أين أُبرم عهدنا مع الله، أو ما يُعرف بعهد “ألستُ”؟
هل سبق لك أن سمعتَ عن عالم الذر؟
هل لديك معرفة بعهد الإنسان مع الله؟ هل عشنا فعلًا في عالم آخر قبل هذه الحياة وأبرمنا فيه عهدًا معه سبحانه؟
ما الأسس التي قام عليها عهدنا مع الله، ولماذا يجب علينا الالتزام به؟ وهل ما زلنا نتذكره ونوفي به؟
ما تأثير عهدنا مع الله على حياتنا في الدنيا والآخرة؟
العهد هو التزام وتعهد بأداء شيء معين أو الامتناع عنه. وفي مسيرة حياتنا، قد نعقد عهودًا ومواثيق شتى مع الآخرين، سواء كانت التزامات دراسية، أو مهنية، أو زوجية. وكما نعلم جميعًا، فإن الوفاء بالعهد من أسمى الآداب وأجلّ الواجبات التي تقع على عاتقنا كبشر. ومع ذلك، قد يتنكر البعض منا للعهود التي قطعها، ويتحمل تبعات هذا النكث وعدم الالتزام. تختلف هذه التبعات باختلاف طبيعة الالتزام؛ ففي بعض الأحيان، يكون ثمن الإخلال بالتعهدات باهظًا. على سبيل المثال، قد يؤدي الإخلال بالواجبات المدرسية أو الجامعية إلى فصل الطالب، وقد يفضي عدم الوفاء بالعهود الزوجية إلى الانفصال والطلاق.
ولكن، إن عهدنا مع الله هو أعظم العهود وأشدها أهمية، فهو عهد يتصل بمبدأ وجودنا ومصيرنا الأخروي. إن تذكر هذا العهد والوفاء به يجلب لنا آثارًا إيجابية في الدنيا والآخرة، بينما يؤدي نسيانه أو الإخلال به إلى عواقب وخيمة. فما هو هذا العهد مع الله؟ ومتى تم إبرامه؟ ولماذا نسيه بعضنا؟ وما هي عواقب عدم الوفاء بهذا العهد؟
في هذا الدرس، سنتناول هذه التساؤلات بالتفصيل ونسعى لتقديم إجابات شافية لها.
عهدنا مع الله أو عهد “ألستُ”
يشير القرآن الكريم في سورة الأعراف[1] إلى عهد بين الإنسان وربه، والذي يُعرف بعهد “ألستُ”: «… وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا…» أي أن الله استشهدهم على أنفسهم بهذا السؤال. وقد تعددت التفاسير حول هذه الآية الكريمة. يرى البعض أننا بشخصياتنا الحقيقية التي نحملها الآن، كنا موجودين في ذلك الزمان، وبهذه الهوية شهدنا في عالم يُعرف بعالم الذرّ على ألوهية الله وربوبيته.
الحقيقة أن الشهادة بألوهية الله وربوبيته لم تكن مجرد اعترافٍ لفظي، بل كانت شهادةً وجودية متجذرة في أعماقنا. فالفطرة التوحيدية التي وُلدنا عليها، والروح التي نبحث من خلالها عن الكمال واللانهاية، كلها تنبع من الله سبحانه وتعالى. عندما نعود إلى أنفسنا ونتأمل في داخلنا، نجد أننا نبحث عن اللانهاية في كل شيء: نريد ثروة لا حد لها، وقوة مطلقة، وجمال أبدي، وعمر سرمدي… إلا أن عالم الدنيا هو عالم محدودية، فمن المستحيل أن يكون هذا السعي نحو اللانهائية قد نشأ منها، بل هو متجذر في طبيعة الروح التي خُلقت من نور الله. ولهذا، سواء وعينا بذلك أم لم نُدركه، فإن كياننا كله يشهد بوجود الله الأزلي، ولا فرق في ذلك بين مؤمنٍ أو كافر.
