أخرى، ويضع بين أيدينا نظاماً قيميّاً مُحكماً. بناءً على ذلك، لتقييم عقل أي امرئ، علينا أن نتساءل: ما الذي يسعى إليه في حياته؟ وبأي ثمن يبيع عمره؟ هل يبحث عن المتعة الخالدة والبقاء الأبدي، أم عن اللذة الفانية والزوال المحتوم؟ إن العقل يقتضي بأن يُفضّل الإنسان المتعَة المستمرة على المتعَة العابرة. فالذي يُقدّم متاع الدنيا الزائل والمحدود على نعيم الجنان الأبدي وغير المتناهي، هو في حقيقته إنسانٌ جاهلٌ مُضلل.

في نظام القياس الإلهي، هذه الدنيا ليست سوى لهوٍ ولعبٍ، أما الحياة الحقيقية فهي في الدار الآخرة.[3] وقد وضع الله تعالى واحدًا فقط من مئة جزء من رحمته في هذه الأرض، وادّخر تسعة وتسعين جزءًا منها للآخرة.[4]  وفي الجنة، أعدّ الله لعباده الصالحين من النعيم ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.[5] فتخيّل أن إنسانًا يُعرض عن كلّ هذه النِّعَم اللامحدودة، ويتمسّك بزخارف الدنيا الزائلة التي لا تصحبه إلا أيامًا معدودة، أفلا يُعدّ مثل هذا الإنسان جاهلًا وأعمى البصيرة؟

لقد كرّر الله تعالى في مواضع عديدة من القرآن الكريم عبارات من قبيل: أفلا يعقلون، لا يفقهون، لا يتفكرون، وذلك في وصفه لأهل الدنيا، والمذنبين، وكل من يختلف نظامه القيمي عن نظام الله تعالى. وقد وصفهم الله بأوصاف شديدة لكنها حقيقية، فنعَتهم بأنهم: كالأنعام،[6] بل هم أضل، أو كالحجارة،[7] أو أشد قسوة، ووصفهم بأنهم صمّ، بكم، عمي،[8] بل وسفهاء.[9] ينبغي أن ننتبه إلى أن هذه ليست شتائم أو إهانات شخصية، فالله سبحانه وتعالى لا يُسيء إلى أحد، بل يُبيّن حقيقة هؤلاء الأشخاص وقيمتهم الواقعية في ميزان الحق. ففي نظام التقييم الإلهي، من يُفضّل حياة الدنيا الزائلة على الحياة الأبدية، لا يَزيد في قيمته عن الحجر، أو الخشب، أو النبات، أو الحيوان، ولا يُعَدّ أهلًا للكرامة التي خُلق لأجلها الإنسان.

من العلامات الأخرى للعقل التي أشار إليها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في تتمة حديثه، هي تحصيل رضا الله سبحانه وتعالى. إن رضا الله أسمى من الجنّة ذاتها، ولا يفرّط به إلا جاهل، يستبدل رضى المحبوب الحقيقي برضى محبوبين زائفين، أغلبها ملوّث بالطمع والمصلحة. لكن من المهم أن نعلم أن مطابقة نمط الحياة مع نظام التقييم الإلهي ليست بالأمر الهيّن، فمَن يسلك هذا الطريق سيكون دائمًا عرضةً للسخرية والاستهزاء من قِبَل أهل الدنيا.[10] إلا أن الذي اكتشف قيمته الحقيقية لا يخشى من استهزاء المستهزئين، لأن أفق نظره قد انفتح على عالمٍ أعظم، يعجز أهل الدنيا عن تصوّر حجمه أو إدراك عظمته.

في هذا الدرس، تحدّثنا عن نظام القياس الإلهي، ومقدار اختلافه عن موازين الإنسان الجاهل. أوضحنا أنّ نظام التقييم لدى كلّ إنسان، إنّما يكشف عن مستوى عقله ورجاحة فكره. ومتى كان الله هو خالق العالم بأسره، فإنّ ميزانه هو الأصدق، والأدق، والأعدل، وأيّ خرقٍ لهذا المقياس الإلهي، ليس إلا علامة على الجهل وقصر البصيرة. فالجاهل هو مَن يُفضّل ما لا قيمة له على شيءٍ نفيس وباقٍ، ولا يفعل ذلك إلا مَن جهل نفسه ومحبوبه الحقيقي. فإذا لم يعرف الإنسان حقيقته، ولم يعرف معشوقه الحقيقي، ضلّ في تقدير الأمور، وباع روحه بثمنٍ بخس، وهو يظن أنّه قد ربح!


[1]  قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (الطلاق،( 3:

وَ کُلُّ شَیْءٍ عِنْدَهُ بِمِقدْارٍ (الرعد:( 8

[2] اَلْعَقْلُ مَا اُكْتُسِبَتْ بِهِ اَلْجَنَّةُ وَ طُلِبَ بِهِ رِضَا اَلرَّحْمَنِ. (ابن بابویه، محمد بن علی، من لایحضره الفقیه، ج۴، ص۳۶۹ )

[3] سورة العنکبوت، الآیۀ 64

[4] عن النبي اکرم (صلى‌الله علیه‌وآله‌وسلم): «إِنَّ اَللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَجَعَلَ فِي اَلْأَرْضِ مِنْهَا رَحْمَةً…وَ أَخَّرَ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ اَلرَّحْمَةِ مِائَةً.» (فتال نیشابوری، محمد بن احمد، روضة الواعظین، ج۲، ص۵۰۲ )

[5] عن النبي الاکرم (صلى‌الله‌علیه‌وآله‌وسلم): «إِنَّ اَللَّهَ يَقُولُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ اَلصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَ لاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَ لاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بَلْهَ مَا أَطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.» (مجلسی، محمد باقر، بحار الأنوار، ج۸، ص۹۲  )

[6] سورة الأعراف، الآية 179

[7] سورة البقرة الآية 74

[8]  سورة البقرة، الآية 171

[9] سورة البقرة، الآية 130

[10] سورة المطففين، الآية 29 و 30

اكتب رأيك