القيادة في الوجود الإنساني: أيّ جانب يتولّاها؟

جدول المحتويات
كيف تُحَدَّد القيادة في الوجود الإنساني؟

كيف تُحَدَّد القيادة في الوجود الإنساني؟

عندما يكون هناك تجمّع يتكون من جوانب مختلفة، لابد أن يتّخذ جانبٌ واحدٌ دور القائد والزعيم. وبما أنّ وجود الإنسان يتكوّن من جوانبٌ مختلفةٍ أيضًا، فإنّه لا يُستثنى من هذه القاعدة. لكن السؤال هو: أيّ جانبٍ يتولّى القيادة في الوجود الإنساني؟ هل من المُمكن أن يكون في وجوده أكثر من حاكمٍ واحدٍ؟ يجيبنا القرآن الكريم: “لو کان فیهما آلهة الا الله لفسدتا”. ولكن ما هي الشروط التي يحتاجها كلّ جانبٍ من جوانب الوجود لبلوغ مقام القيادة في الوجود الإنساني؟

إننا نملك خمسة أبعادٍ ومراتب وجوديّةٍ، تتركب جنبًا إلى جنبٍ وفقًا لبنيةٍ رياضيّةٍ وهندسيّةٍ محكمةٍ. لكلٍّ من هذه الأبعاد والمراتب احتياجاتها الخاصّة من التغذية والتربية، ولديها كمالها الخاصّ ومحبوبها وطموحاتها. بطبيعة الحال، كلّما زادت تغذية أيّ جانبٍ من وجودنا، ازدادتْ قوّته وأصبح قادرًا على التحكّم في الأجزاء الأخرى. ولكن كيف لنا أن نميّز:

  • أيّ جانبٍ يتولّى قيادة وجود الإنسان؟
  • هل تختلف قيادة الجوانب المختلفة عن بعضها البعض؟
  • كيف تختلف حالتنا عندما تهيمن المرتبة النباتية على باقي المراتب في الإنسان، مقارنةً بحالة سيطرة المرتبة ماوراء العقلية؟
  • أيّ من هذه المراتب يعدّ قائدًا أكثر ملاءمةً وكفاءةً؟
  • هل خطّط محبوبنا المدبّر لهذه الأدوار مسبقًا أم لا؟

إننا وبحسب الاختلاف في شخصياتنا، نعطي قيمة أكبر لجانبٍ من وجودنا عن غيره، فيصبح ذلك الجانب محبوبًا لنا أكثر من غيره. ولكن يجب علينا أن ندرك أن ترتيب أنماط المحبوبات والكمالات، أو تنظيم نظام الحب يشكل دورًا هامًا في اختيار القائد لوجود الإنسان.

لكل جانب من جوانب وجودنا كماله ومحبوبه وآماله الخاصة. ففي الجانب الحيواني، نرغب في حياة اجتماعية جيدة ونجاح وكرامة اجتماعية وثروة. وفي الجانب العقلي، نرغب في تعليم عال ومعرفة واسعة. أما في الجانب ماوراء العقل، نرغب في حركة مضمونة نحو اللانهائية.

في الحقيقة، لا يتعارض نضجنا الإنساني مع سعادتنا وصحتنا وتقدمنا ولذّاتنا الدنيوية، ولكن المهم هو أن نسعى جاهدين لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة على حد سواء من خلال هندسة المحبوبات.

في هذا الدرس، سنحاول الإجابة على الأسئلة التي تطرح حول قيادة وجود الإنسان، من خلال الإشارة إلى البنية الرياضية لوجوده، وفهم جوانبه المتعددة، ومبادئ تنظيم نظام الحب.