مع أخذ هذه النقاط في الاعتبار، فإن أسمى عهد نلتزمه تجاه الله تعالى هو أن نحيا وفق فطرتنا السليمة. لقد أودع الله في أرواحنا وفطرتنا صفاته وأسماءه، ووضع على عاتقنا مسؤولية تحقيق هذه الصفات وتجسيدها في حياتنا. ومهمتنا في هذه الدنيا هي العمل على إظهار هذه الصفات الكامنة وتفعيلها، وبذلك نرتقي إلى أرفع منزلة خلقنا الله لأجلها، ألا وهي خلافة الله في الأرض. وإذ تبين لنا هذا العهد الوثيق الذي يربطنا بخالقنا، يثور تساؤل هام: هل يسعنا الوفاء بهذا العهد والميثاق في كل الظروف والأحوال؟
الوفاء بالعهد الإلهي
إن الوفاء بالعهد مع الله يقتضي منا ألا نغفل عن حقيقة أن منبع وجودنا وأصله هو الخالق سبحانه، وأن نسعى في مسيرة حياتنا دائمًا نحو الاتجاه إليه والاقتداء والتشبه بصفاته، حتى نعود إليه بقلب سليم وبتلك الروح النقية التي ولدنا بها. فكلمة “المعاد” تحمل في طياتها معنى الرجوع، وكل بني البشر يمرون بمراحل متماثلة عند القدوم إلى هذه الدنيا، بيد أن سبل العودة تتباين وتفترق بين الناس. أولئك الذين ظلوا مخلصين لعهدهم مع الله، وحافظوا على كرامتهم الإنسانية، سيسيرون في الطريق المؤدي إلى الجنة، أما الذين نكثوا عهدهم مع خالقهم ودنسوا أرواحهم الطاهرة كأثمن أمانة أودعت لديهم، بأنواع الدناءات والأرجاس، فإنهم يسلكون طريق التطهير والتنقية عبر نار جهنم.
لن نتمكن من الوفاء بعهدنا مع الله إلا بامتلاك الوعي والمعرفة بمراحل وجودنا المختلفة؛ أن نعلم من أين جئنا، أين نحن، وإلى أين سنذهب. لا يهم إن كنا أغنياء أو فقراء، أصحاء أو مرضى، مشهورين أو مغمورين… فالمهم هو ألا يغيب عن بالنا، في أي وضع ومكان كنا، مبدأنا ومعادنا، وأن نلتزم بعهدنا وفاءً. إن الهدف الأسمى لنا جميعًا يجب أن يكون القرب من الله واكتساب أسمائه وصفاته الجليلة في سياق حياتنا الفردية وفقًا لقدراتنا وظروفنا. فالله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يتوقع من أحد فوق طاقته وإمكاناته. لذا، فإن كل واحد منا، إذا أدى الواجبات المنوطة به في إطار ظروفه وإمكانياته الشخصية، سيبلغ أقصى درجات الكمال ويحقق أسمى مراتب النمو الإنساني.
ثمار الوفاء بالعهد مع الله
من أبرز آثار الوفاء بالعهد مع الله هو السعادة والطمأنينة الداخلية. هذا العهد يساعدنا أن نُحكِّم ذواتنا الحقيقية أو جانبنا الإنساني على طبيعتنا وجانبنا الحيواني، ونُسخِّرها لتحقيق الهدف الأسمى في حياتنا، وهو الوصول إلى الله واكتساب صفاته. لذلك، عندما نلتزم بهذا العهد، تصبح الدنيا بمثابة ناد رياضي، حيث نمارس فيها تمارين تقربنا من الله، فنخضع لتحديات وصعوبات الحياة كما لو كانت تدريبات تهدف إلى تحسين قوتنا الروحية. لذا، فإن مواجهة تحديات الحياة لا تستجرّ منا قلقًا أو حزنًا أو يأسًا، ولا نستشعر معها شقاءًا أو عجزًا؛ بل نستمد من تلك المواقف عينها نورًا يضيء دروبنا. على سبيل المثال، عندما نصبر أمام المرض أو نحزن على فقدان الأحبة، نكتسب اسم “الصبور” من الله. وعندما نغفر ونُسامح من أساء إلينا، نكتسب اسم “الغفور”. وعندما نستخدم نعم الله بحكمة ونشكره عليها، نكتسب اسم “الشكور”.
