فهم ظاهرة الغفلة في ترتيب الأولويات: أسبابها ومعايير تشخيصها

جدول المحتويات
الغفلة في ترتيب الأولويات؛ ما هي أسبابها ومعايير تشخيصها؟

الغفلة في ترتيب الأولويات؛ تأثير الغفلة في ترتيب نظام الحب

لابد وأن هناك عوامل مختلفة يمكنها أن تؤثر في تغيير مسار حياتنا، ولكن العامل الأكثر نفوذا هو ذلك الذي يفعل ذلك بهدوء و على حين غفلة منا. اجل، ما الذي يكون أكثر تأثيرا من الغفلة نفسها؟ الغفلة عن النفس و عن ترتيب الأولويات. من أين تأتي الغفلة وكيف تؤثر على حياتنا؟ كيف يمكنها أن تؤدي إلى سقوطنا، وكيف يمكننا معرفة أننا أُصبنا بالغفلة؟

يمكن تعريف الغفلة على أنها أي شيء يحول دون تحقيق هدفنا الرئيسي، وبما أن هدفنا الأهم كبشر هو الوصول إلى الكمال المطلق والتشبه بالله، فيمكننا القول أن الغفلة هي أي شيء يجذبنا و يبعد انتباهنا عن الله. هذه الانجذابات يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية، أي أننا في بعض الأحيان قد تشغلنا كمالات إيجابية، مثل السعي للحصول على المعرفة والمراتب العلمية، أو أننا نكون مشغولين بخدمة الآخرين لدرجة أننا ننسى لماذا جئنا إلى الدنيا. وفي بعض الأحيان، ننجذب للأمور الدنيوية التي تشغلنا إلى درجة أننا نغفل عن العناية بذاتنا الحقيقية.

تأثير الغفلة في ترتيب الأولويات

كما شرحنا سابقا فإن إطار أولوياتنا ونظامنا الحبي واضح تماماً كما أن مسار طريقنا وبرنامجه محدد أيضا ولا سبيل إلا اتباع هذا المسار لتحقيق هدف خلقنا، ولكن يعود جزءٌ من غفلتنا إلى علاقتنا وعاداتنا مع الحياة الدنيا. هل لاحظتم يوماً أننا عندما نحاول فعل شيء خارج نطاق عاداتنا، يجب علينا أن نذكر أنفسنا به بانتظام؟ الأمر مشابه لذاتنا الحقيقية، إننا ننسى البُعد اللانهائي لوجودنا بسهولة بسبب ارتباطنا وعاداتنا بالدنيا. ننسى أن هناك جانب من جوانب وجودنا يجب أن يُنقَل إلى الآخرة، ولذلك فإننا نغفل عن ترتيب أولوياتنا بناء على ذلك ونستثمر في الأبعاد الجمادية والنباتية وغيرها بلا تفكير في بعدنا الروحي وماوراء العقلي.

لا يوجد أحد يحب أن يرى نفسه ضحية لخِدَع الآخرين، ولكن الغفلة قد تقودنا إلى هذا الوضع وتحرمنا من التركيز على ذاتنا الحقيقية واحتياجاتها و تقوم بجذب انتباهنا إلى ذواتنا الأخرى. قد تودي بنا هذه العملية نحو الضياع تدريجيًا، وينحرف نظام محبتنا عن التوازن والمسار المُستقيم بسبب الغفلة عن ترتيب الأولويات، مما يؤدي في النهاية إلى تضاءل ذاتنا الحقيقية والغوص في غياهب الكمالات الدنيوية بدلًا من السعي نحو الكمال. قد نبدو ناجحين في نظر الآخرين وقد يُثنى علينا وعلى مكانتنا، لكننا في الواقع نبتعد عن غايتنا الحقيقية، وفي اللحظة التي نظن فيها أن كل شيء يسير على ما يُرام، ندرك فجأة أننا ضللنا المسار. تماما مثل ذلك السائق الذي ينشغل بجمال المناظر الطبيعية للحظات، فاقداً تركيزه عن الطريق مما يؤدي إلى انحرافه عن الطريق الصحيح. وحينما يظن أنه على وشك الوصول للهدف، يجد نفسه متباعدًا عنه بأميال.

الغفلة تعادل الفقدان

في رحلة تسلق الجبال أو في القيام بوظيفة حساسة، يتضح لنا بوضوح أن أساس تحقيق الهدف يكمن في تجنب الغفلة، لأن الغفلة في هذه النشاطات تعادل الضياع، وقد تكون سبباً في سقوط كارثي. فلننظر على سبيل المثال على ما قد تؤديه لحظة غفلة أثناء عملية جراحية، بلا شك أنها قد تكون سبباً في وفاة المريض، وبالمثل فإن لحظة غفلة أثناء القيادة في الشارع قد تكون سبباً في فقدان حياة العديد من الناس. هذا المبدأ لا يقتصر على الجانب المادي من حياتنا بل يمتد أيضاً إلى جانبنا الإنساني. بعبارة أخرى لا يقتصر الأمر فقط على تثبيت حالة من التوازن الإنساني عبر تقديم الجانب ماوراء العقلي في حياتنا بل ينبغي لنا أيضاً الحفاظ على هذا التوازن وتجنب الانزلاق في الغفلة عند ترتيب نظام الحب، لكي نحمي جانبنا الإنساني من السقوط المحتمل. إن الغفلة عن ترتيب أولويات الحب يمكن أن تفضي إلى فقدان الإنسانية أو التخلي عن حالتنا الطبيعية، حالة تُعرف بمصطلح الفسق. إذن يمكن للغفلة أن تجعلنا ببساطة ننزلق ونتحول إلى شخص فاسق أو غير طبيعي.

