هل يمكن قياس العلاقة بين الميزان والغفلة من خلال الانشغالات اليومية؟
الحياة اليومية مفعمةٌ بهموم وانشغالات قد تُبعد الإنسان أحيانًا عن أسمى هدف خُلق من أجله. فالأسرة، والمال، والعمل، والدراسة، والرفاه الاجتماعي، لكلٍّ منها مكانة مشروعة وقيمة معتبرة، بل يمكن أن تكون وسائل للتقرّب إلى الله تعالى. غير أنّ هذه الأمور إذا خرجت عن حدّ الاعتدال والمسار الإلهي، فإنها تُبعد الإنسان تدريجيًا عن الحقيقة، وتضعه على درب الغفلة.
يُبيّن القرآن الكريم في الآية الرابعة والعشرين من سورة التوبة بوضوح أنّه إذا غلب حبّ الأقارب والتعلّق بالممتلكات على محبّة الله وأهل البيت (عليهم السلام) والجهاد في سبيله، فلن تكون النتيجة إلا الخسران والسقوط. وتدلّ هذه الآية على أنّ الله تعالى قد وضع ميزانًا لقياس الحياة، وفي مقابل ذلك حذّر من الغفلة بوصفها التهديد الأساسي وعليه فإنّ الميزان والغفلة يمثّلان قطبين متقابلين: أحدهما معيار اليقظة والوعي، والآخر ظلٌّ يحرم الإنسان من رؤية الحقيقة.
إنّ «الميزان» ليس مجرّد معيار ليوم القيامة والحساب النهائي فحسب، بل ينبغي أن يكون أيضًا مقياسًا لتقويم الاختيارات، العلاقات، السلوكيات، الأفكار، والأولويات في الدنيا. فإذا قُوِّمت البنية الوجودية للإنسان وأسلوب حياته على أساس هذا الميزان وضُبطت وفقه، كانت النتيجة نموًّا ووعيًا ويقظة؛ أمّا إذا أُهمل هذا المعيار ولم تُعرَّف شؤون الحياة في ضوء الميزان الإلهي، فإنّ الغفلة تتغلّب تدريجيًا على عقل الإنسان وروحه، وتُبعده عن الطريق والهدف الأصلي لخلقه.
الغفلة ليست دائمًا واضحة أو مفاجئة، بل هي سلوك خفيّ يتسلّل تدريجيًا، وقد يظهر متستّرًا في ثوب الأنشطة العادية. فقد ينشغل الإنسان بالعمل أو الدراسة أو حتى بخدمة المجتمع، لكنه ما دام لم يُدخل الميزان الإلهي في نيّاته واختياراته، يقع في غفلة لا يشعر بها ولا ينتبه لوجودها.
من هنا، يصبح فهم العلاقة بين الميزان والغفلة ضرورة عملية في نمط حياة كل إنسان متفكّر. على كل واحدٍ منا أن يراجع نفسه يوميًا، ويسأل: «هل عملت اليوم وفق الميزان الإلهي، أم وقعت في الغفلة؟». إن طرح مثل هذه الأسئلة الصغيرة هو تدريب على اليقظة في مواجهة غفلات كبرى، وخطوة واعية للعودة إلى الطريق الصحيح.
|
الميزان والغفلة في منظور القرآن
يبدو مفهوما «الميزان» و«الغفلة» متباعدين في الظاهر، غير أنّهما في الحقيقة مترابطان؛ إذ حيثما يُنسى الميزان الإلهي تحلّ الغفلة محلّه. فالميزان في القرآن يعني المعيار والميزان الذي تُقاس به نيّات الإنسان واختياراته وسلوكياته. وهذا الميزان ليس مجرّد مفهوم ديني أو فلسفي مجرّد، بل هو أداة لتمييز الحقيقة في الحياة اليومية.
وقد تحدّث القرآن الكريم في آيات عديدة عن الميزان، ومن أوضح مصاديقه التطبيقية في الحياة اليومية الآية الرابعة والعشرون من سورة التوبة.[1] يُعدِّد الله تعالى في هذه الآية ثمانية محاور أساسية في حياة الإنسان: الأسرة، والأبناء، والإخوة، والأزواج، والأقارب، والأموال، والتجارة، والمساكن. والاهتمام بجميع هذه الأمور في موضعه الصحيح أمرٌ ذو قيمة وأهمية. غير أنّه إذا فاقت محبّتها محبّة الله وأهل البيت (عليهم السلام) والجهاد في سبيل الحق، فإنّ الإنسان يبتعد عن الميزان، ويقع في شَرَك الغفلة.
