ما هو التفكير الإيجابي البنّاء وما هي آثاره؟

جدول المحتويات
ما هي أهم خصائص التفكير الإيجابي والبنّاء؟

ما هي أهم خصائص التفكير الإيجابي والبنّاء؟

“ساعة تفکر خير من عبادة سبعين سنة”[1] هذه المقولة الشهيرة تتردد على ألسنة الناس عندما يتحدثون عن قيمة التفكير. إننا غالبًا ما نؤيدها ونرددها، ولكن كم مرة توقفنا لنتأمل في صفات التفكير الإيجابي البنّاء، وما هي المواضيع التي تستحق عناء التفكير فيها؟ إننا نعلم جميعًا أن أغلب الأفكار التي تدور في أذهاننا طوال اليوم هي أفكار سطحيّة لا قيمة لها، ولا يمكن أن تكون هي المقصودة من هذه المقولة العظيمة.

التفكير يشبه إلى حد كبير طهي الطعام. فإعداد طبق شهي يتطلب ثلاثة شروط أساسية: توافر المكونات، ونقائها، ومهارة الطاهي. فإذا غابت المكونات، فلن يحصل الطهي بالتأكيد. وإذا توفرت المكونات وهي فاسدة، فإن الطعام الذي سيُنتج سيؤدي إلى المرض بدلاً من الصحة. والأمر الأهم هو مهارة الطاهي، الذي يجب عليه أن يعرف كيف يجمع المكونات ليتوصل إلى النتيجة المرجوة.

الخطوة الأولى للتفكير هي اختيار موضوع جيد، لكن هذا وحده لا يكفي. أتذكرون عندما كنا في المدرسة، كانوا يعطوننا مواضيع للإنشاء؟ المشكلة الأساسية كانت في كيفية تطوير هذه المواضيع، كنا نجلس حائرين أمام صفحة بيضاء. وفي النهاية، كنا نجمع كل ما يتبادر إلى أذهاننا ونكتبه، مهما كان متناقضاً!

لكي نتقن فن التفكير، لا بد لنا – إلى جانب اختيار المواضيع المفيدة – أن نتعلم منهج التفکیر. أي أن ندرك كيف ننظر إلى كل موضوع لكي يؤدي إلى نمو جانبنا الإنساني وتطوير الذات؛ فكل موضوع، مهما كان سليماً ومفيداً، يمكن النظر إليه من زوايا متعددة، ولكن جميع هذه الزوايا ليست بناءة. فكما تعلمنا في درس النور والظلام، فإن كل شيء في هذا العالم يحمل في طياته النور والظلام، الإيجابية والسلبية. والتفكير لا يخرج عن هذه القاعدة أيضا.

نتعرف فيما يلي على أهم صفات التفكير الإيجابي البنّاء، وكيف نميزه عن التفكير السلبي الهدّام من خلال معايير محددة.

ما هي سمات الفكرة الإيجابية البناءة

يُعرّف التفكًر علميًا بأنه محاولة لحل المشاكل واكتشاف المجهولات. هذا تعريف عام وشامل لماهية الفكر، ولكن التفكر الذي يراه الإسلام ذا قيمة عالية والذي يُعدّ أفضل من عبادة سنوات، والذي أوصى الله به في القرآن مرارًا وتكرارًا، يتجاوز هذا المعنى. فمن وجهة نظر الإسلام، لا يستحق كل شيء أن نخصص له وقتًا للتفكير. فحياتنا محدودة، والتفكير في الأمور التافهة يمنعنا من الاهتمام بشؤوننا المصيرية والحياتية. علاوة على ذلك، فإن الفكر غذاء للقلب، وإذا لم يكن طاهرًا وسليمًا، فإنه يمرض القلب.