أهمية معرفة البنية الرياضية للخلق

إنّ جميع أنظمة الخلق، من عالم المادة والآخرة، ومن الجسم والنفس، دون استثناءٍ، لها بنية رياضيّة وعددية. هذا يعني أنّ لكلٍّ من هذه الأنظمة قواعد وعلاقاتٍ خاصّة تحكم إنشاءه. فإذا لم تُراع القواعد المتعلّقة برياضيّات الخلق، خرجتْ البنى عن حالتها الطبيعيّة. وعلى العكس من ذلك، فإنّ نتيجة مراعاة كلٍّ من هذه القواعد هي الصحةُ والنجاح والسعادة. فكما أنّ للنفس والجسم بنية منتظمة، فإنّ إهمال هذه القواعد يؤدّي إلى أمراضٍ روحيّةٍ وجسديّةٍ. وإذا كنا نسعى إلى تحقيق الصحة الروحيّة والجسديّة، فمن المهمّ جدًّا أنْ نُدرك البنية الرياضيّةَ لوجودنا.

يتكوّن وجودنا من خمسة مراتب: المرتبة الجمادية، والنباتية والحيوانية والمَلَكية والإنسانية. ومن منظورٍ آخر، يتكوّن من خمس قوى: الحسّ، والخيال، والوهم، والعقل، وماوراء العقل. وبحسب النظام الرياضيّ، تُعدّ جميع المراتب والأجزاء الوجوديّة مهمّة، ولكن ينبغي إعطاء كلٍّ منها الاهتمام والتركيز اللذين يليقان بأهمّيّته، لا أكثر ولا أقل!

منْ روائع بنية الخلق الرياضيّة أنّ جميع الموجودات تُخلق مقترنة بأزواجها. فكلُّ موجودٍ يجد السّكينة بجانب زوجه، كما أنّ العين والاذن لا يهدآن إلاّ مع طول الموجة والتردّد المناسب. كذلك، فإنّ لكلٍّ جانب من جوانب وجودنا ومراتبه زوجًا خاصًّا ومحبوبًا مخصّصًا له. وقاعدة الخلق كلّه وریاضیاته، من أعلى مراتبه إلى أدناها، تدور على محور الحبّ والمحبّة. فمنْ أمثلة ذلك: ميل الحسّ إلى المحسوسات، وميل الخيال إلى المخيّلات، وميل الوهم إلى الموهومات، وميل العقل إلى المعقولات، وميل ما وراء العقل إلى الكمال المطلق.

ولكنْ، إلى أيّ جانبٍ ينتمي محبوب الإنسان الأصليّ وقائد وجوده؟ ومنْ هو محبوبنا الحقيقيّ؟

للإجابة على هذا السّؤال، ينبغي لنا أنْ نعرفَ أنفسنا وأبعاد وجودنا، وأنْ نعرفَ أنواع الكمالات وأولوياتها، وأنْ نفهم نظام الحبّ السّليم.

أهمّية تنظيم نظام الحبّ

بعد أن عرفنا أنفسنا وأبعاد وجودنا، فإن أهم خطوة نتخذها هي تنظيم نظام الحب. فشخصيتنا بأكملها تُبنى على أساس هذا النظام، فهو الذي ينظم ميولنا ويوجه خياراتنا وعلاقاتنا وأفكارنا وسلوكنا. إذا لم يكن هناك حب، فلن نرغب في أي شيء أو أي شخص.

الخطوة الأولى في تنظيم رغبات القلب ونظام الحبّ، هي معرفةُ المحبوبات والكمالات وفصلها عن بعضها البعض. فإذا لم ندرك هذا الأمر بشكلٍ صحيحٍ، ستكون نتيجةُ ذلك إقامة علاقاتٍ قلبيةٍ خاطئةٍ. أما إذا عرفنا قيمة المحبوبات والكمالات معرفة صحيحة، فسوف نقضي حياتنا في مسارٍ يتناسب مع شأننا الإنسانيّ، ونتخذ القرارات الصحيحة، ونخطط لاستثماراتنا بشكلٍ محكمٍ. ينبغي لنا أن نبني حبّنا على أساسٍ يؤدّي إلى أفضل النتائج في خياراتنا وعلاقاتنا وسلوكنا وأفكارنا. فكثيرٌ من الناس يندمون على ماضيهم لأنّهم لم يبنوا علاقاتهم على أساسٍ صحيحٍ واختياراتٍ مدروسةٍ.