يُبيّن هذا الطرح أنّ الغفلة لا تنحصر دائمًا في معصية ظاهرة، بل قد تتجلّى في صورة أمور تبدو محمودة ومقبولة. فمحبّة الأسرة أو السعي الاقتصادي، إذا لم يكونا منضبطين بالميزان الإلهي، يتحوّلان إلى غفلة خفيّة قد لا يشعر بها الإنسان نفسه. ومن ثمّ فإنّ المعيار الحقيقي للغفلة ليس نوع النشاط أو التعلّق بحدّ ذاته، بل هو ميزان ترتيب الأولويات لدى الإنسان؛ أي: ما الذي يحتلّ في قلوبنا مكانةً أحبّ وأقدّم من الله تعالى؟ إنّ الالتفات إلى مثل هذه القضايا يُخرج العلاقة بين الميزان والغفلة من الإطار النظري، ويُدخلها في صميم الحياة والوقائع اليومية.
لِقياس هذه العلاقة في واقع الحياة المعاصرة، يكفي أن نتأمّل في أولوياتنا اليومية: ما الذي يستحوذ على أكبر قدر من طاقتنا ووقتنا وهمومنا؟ هل يأتي رضا الله تعالى، وذكر أهل البيت (عليهم السلام)، وخدمة وليّ الله في الصدارة، أم أنّ الترقي الوظيفي، والرفاه المادي، والمكانة الاجتماعية هي التي تشكّل أهمّ مشاغلنا؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف بوضوح عمّا إذا كنّا نقف على ميزان الهداية أم نغرق في الغفلة.
كما لا تقتصر الغفلة على كونها جذرًا للانحرافات الفردية فحسب، بل تمتدّ آثارها إلى المجال الاجتماعي أيضًا. فقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) في توصيف مؤلم عن صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بقوله: «صاحب هذا الأمر طريدٌ شريدٌ وحيدٌ فريد.»[2] يُبيّن هذا الكلام أنّ الغفلة الجماعية عن الميزان الإلهي عبر التاريخ أدّت إلى غربة وعزل وليّ الله ووحدته؛ فلو أنّ المسلمين جعلوا المحبّة الحقيقية لله تعالى، ولرسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم، والجهاد في سبيل الحق معيارًا لحياتهم، لما بقي حجّة الله اليوم في هذه الحالة من الغربة والعزل.
الغفلة في الواقع العملي وسبل العودة إلى الميزان الإلهي
إنّ معرفة الميزان تُمثّل الخطوة الأولى وبداية الطريق، غير أنّ جوهر القضية يتّضح حين يُترجَم هذا الإدراك إلى عملٍ واقعي يقرّب الإنسان من اليقظة ويُبعده عن الغفلة. فالعلاقة بين الميزان والغفلة علاقة عكسية؛ إذ كلّما خفّ الاهتمام بالميزان الإلهي، تسلّلت الغفلة بهدوءٍ ودون ضجيج إلى حياة الإنسان.
تبدأ الغفلة عادةً بعلامات صغيرة؛ كالتسرّع في أداء الأعمال من دون نيّة إلهية، والانغماس في وسائل الترفيه الافتراضية، وتقديم الرفاه الشخصي على المسؤولية الاجتماعية، أو حتى تأجيل العبادة بذريعة الانشغالات اليومية. وإذا استمرّت هذه المؤشرات، ابتعد الإنسان تدريجيًا عن الميزان ووقع في شِراك الغفلة.
يمكن دراسة آثار الغفلة على مستويين: الفردي والاجتماعي. فعلى المستوى الفردي، تحرم الغفلة الإنسان من النموّ الروحي، وتحوّله إلى كائنٍ استهلاكيّ سلبيّ. أمّا على المستوى الاجتماعي، فتؤدّي الغفلة إلى اللامبالاة تجاه العدالة، وإلى الوهن في نصرة الحق. ويشهد التاريخ أنّ تقصير الأمّة الإسلامية في الالتزام بالميزان الإلهي كانت نتيجته غربةَ ووحدةَ وليّ الله؛ كما وقع ذلك مع المعصومين الثلاثة عشر السابقين، وهو يتكرّر اليوم مع المعصوم الرابع عشر، الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). إنّ الإعراض عن الميزان يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالغفلة الجماعية، ولهذا الأمر أثرٌ بالغ في جودة حياة الإنسان وأسلوب عيشه.