وعلاوة على ذلك، فإن استحضار عهدنا مع الله وعدم نسيانه يديم فينا جذوة الحماس والنشاط في مسيرتنا نحو محبوبنا الأزلي، ويحصننا من براثن الكسل والملل؛ لأننا ندرك تمام الإدراك أن كل لحظة في حياتنا، بما فيها من اختيارات وعلاقات وأفكار وسلوكيات، يجب أن تكون موجهة صوب الله، وأن كل فرصة سانحة هي غنيمة لاكتساب الصفات الإلهية، وهذا الشعور بحد ذاته يبعث في الإنسان طاقة جبارة وحماسًا متوقدًا.
لماذا ننسى عهدنا مع الله؟
على الرغم من كل الخيرات والبركات التي يحملها عهدنا مع الله، فلماذا يغفل عنه أو ينساه بعضنا؟ يكمن الجواب في عدم معرفة النفس. إذا لم نعرف أنفسنا بمعناها الحقيقي، ولم نعرف من أين جئنا ولماذا أُوجدنا وإلى أين نحن ذاهبون، فإننا في الحقيقة نكون قد نسينا عهدنا مع الله. ذلك أننا في هذه الحالة نغفل عن ذواتنا الحقيقية، وهي الروح التي نفخها الله فينا. وبالتالي، نصبح مشغولين دائمًا بمحبوبات مادية ونباتية وحيوانية وعقلية، ونغفل عن السير نحو الله واكتساب ما يعيننا في حياتنا الآخرة.
وثمة علة أخرى للنسيان والإغفال عن العهد الذي قطعناه مع الله، ألا وهي هجمات الشيطان المستمرة. فالشيطان يسعى دوماً لتوجيه هجماته الأربع ضدنا، ليعرقل مسيرتنا نحو هدف خلقنا. فإذا لم نتعرف على هذه الهجمات ولم نكن واعين بها، فإننا سنقع لا محالة فريسة لخداعه في مسيرتنا نحو الله، وسنتوقف عن السير. على سبيل المثال، تحت تأثير هجوم الشيطان من الخلف، نغرق في الحزن على أخطاء الماضي وهزائمنا وضغائننا وذنوبنا السابقة. بينما في هجومه من الأمام، نعيش في قلق دائم بشأن المستقبل، مما يؤدي أيضاً إلى غفلتنا عن عهدنا مع الله ويُبعدنا وعن الحياة القائمة على أساس الفطرة السليمة.
في هذا الدرس، تحدثنا عن عهد الإنسان مع الله. وشرحنا أنه من غير الممكن قبول فكرة وجود عالم يسمى “ذر” حيث نكون قد عقدنا العهد مع الله بنفس الخصائص الأرضية التي نعيش بها الآن. بل المقصود من عهدنا مع الله هو أن وجود روحنا التي تتطلع إلى اللانهاية، وهي نفخة من الله، هو ما يجعلنا نرتبط بعهد مع الله. نحن مولعون بفطرتنا باللانهاية، ونسعى دائمًا لتحقيق ما لا نهاية له. من هنا، يمكننا القول إن عهدنا مع الله هو أن حقيقتنا تنبع من الله، وأننا أُوجدنا في هذه الدنيا لنكتسب صفاته ونتشبّه به. الوفاء بهذا العهد يعني أن نكون دائمًا في تذكر لمصدرنا وهدفنا، أي الله، وأن نسعى في حياتنا لكسب قلب سليم يشبه الله في صفاته. نتيجة لذلك، سنحظى بحياة آخرة طيبة، وسنصل إلى سعادة أبدية. إن الشعور بالسعادة، والهدوء الداخلي، والنشاط الدائم، والابتعاد عن الكسل هي من أبرز العلامات التي تميز الشخص الذي يظل وفياً لهذا العهد الإلهي.
[1]. «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ» (سورة الأعراف، الآية 172)