ما سبب تفاوت درجة التمتع بالجنة بين الأفراد؟ وما العامل المحدد لجودتها؟

جدول المحتويات
ما مدى التمتّع من الجنة لكلٍّ منّا؟

ما هي درجة التمتع بالجنة لكل واحد منا؟

لا ريب أنّ كثيرٌ منّا يتوق إلى معرفة ما ينتظره في الدار الآخرة. ما الدور الذي نلعبه في صنع جنّتنا أو جحيمنا؟ وما مدى تمتّع كلٍّ منّا من نعيم الجنة؟ هل سنُلقى فجأة في عالمٍ مجهّزٍ سلفًا دون تدخل منّا، أم أنّ الآخرة امتداد طبيعيّ لما كنّا عليه في الدنيا؟

أسئلة تتردّد في ذهن كلّ من يتفكّر في الغيب الذي ينتظرنا خلف ستار العمر تتعلّق بأمرٍ حتميّ قادمٍ لا محالة، وإن لم تحن ساعته بعد. لنا كلّ الحق أن نسعى لفهم مستقبلنا الأبدي، والحياة الخالدة التي في انتظارنا. بل لعلّ هذا الفهم نفسه يبدّل مجرى حياتنا، ويعيد تشكيل أسلوب عيشنا بالكامل، إذ أننا وفقاً لقاعدة النسبة، ندرك أنّ ثمّة صلةً وثيقة بين حياتنا الدنيوية وجودة حياتنا في الآخرة، وما نتمتّع به من نعيم الجنة. غير أنّ السؤال الأهم هو: كيف تفضي حياتنا الراهنة إلى ذلك النعيم؟ وما الدور الذي نلعبه نحن، بالضبط، في هذه الرحلة المصيرية؟

هذا هو المحور الذي سنتناوله في هذا الدرس. لكن قبل أن نخوض فيه، يجدر بنا أولًا أن نتأمل في معنى “القيومية” كصفة من صفات الله، وكيف تتجلى هذه الصفة في ذواتنا، وما الصلة بين ذلك وبين الجنة التي نرجوها.

قَيُّوميَّة الله تعالى أساس قوام الكون

من بين الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى، تبرز صفة القَيُّوميَّة، وهي تعني أن الله ليس قائمًا بذاته فحسب، بل إن جميع الموجودات في هذا الكون، سواء في وجودها أو في استمرار بقائها، تعتمد في ذلك على الله عز وجل. فالله، جل شأنه، لا يحتاج في أصل وجوده إلى غيره، في حين أن كل ما في الكون مفتقر إليه في وجوده، وما هو إلا مظهر من مظاهر قدرته وعلامة من علامات وجوده. ونحن، بصفتنا بشرًا، لا نستثنى من هذه القاعدة؛ ففي جميع أحوالنا وشؤوننا وأبعاد وجودنا، نحن معتمدون على الله وقائمون به.

كما أسلفنا القول، فإن الهدف من الخلق هو التشبّه بصفات الخالق قدر الإمكان، وإظهار ما أودعه الله فينا من أسماء وصفات كامنة. ومن هذا المنطلق، نجد أن الله يخاطب الإنسان الذي هداه إلى الجنة الخالدة بـ “الحي القيوم”. وهكذا، فالإنسان الذي قضى عمره في دنيا لا تستقل فيها ذرة واحدة ولا جرم واحد عن الوجود الإلهي، بل هي مرتبطة به ارتباطًا وثيقًا، يخطو قدمه إلى عالم آخر تكون فيه الظروف والمواقع والإمكانات معتمدة، إضافة إلى وجود الله المطلق، على ذات الإنسان وروحه. ففي الحقيقة، إن الروح التي صقلناها خلال فترة حياتنا الدنيا المحدودة، هي التي ستجني في الآخرة ثمار ما زرعناه في مزرعة الدنيا، وهي التي سترسم معالم جودة حياتنا الأبدية في العالم الآخر. فكما زرعت، تجني؛ وكما شكّلت ذاتك، تكون دارك.

تأمّل مشهدًا مألوفًا: مدرستك أو جامعتك. استحضِرها في ذهنك، ستجد أنّ صورتها تتشكّل بتفاصيلها من فناء، وصفوف، ومقاعد… كلّ ذلك لا يظهر إلا بتركيزك عليه، وإن صرفت ذهنك إلى صورة أخرى، تلاشت الأولى، لا لأنّها فُنيت، بل لأنّها غابت عن ذهنك، لكنها تعود مجددًا وتتشكّل ثانية بمجرد ما شئت.

هذه الصورة لها هذه الصفات:

حيّة، لأنّك قادر على إحيائها كلّما أردت.

مرهونة بإرادتك؛ إن لم ترد، لا يكون لها وجود.

خاضعة لسيطرتك؛ يمكنك تعديلها أو حذفها أو استبدالها متى شئت.

