القوانين الحاكمة على الأمنيات؛ القانون الثالث: قدرات الإنسان في الوصول إلى الأمنيات
تحدثنا عن قانونین عالمیین للأمنيات في مقالتي “کیف نتمنی أمنية | القانون الأول في الأمنيات، الأمنيات الحقيقية” و “الأماني المحبوبة؛ تعریف القانون الثاني في الأمنيات” وقلنا إنّ طلب الشيء دلیل علی وجوده أو إمکان وجوده وأشرنا إلی أن هناك توافق بیننا وبین أمنياتنا، بمعنی أننا إذا طلبنا شیئا فإنّ وجودنا متوافق معه. سوف نتحدث عن القانون الثالث للأمنيات في هذا المقال.
عندما کنا صغارا، کان الکبار لایسمحون لنا بأكل الوجبات السریعة والمکسرات قبل الوجبات الرئیسة. و الآن و قد أصبحنا كبارا، نعرف أن هناك دليلا مقنعا لكى لا نسمح ذلك لأطفالنا وهو أن معدة الأطفال ذات سعة معینة ومحدودة للطعام وإذا أكل الأطفال شیئا قبل الوجبة الرئيسية فسوف تمتلئ معدتهم بسهولة، فلذا نرجح أن يأكلوا الأطعمة المفیدة التي یحتاج إلیها الجسم.
وقد جربت أنت عدة مرات أنك على رغم من كون طعامك المفضل جاهزا أمامك لكنك لاترغب في أکل ذلك لأنك شبعان. إذن أحد شروط الطلب هو سعة الاستجابة، فإن ما نطلبه نستطيع قبوله،
إذا طلبنا شيئًا ما، فهذا يعني من جهة أننا يمكننا قبوله، و من جهة أخرى أننا نطلب منه مقدار سعتنا، تماما كالمزهریة التي تحفظ الماء داخلها قدرَ احتیاجها واستطاعتها وترفض الماء الإضافي. إذن یمکن أن نختصر القول في القانون الثالث للأمنيات أنه: «نحن نطلب الأمور التي لدينا السعة لقبولها»
ولكن، ما معنی هذا القانون؟

شرط قبول المطلوب
هذا القانون یعني أننا إذا نرید ونتمنى شیئا فنحن مستعدون و قادرون لقبوله. علی سبیل المثال، تصوروا شخصا في الأربعین من عمره وهو لایعرف القراءة والکتابة ولکن یتمنی لو تعلم ذلك. هذه الأمنیة تشیر إلی أن قدرة اکتساب العلم موجودة في هذا الشخص ولکن لم تکن الأرضیة متاحة له. إذن نحن نتمنی ما نحن مستعدون لقبوله، وإن لم تکن عندنا إمکانية أو قدرة علیه فإننا لن نطلبه ولن نتمناه. کشخص شبعان من جراء امتلاء معدته فإنه لا يشعر بالجوع ولا يطلب طعاما، ولكن بعد هضم الطعام و الشعور بالجوع فإنه سوف يبحث عن طعام. أو تصوروا شخصا منشغلا بالأعمال المختلفة فإنه لايطلب عملا جديدا لأنه لامجال عنده لعمل آخر، ولکن فور انتهاءه من العمل سیتوفر عنده المجال لقبول عمل جدید.
اكتملت السعة الاستيعابية
لنفترض أن هناك مكانا يتسع لمئتي شخص فقط. من الطبيعي أنه لن يُسمح لشخص آخر الدخول، لأن سعة الغرفة هي التي تعين عدد الأشخاص الذين يمكن أن تستوعبهم الغرفة. عندما يتعلق الأمر بطلب الأشياء أو الأمنيات، فإن السعة والقدرة هما اللتان تعيّنان الحد الأقصى للطلبات و الأمنيات. وذلك لأن الحد الأقصى لطلبات و أماني الإنسان يعتمد على سعته الوجودية.