ولكن كيف يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة؟ أوّل الحلول هو المحاسبة اليوميّة للنفس على ضوء الميزان. يكفي أن نسأل أنفسنا كلّ ليلة: هل كانت محبّة الله وأهل البيت (عليهم السلام) اليوم في صدارة أولويّاتي، أم أنّ الانشغالات والهموم الدنيويّة استحوذت عليّ؟ هذا السؤال البسيط، إذا تحوّل إلى عادة، كفيلٌ بتصحيح كثير من الزلّات، وبحسم الصراع بين الميزان والغفلة لصالح اليقظة.
الحلّ الثاني هو التدبّر في الآيات والروايات المتعلّقة بالميزان والغفلة والتي تكشف حقيقة الغفلة، وترسم مصير الغافلين، أو توضّح معايير الوعي والهداية. وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) الغفلة بأنّها أضرّ الأعداء،[3] محذّرًا بقوله: «إِيَّاكَ وَ اَلْغَفْلَةَ وَ اَلاِغْتِرَارَ بِالْمُهْلَةِ فَإِنَّ اَلْغَفْلَةَ تُفْسِدُ اَلْأَعْمَالَ وَ اَلْآجَالَ تَقْطَعُ اَلْآمَالَ».[4]
أمّا الحلّ الثالث، فهو دوام ذكر الإمام الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بوصفه ميزان اليقظة. فمن يجعل لنفسه كلّ يوم نصيبًا – ولو يسيرًا – من الدعاء، والمعرفة، والنصرة العمليّة للإمام، يكون أقلّ عرضة للغفلة. ولا ينبغي لهذا الذكر أن يقتصر على الدعاء فحسب، بل لا بدّ أن يتجلّى في مختلف أبعاد أسلوب الحياة. وفي النهاية، فإنّ الرجوع إلى الميزان الإلهي يعني إعادة ضبط نمط العيش ونظام الحب على أساس ثلاثة معشوقين أساسيّين: الله، وأهل البيت (عليهم السلام)، والجهاد في سبيل الحق.
وكلّما كانت صلتنا بالميزان أوضح وأقوى، تضاءلت مساحة الغفلة في حياتنا. إنّ اكتشاف العلاقة بين الميزان والغفلة هو الذي يحدّد في نهاية المطاف: هل يسير أسلوب حياتنا في درب اليقظة، أم يقع في شِراك الغفلة؟
إنّ دراسة الارتباط بين الميزان والغفلة تكشف أنّ الإعراض عن المعايير الإلهيّة هو منبع كثير من الأزمات الفرديّة والاجتماعيّة. ولا يمكن تقليص الغفلة وتهيئة الأرضيّة لقيام الدولة الإنسانيّة الكريمة، إلّا من خلال تنظيم أسلوب الحياة على محور الميزان الإلهي.
هل مررتم بتجربة غفلة في حياتكم لم تدركوا آثارها إلّا لاحقًا؟ برأيكم، لو قمنا كلّ ليلة بمحاسبة أنفسنا على ضوء الميزان الإلهي، ما أول سلوكٍ سنكتشف أنه بحاجة إلى تصحيح؟ أيُّ أفعالنا اليومية ستصمد أمام الميزان الإلهي، وأيُّها سيسقط في اختبار الغفلة؟
في عالم اليوم، حيث تتكاثر المشاغل ووسائل الترفيه، ما هي أنجح الطرق للبقاء يقظين في مواجهة الغفلة؟
كيف يمكن للارتباط الدائم بالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أن يؤدّي دور الميزان العملي في أسلوب حياة الإنسان؟
شاركونا آراءكم وتأمّلاتكم.
[1] قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ؛ سورة التوبه، الآیة 24
[2] . ابن بابویه، محمد بن علی، کمال الدین و تمام النعمه، قم، دار الحديث، منظمة الطبع والنشر، ج ۱، ص ۵۶۳
[3] الغَفلَةُ أضَرُّ الأعداءِ؛ غررالحکم و دررالکلم، ج ۲، ص ۲۵۳
[4] إِيَّاكَ وَ اَلْغَفْلَةَ وَ اَلاِغْتِرَارَ بِالْمُهْلَةِ فَإِنَّ اَلْغَفْلَةَ تُفْسِدُ اَلْأَعْمَالَ وَ اَلْآجَالَ تَقْطَعُ اَلْآمَالَ؛ نفس المصدر، ج ۲، ص ۲۵۴