تختلف درجة الخسائر الناتجة عن الغفلة وفقًا للمسائل التي نتعامل معها. الصدمة التي نتلقاها جراء الغفلة في مسائل ثانوية، كعدم مراقبة الطعام أثناء طهيه، ليست متساوية مع الغفلة عن صحتنا. يكون تأثير أحدهما عابرًا ومؤقتًا، بینما یکون تأثير الآخر طويلٌا وشاملٌا. تخيلوا الآن أن هذه الغفلة تتعدى الحدود وتشمل أيضا ترتيب أولوياتنا في الحياة، مما لا يؤثر فقط على سعادتنا وسلامتنا في الدنيا، بل يرتبط أيضًا بمصيرنا الأبدي. إننا في هذه الحالة نتحول إلى أشخاص مضطربين يقضون أيامهم ولياليهم في أوهام النجاح والتمتع بالحياة، بینما هم في الحقیقة و مع استمرارهم في الغفلة، يبتعدون كل البعد عن الغاية التي خلقهم الله من أجلها والتي تناسب كرامتهم الإنسانية.

كيف ندرك أننا وقعنا في الغفلة؟

عندما ندرك أضرار الغفلةِ الخطيرةَ، فإن الخطوة التالية تتمثل في تشخيص الغفلة في ترتيب الأولويات. وكما أشرنا سابقًا، فإن أحد العوامل التي تزيد من تعقيد الغفلة هي أنها لا تحدث ضجة في أنفسنا عندما نُصاب بها. ولكن لحسن الحظ فقد تم توفير معايير ومرايا لنا من قِبَل خالقنا المدبر لتشخيص الغفلة. سنقوم الآن بمراجعة هذه المعايير ونحللها بعناية.

أول مقياس لاكتشاف الغفلة هو دراسة رغباتنا. إذا تضاءل انحيازنا نحو الله، وأهل البيت(ع)، ومحبوبات جانبنا ماوراء العقلي، وكل ما يحمل صبغة إلهية، فهذا يعني أننا وقعنا في حالة من الغفلة. والنقطة المهمة هنا هي أن قلوبنا لا يمكنها البقاء فارغة أبدًا، وإذا تناقصت محبتنا للمحبوب الحقيقي، فسيتم ملأها فورا بمحبوبات من أبعادنا الوجودية الأدنى. بمعنى آخر، عند الغفلة عن ترتيب أولويات المحبة، فإننا نصبح غير متحمسين للأمور التي لها صبغة إلهية وتزداد رغبتنا في محبوبات جوانبنا الوجودية الأدنى.

المعيار الثاني لوجود الغفلة يأتي من خلال استعراض مدى إيماننا. بما أنّ الإيمان هو النقطة المقابلة للغفلة، فإذا كان للمرء إيمان قوي  فهذا يعني أنه ليس في حالة غفلة. ولكن كيف ندرك مدى إيماننا؟ إن مؤشر الإيمان هو “المحبة”. عندما يزداد إيماننا، نحاول أن نصبح أكثر تشبهًا بالله. وبما أن اسم الله “الرحمن” يعتبر من أعظم وأكثر أسماء الله شمولًا، فإن المقياس الذي نتجنب من خلاله الغفلة هو زيادة ظهور الرحمة فينا يوماً بعد يوم. كلما زاد إيماننا أو قلت غفلتنا، زاد تشبّهنا بالله، وازدادت محبتنا واهتمامنا بخلق الله.

إن الاقتراب من الله يرفع في الحقيقة مستوى السكينة والمحبة والسعادة الحقيقية في حياتنا، بينما تؤدي الغفلة في ترتيب الأولويات إلى تضاؤل الجانب ماوراء العقلي يومًا بعد يوم، بالإضافة إلى تقليل محبتنا لله وأهل البيت(ع) والجهاد في سبيل الله. إن الغفلة تؤدي إلى تغيير في ترتيب نظامنا الحبي ولا تسلب منا السکینة فقط، بل و تبعدنا أيضًا عن هدف الخلق وكمالاتنا الإنسانية.

تناولنا في هذا المقال مفهوم الغفلة والمخاطر التي قد نتعرض لها عند الغفلة في ترتيب الأولويات. و أشرنا إلى أن الغفلة تؤدي تدريجيًا إلى البعد عن ذواتنا الحقيقة ومحبوباتنا الحقيقية في جانبنا الإنساني، كما تجعلنا نتعلق بكمالات أبعادنا الوجودية الأدنى. في هذه المرحلة يتعرض نظامنا الحبي للتشتت، وعلى الرغم من أننا قد نظن أن كل شيء على ما يرام، إلا أننا نجد أنفسنا ننزلق بعيدًا عن جانبنا الإنساني. لا تؤثر الغفلة فقط على عالمنا الدنيوي، بل وبما أنّها تجعلنا نبتعد عن هدف وجودنا، فإنها تُعرض آخرتنا أيضاً للزوال. ولكنه يوجد هناك معايير يمكن استخدامها لتحديد الغفلة في ترتيب الأولويات، منها اهتمام الفرد بالميول والاتجاهات المختلفة، وتعيين مدى المحبة والرحمة في أنفسنا. .

استنادًا إلى محتوى هذه المقالة، هل تشعرون بأنفسكم متورطين في الغفلة؟ هل أثرت الغفلة في ترتيب أولوياتكم على تنظيم نظام الحب لديكم؟

اكتب رأيك