لم لا يمكننا معرفة الله بدون معرفة النفس؟

جدول المحتويات
"من لايعرف الإنسان وقدراته فإنه لا ينال إلى معرفة الله"

معرفة الإنسان لنفسه مقدمة لمعرفة الله تعالى

تعتبر المقدمة لموضوع ما كلبنة أساسية لا تقل أهميتها عن الموضوع نفسه، إلى درجة أنّ عدم معرفتها يكاد يجعل فهم جوهر الموضوع مستحيلاً. و بما أن الإنسان هو محور الخلق، فإنه مقدمة للعديد من الإنجازات في مختلف العلوم وحتى للوصول إلى الله. من خلال المقدمة يتم فتح الأبواب على الموضوع و ويتم بناء الفهم الأساسي له.

كيف تتوقع من شخص غير متخصص بالسيارات أن يبدي رأيه حول تصليحها؟ أو من هو غير متخصص في الألوان کیف يمكنه أن يكون محللًا المتقدما لرسومات لوحة رسم؟ وهكذا، تعتبر معرفة الإنسان وخصائصه كمقدمّة للعديد من المعارف الأخرى التي تظلّ غير مكتملة وغير حاسمة إذا لم نأخذ «الإنسان» في عين الاعتبار.

التشابه بین الانسان و الله سبحانه

أشرنا في مقالة “كيف تقربنا معرفة الإنسان من معرفة الله؟” إلى أن الإنسان إذا ما عرف نفسه بشكل صحيح وأدرك وجوده اللامحدود واللانهائي، فإنه سوف يصل إلى معرفة الله. هذا لأن هناك العديد من أوجه التشابه و السنخية بين بنية الإنسان الوجودية والله تعالى، لدرجة أنّ معرفة النفس تعادل معرفة الله. وبعبارة أخرى، بما أنّه يوجد فينا خيطٌ من نور أسماء الله وصفاته، كلما اقتربنا من الله ازداد تجلى هذه الأسماء والصفات فينا. أما الان فإننا سوف نخطو خطوة أخرى ونقول أن معرفة النفس لا تعادل معرفة الله فحسب، بل إنها مقدمتها و الخطوة التي قبلها أيضا، و هذا يعني أننا و قبل أن نبدأ بمعرفة الله، نحن بحاجة إلى أن نعرف أنفسنا كإنسانٍ أولا.

انطباعات مأخوذة من مواقفنا

سوف نضرب مثلاً لتبيين الأمر: قد يختلف تصورك لشخص‌ أو مكان‌ ما عن حقیقته الخارجية کل الاختلاف. هذه التصورات هي نتيجة مواقفنا السابقة تجاه ذلك الموضوع منها الظنون والأفكار أو خبرتنا السابقة أو ما قد سمعناه. لذا تعتمد هذه التصورات على مختلف الأمور منها: رؤية الإنسان الشخصية للحياة، وانطباعه لنفسه، وأسلوب حياته بشكل عام. على سبيل المثال، فإذا كان الإنسان منضبطا فإنه وقبل أن يقابل شخصا آخر يقوم بتخيل شخص له ظاهر رسمي ومنضبط، أما إذا كان بسيطا متواضعا فسوف يدور في خلده فكرة مواجهة شخص له ظاهر مشابه له.

يترتب على کل ما تقدم أن الإنسان بدون معرفة نفسه الحقيقية وفهم علاقته مع الله سبحانه، فإن إدراكه لله سيكون على مبنى انطباعاته الذهنية فقط، و لن ينال المعرفة الصحيحة عن الإله الحقيقي.

هنا يتم كشف الستار عن تفکیرنا، فإذا كان كل شيء علي ما يرام في حياتنا فإننا نتصور الله رحمانا رحيما عطوفا. أما إذا كانت الحياة تلقي بظلال قسوتها علينا، فقد يكون الله في أذهاننا إلهًا ظالمًا وقاسًا. في هكذا الأوضاع، لم يعد الله كائنًا غير محدود مع كمالات مطلقة ولا محدودة، وإنما هو كائن متغير حسب مواقفنا اليومية.

الإله التخيلي!

مَن لايعرف نفسه، يرى حياته محصورة في الفترة المحدودة بين الولادة والموت، غافلا عن قدراته جاهلا عن احتياجاته الإنسانية غير ساعٍ لتلبيتها. کمَن لا يعتبر الطعام والماء من احتياجات الطفل، ولا يسقيه ولايشبعه و يأخذه إلى حافة الموت. هکذا حال من لم يقدّر نفسه ولا يعرّف حاجاتها الأساسية و الحقیقیة إلا على مستوى النبات، والجماد، والحيوان ولا توجد لديه رؤية متسامية لأحلامه بل إنه يحط من قيمتها إلى مستوى دني. وبما أنه لا يميّز بين نفسه الحقيقية والمزيفة، فإنه يشعر بالإحباط والتعارض في مواجهة المحن والبلايا وفوق كل هذه التفاصیل يقوم بإبداء رأيه والتعليق على خالقه بلا معرفة حقيقية! إذن فمن البديهي أن نقول إنه لا يعتبر الله مدافعاً وکیلاً عنه، بل ويراه السبب وراء كل تعاسته، واخفاقاته وقيوده، وستكون نظرته عن الله رؤيته خيالية ومحدودة وخاطئة لأن معرفته بالله قائمة على معرفة نفسه الناقصة والمحدودة.

حکمٌ مبني على نقصِ المعرفة

من لا يملك التخصص والخبرة في عمل جهاز ما، فليس له إلا أن يصمت ولا يبدي رأيه حول صانعه. وبالمثل، من لايعرف الإنسان وقدراته فإنه لا يعرف خالقه حق المعرفة. إننا إن لم نملك معرفة صحيحة عن الإنسان فإننا إما أن نكتسب معرفة عديمة الفائدة عن الله لا معنى لها ولا تتضمن أي تنمية، وإما أننا سنحصل على إله غير حقيقي ليس له حقيقة خارجية، صنعناه في أذهاننا بناءً على طريقة رؤيتنا للوجود. في كلتا الحالتين، فإننا لم نصل إلى معرفة صائبة عن الله، و لن ننال السعادة والسلام الحقيقيين.

بحثنا في هذا المقال عن أهمية معرفة الإنسان كمقدمة لمعرفة الله، وتحدثنا عن وجود التشابه بين البنية الوجودية للإنسان والله. وملخّص ما ذكرنا هو أننا إن لم نعرف الإنسان وخصائصه واحتياجاته، فإنّ معرفتنا بالله ستكون عديمة الفائدة أو مبنية على تخيلاتنا الذهنية التي لن تكون ذات صلة ولا توصلنا الى الحقيقة المطلوبة.

للمزيد من المعلومات عن أهمية معرفة الإنسان لنفسه ستساعدك هذه المقالة “ما هي حقيقة الإنسان؟ ماذا يكمن وراء سوء الفهم الإنسان لنفسه؟

في النهاية يسعدنا أن تشاركنا برأيك حول المقال عبر التعليقات.

اكتب رأيك