إن نظام الدنيا مصمم بطريقة تقيّم نظام حبنا باستمرار. ففي بعض الأحيان، تقيّمه من خلال المشاكل والصعاب والأمراض، وفي بعض الأحيان الأخرى، تقيمه من خلال السعادة والوفرة والكمالات الحسية والعلمية والمعنوية. كما أن للقلب فضل على العقل في مجال تقييم نظام الحب، وذلك لأن العقل قد يكذب و ينخدع بالأوهام، بينما لا يكذب القلب أبدًا. فالقلب، مثل المرآة، يحدد قيمتنا بناءً على أحلامنا وأفكارنا وهمومنا اليومية وميولنا.

على سبيل المثال، إذا التزمنا بسلوك ديني نتيجة للظروف المحيطة دون أن يكون هذا الإيمان راسخًا في قلوبنا، فقد يظهر إيماننا الحقيقي وهويتنا عندما تتغير الظروف أو نسافر إلى الخارج. وبالمثل، يمكن أن يُختبر ثراؤنا أحيانًا بفقدانه، لمعرفة ما إذا كان تغيير الظروف سيؤثر على سعادتنا واطمئناننا وسلوكنا مع الآخرين. ويقول أمير المؤمنين (عليٌّ عليه السلام): “فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ[1]

بناءًا على قاعدة أصالة التخصص، ووجوب الرجوع إلى المتخصص في كل أمرٍ، وضع الله برحمته في كتابه المهيمن القرآن الكريم، نظامًا للحب السلمي والمتوازن، فجعل شرط الإنسانية أن لا يكون في قلوبنا من هو أحب من الله ورسوله والجهاد في سبيله. وبمجرد أن يغلب على قلب الإنسان حب شيء من العلم أو المال أو الجمال أو القوة أو الكمالات الحسية أو الوهمية أو الخيالية أو العقلية على هؤلاء المحبوبين الثلاثة الأساسيين، فإنه يسقط من كرامته الإنسانية.

ولكن، هل يرمز هذا الكلام إلى تحريم السعي وراء أحبّة أخرى؟ كلا، ليس الأمر كذلك على الإطلاق. فما دام الله قد خصّص لكلّ جانب من وجودنا حبيبًا وزوجًا خاصًا به، فهذا يعني أنّ الوصول إليها والاستفادة منها أمرٌ جائزٌ ومُباحٌ[2]. لكنّ النقطة الجوهرية تكمن في وجوب اتخاذ الله تعالى أساسًا في جميع شؤون حياتنا، بما يشمل الشؤون الاقتصادية والثقافية والعائلية وتربية الأبناء والتواصل والمعاملات والدراسة والتدريس. فلا ينبغي لنا أن نغفل عن الله سبحانه وتعالى بسبب جمال مخلوقات الله وجاذبيتها. إنّ حبّ المال والأولاد والتجارة والعلم والمكانة، هي أمورٌ طبيعيةٌ ومُستحبّة بطبيعتها، لكنّها تصبح غير مرغوب فيها إذا تعارضت مع محبّة الله تعالى.

إننا كائنات أبدية و حياتنا ليست رحلة قصيرة تمتد من الميلاد إلى الموت. في مسيرنا نحو الخلود، يجب أن نحرص على ترتيب وتصميم أحلامنا وأفكارنا بدقة، وأن نحدد أولوياتنا الفكرية بناءً على قيمة أهدافنا وطموحاتنا. وإلا، سنقع فريسة للارتباك والاكتئاب. وفي هذه الحالة، سنكون أشبه بكرة قدم تتقاذفها الأحلام والأهداف من كل جانب، دون أن نتمكن من السيطرة على أنفسنا. إن رأينا أنفسنا كائنات لا نهائية تمتد إلى أبد الآبدين، فلن نسمح للأحلام أن تهيمن على قلوبنا.