فعلی سبیل المثال تصوروا کوبا صغیرا تريد أن تملأه بالماء. من الواضح أنه لایمکن أن نملأه أکثر من سعته. إن هذا الكوب لایمکنه قبول قطرة إضافیة أخرى، وما دام هذا الکوب مليئا فلن يرغب في قطرات أخرى للماء. لو عُرض لهذا الکوبِ البحر بأكمله فلایمکن أن یأخذ منه إلا قدرَ سعته. إذن یمکن أن نلخّص القانون الثالث للأماني بهذه العبارة: «طلب أي شيء فرعٌ علی امتلاك القدرة والسعة لقبوله»
السعة التي نحددها لأنفسنا
عند وضع القوانين، غالبًا ما تُضاف ملاحظات ومواد ومعلومات إضافية للمساعدة في شرح جميع زوايا القوانين بشكل أفضل. ينطبق الشيء نفسه على القوانين المتعلقة بالأمنيات و الطلب ولكن، قبل أن ندخل في شرح ذلك، دعنا نطرح سؤالاً لمعرفة ما إذا كنت مستعدًا للتعرف عليه.
هل سبق لك أن وجدت نفسك تفتقر إلى الرغبة و القدرة للقيام بعمل معين؟ سواء كان الأمر يتعلق بفهم علم الرياضيات، أو فك رموز القضايا المحاسبية المعقدة في درس الكيمياء، أو امتلاك مهارة التفاوض والتواصل بشكل فعال مع الآخرين؟ في أغلب الأحيان، نحن لانشعر بوجود القدرة والسعة في أنفسنا للنشاط إلّا في مجال واحد أو مجالین.
قد يشعر أستاذ جامعي بأنه يمتلك القدرة على المشارکة في مهرجان علمي دولي، بینما شخص کبائع الأجهزة الریاضیة لا يعتقد أن بإمكانه القیام بذلك. وبالمثل، فإن الطيار مناسب للمرتفعات، وهو مجال قد لا يتفوق فيه الأستاذ الجامعي. في الواقع، يرتبط نطاق رغباتنا و أمنياتنا ارتباطًا جوهريًا بتعريفنا لأنفسنا، بما في ذلك الميزات و القدرات التي نمتلكها.
إن نعرّف أنفسنا على مستوى قدرات النبات أو الجماد فستبقی سعةُ وجودنا صغیرة على صعيد الجمادات والنباتات. وإن نعرّف أنفسنا على صعيد البعد الحيواني فستبقی سعة وجودنا على نفس المستوى، وتبعاً لذلك فلن تتجاوز رغباتنا حدود الرغبات الحيوانية. إذن نحن مَن نحدد قدر سعة وجودنا وقدراتنا عبر التعريف الذي نقدمه لأنفسنا.
وبالمثل، إذا قصرنا إدراكنا لذاتنا على مجرد الحيوانات، فإن وجودنا سوف يقتصر دائمًا على حدودها، وسوف تقتصر تطلعاتنا على غرائزها البدائية. ولذلك يتعين علينا أن نعرّف أنفسنا بطريقة تتجاوز هذه القيود، وبالتالي نحدد مدى وجودنا ونطاق قدراتنا.
إن سعة رغباتنا تشبه الإناء الذي لا يخلو أبدا، تماما كالکأس الذي يمتلئ بالهواء فور خُلُوّه من الماء، ويولّد قدرة وطاقة نحو الإتجاه الذي تتجه إليه مطالبنا و رغباتنا، في حين أنه يقلل من قدرتنا في المجالات التي لا نرغب فيها، و هذا بدوره يضيف من قدرتنا لتحقيق ما نطلبه و نرغب فيه. فعلی سبیل المثال إذا كثرت رغبتنا في الأميال المادیة والدنیویة فسوف تتسع سعةُ هذا النوع من الأمنيات والرغبات فينا، وإذا رغبنا في الطلبات الإنسانية والأهداف الإنسانية فسوف تتسع وتزيد سعة أمنياتنا ورغباتنا في هذا الإتجاه.
تطرقنا في هذه المقالة إلی القانون الثالث للأمنيات، وقلنا أننا نمتلك السعة لقبول ما نتمناه و نطلبه، و قبل أن نحاول القيام بعمل ما، علينا أن نرى إذا ما نملك القدرة والسعة لتنفيذه. ذكرنا أيضا أن سعة أمنياتنا مرتبطة بالتعريف الذي نقدمه لأنفسنا و ميزاتنا، و كلما اهتممنا بنوعٍ خاص من أمنياتنا، زادت سعة هذا النوع من الأمنيات فينا، و لكن بعد ذلك قد لا تكون لنا نفس السعة لتحقيق أنواع أخرى من الرغبات.
للتعرف علی القانون الرابع، نقترح على القارئ مطالعة مقالة “قانون مهم في التمنّي: “أفضل الأمنيات هي تلك التي نعرفها“.