هذه الصورة، رغم بساطتها، تمثّل حقيـقةً كبرى، وهي أن وجود الإنسان بالنسبة إلى الله كذلك أيضاً:

• يتلقّى الإنسان “فيض الوجود” من الله في كلّ لحظة.

• كيانه متعلّق بالله، وقائم به.

• هذا التعلّق دائم مستمر، كما تتعلّق الصورة الذهنية بأذهاننا.

فنحن لا نملك من ذواتنا شيئًا. كلّ ما لدينا إنما هو مرتهن بإرادة الله ومشيئته، ومتى ما شاء الله يرفع عنا فيضه وعدنا إلى العدم، وعاد وجودنا إلى أصله الأزلي: الله. في ما يلي، سنتابع الكشف عن العلاقة العميقة بين هذا المثال ومعنى الآخرة، وكيف يتشكّل التمتع بالجنة على ضوء هذا الفهم.

جنة نبنيها بأيدينا

في الواقع، إن جودة ما سنواجهه في الآخرة يعتمد أيضًا على أرواحنا؛ بمعنى أن الجنة التي سنبنيها في الآخرة، وكذلك -لا قدر الله- الجحيم الذي سنواجهه، ينبعان من ذواتنا وأرواحنا، وهما قائمان بنا. فنحن في هذه الدنيا، ومن هنا بالذات، نعمل على بناء جنتنا أو جحيمنا، وبذلك نرسم جودة حياتنا الأبدية بأيدينا. إن جودة وامتداد نعيم الجنة، التي قال الله إن عرضها السماوات والأرض، تعتمد علينا نحن. إنّا من يضفي الوجود والثبات لأجزاءها المختلفة. فكل ما فيها من مدن وبلدان وقصور وخدم وحرّاس، بل وحتى الشلالات والأشجار والثمار الموجودة في جنتنا، ما هي إلا من شؤون أنفسنا وتجلياتها.

إذًا، نحن نبني جنتنا بقدر سعة أرواحنا؛ بمعنى أن كل واحد منا، بصفته إنسانًا وخليفة لله في الأرض، قد وُهب جنة عرضها السماوات والأرض، وجودة ملء هذه الجنة وتهيئتها تعتمد علينا وعلى ما نملكه من قدرات روحية. والأمر أشبه بمن يمنح منزلًا فخمًا مترامي الأطراف، ثم يُطلب منه أن يتولى مهمة تجهيزه وتأثيثه بما يراه مناسبًا. فمن الطبيعي أن الشخص الذي يملك من الإمكانات والموارد ما يكفي لتجهيز كل ركن من أركان المنزل، سيكون قادرًا على إبداع منزل أكثر جمالًا وأبهة، وبالتالي سيحظى بمستوى أعلى من الراحة والرفاهية. وفي المقابل، فإن الشخص الذي لم يستعد لمثل هذا الموقف، فإنه -على الرغم من امتلاكه منزلًا واسعًا- سيظل يعيش في حسرة وعذاب؛ لأنه بدلًا من أن ينعم بقصر فخم، لن يجد في نفسه القدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

التمتع بالنعيم يتناسب مع ما نملك من زاد

كما أن الجنين يولد في عالم كان موجودًا من قبل، ويستفيد من إمكانات هذا العالم بقدر ما يحمل معه من أعضاء وحواس، أو يشعر بالحسرة لعدم القدرة على الاستمتاع بأبسط الأشياء، بل وقد يعاني من الألم والعذاب، كلما كان يعاني من نقص أو عجز؛ فإننا كذلك، عندما ننتقل إلى الدار الآخرة، سنجد أمامنا جنة كانت موجودة من قبل ولكن جودة حياتنا، بل وحتى وجودنا في هذه الجنة، يعتمد على مقدار ما اكتسبناه في الدنيا من أدوات وأعمال صالحة، وما حملناه معنا في قلوبنا من أسماء وصفات حسنة.

في الحقيقة، نحن نتشبّه بالله بقدر ما اكتسبنا من هذه الأسماء والصفات، ونملك القدرة على التسلط في جنتنا، ونستطيع أن نستمتع بحياة وملكوت في درجات مختلفة من الجنة. لذا، فإن نعيم الجنة مرتبط بمدى ما أخذناه من الدنيا من أدوات، وبالمقابل، نصاب بالحرمان وربما بالعذاب في حال عدم توفر الأدوات اللازمة والأسماء والصفات الإلهية، أي بمدى عدم توافقنا وتلاؤمنا مع أدنى متطلبات الجنة.

وبالتالي يمكننا القول إن مدى التمتع بنعيم الجنة وفهم نوع جنة تنتظرنا، أو جحيم قد صنعناه لأنفسنا، إنما يتوقّف كلّ ذلك على مقدار ما نملكه في الآخرة من رصيدٍ وجودي، وعلى الأسماء والصفات التي اكتسبناها خلال حياتنا في الدنيا.

اكتب رأيك