القيادة في الوجود الإنساني

يتكون وجود الإنسان من خمس قوى: الحسّ والخيال، والوهم، والعقل، وما وراء العقل. وتقسم كمالات وجودنا إلى خمسة أقسامٍ: الكمالات الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وما وراء العقلية. و من خلال الجانب الإنساني فإننا نستطيع أن نقيم علاقاتٍ حميمة مع جميع هذه الأنواع الخمسة من الكمال، لكن ينبغي لنا أن نُحدّد مع أيّ قسمٍ منها نُحسّ بتوافقٍ أكبر.

إن شخصيتنا هي حصيلة خياراتنا وعلاقاتنا وسلوكياتنا ومعتقداتنا، وتبنى جميع قراراتنا على أساس القيمة التي نُقدّرها لذواتنا. فعندما نجهل قيمة أنفسنا فإننا نُعرّض أنفسنا لخسائر فادحةٍ، وتزداد نسبةُ خطئنا. وبناءً على من نحب ومن لا نحبّه، نستطيع أن نفهم من نحن ونحدّد مرحلتنا الحالية من مراحل الحسّ، والخيال، والوهم، والعقل، وما وراء العقل. بعبارةٍ أخرى، يشير نوع المحبوبات الخمسة التي نحبّها وسيطرتها، إلى مكانتنا وشخصيتنا. وبناءً على هذه الأمور، يمكننا تصنيف قيادة وجود الإنسان إلى خمسة فئاتٍ مختلفةٍ. سوف نناقش في ما يلي بعض خصائص هذه الأنواع الخمسة من القيادة.

القيادة الجمادية

إننا نسعى جاهدين في رحلة الحياة لتلبية احتياجاتنا المتنوعة في مختلف جوانب الوجود مسترشدين بفهمنا لذواتنا. إذا تغلبت علينا النزعة الجمادية، فإننا سوف نجد أنفسنا نُكرّس حياتنا كلها لبلوغ الكمال الجمادي، فيُصبح همّنا الأكبر هو اقتناء المنازل الفارهة، وجمع الأموال، وتأثيث البيوت بأفخر المفروشات، وتعليق الثريات البراقة، والتزين بالذهب والمجوهرات، وحمل أحدث الهواتف، وارتداء أفخم الملابس، وقيادة السيارات الفارهة، وإحاطة أنفسنا بكل ما هو فاخر. في هذا السعي المحموم، فإننا نجد معنى قيمتنا وكبريائنا في امتلاك ما هو خارج عن وجودنا. إذا سيطرت علينا هذه الصفات بشدة، سواء فينا أو فيمن حولنا، وفدينا كل شيء في سبيل تحقيق هذه المُثل العليا، فهذا يدل على أن قيادة وجودنا هي من نصيب الجانب الجمادي.

القيادة النباتية

بعض الرغبات والمحبوبات هي من صنف نباتي. إن تركيز الجهود على بلوغ هذه الكمالات دونما اعتبار لفضائل سائر الكمالات في مختلف جوانب الوجود، يغذي بعدنا النباتي ويسلمه زمام القيادة. من أمثلة هذه الكمالات النباتية، الرقة والجمال والنمو والقوة الجسدية واللياقة البدنية والتغذية والتكاثر. لا يعدّ أي من هذه الكمالات مذمومًا، بل بالعكس إن استخدمت كوسيلة لتحقيق غاية خلقنا وهي مقام الإنسانية، فذلك نوع من العبادة يجزينا الله عليه. أما إذا قيّدت سعينا وشغلت تطلعاتنا على بلوغها ورأينا قيمة أنفسنا في تحصيلها، فإننا قمنا ببيع لنفسنا بسعر رخيص وخسارة أكيدة.