كلما ازداد فكرنا في شيء، زرعناه في أنفسنا وتحولنا إليه في النهاية. في الواقع، تستقطب أفكارنا قلوبنا وأنفسنا، وتظهر في يوم القيامة ككبسولة مضغوطة تفتح وتكشف عما بداخلها. لذلك فمن المهم أن نفكر فيما هو صالح، وأن ننتبه إلى نتائج أفكارنا وأفعالنا. قد تقدم بنا فكِرة إيجابية وبناءة واحدة ملايين السنين في الحياة الآخرة، بينما قد تؤدي بنا فكرة مريضة وضعيفة إلى إتلاف عبادتنا وجهودنا. تكمن قيمة الإنسان في نوع أفكاره وأمانيه، وسوف يحاسب يوم القيامة على نيّاته وليس أفعاله[2]، إذ أن النّية تتشكل أساسًا من الفكر.

بصورة عامة، إن أردنا أن نُلخص أهم سمة للتفكير الإيجابي البناء، فهي أنه، كما يوحي اسمه، تفكيرٌ يتمتع بقدرة على البناء والإعمار. أي أنه قادر على أن يصنع منا “إنسانًا” حقيقيًا، وليس مجرد جماد أو نبات أو حيوان، ولا حتى ملاك. إنه تفكيرٌ بناء ومفيد يمَكِّننا من معرفة أنفسنا، ويحررنا من النظرات الضيقة المادية أحادية البعد تجاه أنفسنا والكون. وفي النهاية، يمنحنا هذا التفكير السعادة والسلام في الدنيا، ویوصلنا إلى السعادة والنجاح في الآخرة.

بغض النظر عن أي إطار فكري، مهما بدا حديثًا أو عقلانيًا، فإنه لا قيمة له إذا لم يتماشى مع حقيقة الإنسان. فالمقياس الحقيقي لصحة الفكرة لا يكمن في حداثتها، بل في انسجامها مع طبيعة الإنسان وجوهره الوجودي. أي فكرة تثير الشعور باليأس والفراغ، أو تدفع الإنسان إلى أن يسعى وراء شهواته وغرائزه فقط هي فكرة غير صحيحة، مهما كان اسمها براقًا أو عصريًا. من أمثلة ذلك: الإنسانوية، العدمية، الماركسية، وغيرها.

أهم نتائج التفكير الإيجابي البناء

إذا كان التفكير منضبطًا ومبنيًا على أسس إنسانية سليمة، فإن له آثارًا وإيجابيات عديدة. ومن أبرز هذه الآثار:

  • التفكير هو المحرك الأساسي للقلب، ويقربنا من الله ويحقق هدف خلقنا أكثر من العبادة ذاتها.
  • الفكر السليم يقودنا إلى إدراك وجود الله في كل جانب من جوانب الحياة، ويجعلنا نتحرر من الخوف ونتجنب اليأس حتى في أصعب الظروف..
  • التفكير يدفع بنا نحو الهداية والتطور، ويمنعنا من ارتكاب أفعال تعرض حياتنا الأبدية والأخروية للخطر.
  • التفكير يقضي على جذور الشك والريب ويحل محلها اليقين. فمن لا يتفكر ولا يتأمل، يظل قلبه مليئًا بالشكوك والشبهات، حتى ولو تعبّد طيلة حياته، فإنه سينهار في النهاية ويكشف عن باطنه.
  • التفكير المستمر والمنظم يؤدي إلى الفتوحات القلبية. فالعاقل يصل إلى باطن الكون ويفهم أمورًا لا يستطيع عامة الناس فهمها.
  • التفكر في فلسفة الخلق وهدفه، يؤدي إلى معرفة النفس، والتي تؤدي بدورها إلى الود والتفاعل مع ظواهر الكون. فمن عرف نفسه أحب كل شيء وكان في سلام مع كل أجزاء الكون.

هل هناك آثار مهمة أخرى برأيكم؟ نرجو المشاركة بها.

[1] .  رسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فِكرَةُ ساعَةٍ خَيرٌ مِن عِبادَةِ سَنة . بحار الأنوار : 71/326/20.

[2] . الإمامُ الصّادقُ عليه السلام : إنّ اللّه َ يَحشُرُ النّاسَ على نِيّاتِهِم يَومَ القِيامَةِ .المحاسن : 1 / 409 / 929.

اكتب رأيك