القيادة الحيوانية

حظيت الحيوانات بما وهبها الله من كمال جمادي ونباتي، وتمتاز بخصائص ومميزات فريدة، حتى كأنها ممالك تقود جيوشها، فتحركها غرائزها لتلبية شهواتها ورغباتها، تسعى لتسلية نفسها، وتأمين مساكن تؤويها، والعثور على شريك من الجنس الآخر، وتجتهد بجد لرفاهية عائلتها وحماية حريمها. كما تتمتع الحيوانات بحياة اجتماعية تنظم سلوكها، ووفاء يلزمها، وأمانة تحكمها، وتقدير يثري مشاعرها، ونبل وغيرة تصون عرضها.

كل هذه الصفات والخصائص تعتبر من الكمالات الحيوانية وإن خصصنا عمرنا كله للسعي وراء تحقيقها دون أن ندرك أنها ليست الغاية بحد ذاتها، فإننا نسلم زمام أمرنا للجانب الحيواني من وجودنا، ونتيح له السيطرة على وجودنا وتصرفاتنا. إن سيطرة الجانب الحيواني على وجودنا يغرقنا في بحر من الرغبات الدنيوية فنصبح عبيدا للشهرة والسلطة والرئاسة والسيطرة ونسارع إلى التنافس مع الآخرين والتفاخر عليهم و في أحسن الأحوال نكرس جهودنا لخدمة عائلاتنا وجيراننا وأبناء جنسنا دون أن ندرك أن هذا التنافس المحموم على تحقيق الكمال الحيواني لن يضفي شيئا على مقامنا الإنساني.

القيادة العقلية

يبحث الملائكة بدافع فطرتهم الوجوديّة التي قد شكّلت من العقل، عن المعلومات ويُنشدون العلم. إنّ الرغبة في اكتساب العلوم والمعارف وكشف الحقائق، هي من صفات الملائكة في وجودنا، وهي من مكملات العقل. كما يدفعنا تأثير البعد العقلي وهيمنته إلى السعي وراء العلم والمعرفة، واكتشاف مجهولات العالم، وتطوير العلوم مثل الطب والهندسة والأدب وعلم الاجتماع والتاريخ وعلم النفس والاقتصاد، ودفع حدود المعرفة إلى الأمام. ولكن إذا اتخذنا الفضائل العقلية كأولى أولويتنا، وقضينا حياتنا كلها في سبيل العلم واكتشاف المجهولات، متجاهلين باقي جوانب وجودنا، فهذا يعني أنّنا قد سلّمنا زمام أمر وجودنا إلى العقل. في هذه الحالة، ستكون قيمتنا مساوية للمعلومات التي نكتسبها من خلال الجهد والمثابرة. وبما أنّ الجانب الملائكي من وجودنا يقع بين الجانبين الإنساني والحيواني، فهو أشبه بسيف ذي حدّين. فإذا خضع لخدمة الجانبين الأدنيين، فسيحوّلنا إلى حيوانات أقوى وأكثر وحشية من الحيوانات الأخرى. وبالمقابل، فإنّ خدمة الجانب الملائكي للجانب الإنساني ستُساعدنا على النمو بسرعة، والوصول إلى مقام أعلى من مقام الملائكة.

قيادة ماوراء العقل

يشترك الإنسان مع باقي المخلوقات في امتلاكه لخصائص جمادية ونباتية وحيوانية وعقلية. لكن ما يميزه ويجعله أشرف المخلوقات هو الجانب ماوراء العقلي في وجوده، والذي يجعله يعشق اللانهاية والكمال المطلق. يسعى جميع البشر بطبيعتهم إلى اكتساب العلم والقوة واللذة والثروة والحياة الأبدية غير المحدودة. ولا يشبعهم سوى الوصول إلى الكمال المطلق واللانهاية. هذه السمة تُعرف باسم “الرغبة في اللانهائية”. يفرض البعد ماوراء العقلي في وجود الإنسان عليه أن يكون نهمًا لا يشبع، وأن يبحث عن غاية قصوى لا يتوقف عندها، وأن يطلب كل الخير واللذة والحب والرحمة والكمال بمقياس لانهائي. لكل حاجة في وجودنا مصداق خارجي يُلبيها، فمثلًا تُلبى حاجة الجوع والعطش بالطعام والشراب. ومصداق الرغبة في اللانهائية في وجودنا هو الكمال المطلق، الذي يُسمى في اللغة العربية ب”الله”. جميع البشر، دون استثناء، يحبون لله. وبحسب تعبير الإمام الخميني، حتى رئيس الولايات المتحدة يحب لله، لكنه لا يدرك ذلك.[3]

الأفراد الذين ينشط فيهم الجانب الإنساني، ويستعدون للحياة الأبدية والآخرة، ويسعون لتحقيق هدف الخلق المتمثل في الكمال الإنساني، هم أفضل الناس وأعظمهم. يسيطر على وجود هؤلاء الأفراد الجانب ماوراء العقلي، وهو الجانب الأحق بالسيطرة والقيادة. يدفعنا شعورنا بالرغبة في اللانهائية، إلى البحث الدائم عن تجسيد حقيقي للانهائية، أي الله تعالى. إن عدم الوصول إلى المحبوب اللامتناهي يُسبب لنا القلق، ونحاول إشباع شعورنا باللامتناهي من خلال الكمالات الوجودية الأخرى، ولكن بما أنّ هذه الكمالات ليست من جنس روحنا وحقيقتنا، لذا فإنها لا تحقق لنا السعادة والراحة الدائمة.

إذا كانت الأعمال الدنيوية والشؤون الجمادية والنباتية والحيوانية، وحتى العقلية، تفتقر إلى المعامل ماوراء العقلية والخلود، فهي تافهة مثل الصفر. ولكن بوضع رقم أمام الصفر، تصبح الأعمال ذات قيمة. تلعب الأنشطة ماوراء العقلية دور هذا الرقم أمام الصفر.

في هذا الدرس، بعد أن ناقشنا البنية الرياضية والأبعاد الخمسة لوجودنا، تحدثنا عن أهمية تنظيم نظام الحب. تكمن ضرورة وأهمية هندسة نظام الحب في أن نوع قيادة وجود الإنسان يتحدد بناءً على نوع أحبائه. لمعرفة الجانب الذي يتحكم في قيادة وجودنا، يجب علينا جمع قائمة بكمالاتنا وتطلعاتنا وتقسيمها إلى فئات جمادية ونباتية وحيوانية وعقلانية وماوراء عقلانية. كل نوع من الكمال الذي يحفز سعادتنا أو حزننا يحدد قيمتنا أيضًا، لأن قيمة كل شخص تساوي رغباته وتطلعاته ما يعتبره من محبوب رئيسي.

إذا كانت اختياراتنا وعلاقاتنا وأقوالنا وسلوكنا ونظام محبتنا بشكل صحيح ومعياري، فسوف نكون بشرًا متوازنين. إننا نحقق  في الواقع التوازن عندما تكون إدارة ورياسة وحكم الجوانب الأدنى من وجودنا تحت سيطرة الجانب ماوراء العقلي. هذه علامة واضحة لفهم ما إذا كانت اختياراتنا وعلاقاتنا صحيحة أم لا. كلما انخفضت مكانة المحبوبات الثلاثة الرئيسية التي قدمهم الله في نظام المحبة السليم في قلوبنا، وسيطرت كمالات الجوانب الأدنى في وجودنا على جانب ماوراء العقل، فهذا يعني أن الجوانب الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية تتغذى بشكل أكبر. يؤدي سوء التغذية في أي من الجوانب الأدنى إلى إصابة جزء ماوراء العقل بالمرض.

ما هي العلامات والمؤشرات التي تعرفها في سلوك وأفكار وأقوال وأفعال الناس والتي يمكن من خلالها تمييز نوع القيادة المسيطرة على وجودهم؟

[1] . الكافي للكليني، ج 8، ص 23

[2] . سورة الأعراف، الآية 32

[3] . صحيفة الإمام الخميني، ج14، ص 165

اكتب رأيك