تأملات في سبل درك حضور الله: من الوجود إلى القرآن وكلام المعصوم
إذا كان الله ظاهراً، فلماذا لا يراه الكثيرون؟ هذا السؤال يُعد من أقدم هواجس شغلت الإنسان على مر التاريخ. فالعالَم الذي نعيش فيه مكتظٌّ بالنظام، مشعٌّ بالجمال، مثقلٌ بالدلالة والمعنى، ومع ذلك يشعر الإنسان المعاصر، أشدّ من أي زمان مضى، بغربةٍ عن الله، وكأن هناك حجاباً قد أسدل بين الوجود ومصدره. يسعى هذا المقال إلى إثبات أن المشكلة لا تكمن في استتار الله، بل في عدم رؤية الإنسان. فالقرآن، وكلام المعصوم، والعقل الإنساني، ثلاثة مسارات متكاملة لاكتشاف حضور الله؛ وثلاث زوايا للنظر إلى حقيقة واحدة. ومن خلال استكشاف هذه المسارات يتّضح أنّ العلاقة بين الله والخلق ليست مجرّد مسألة اعتقادية، بل سبيل لفهم موقع الإنسان في الوجود ومنح الحياة معناها.
يقف الإنسان منذ بدء الخلق بين دهشتين عظيمتين: الدهشة من عظمة العالم، والدهشة من عدم رؤية الله. ففي حين يعرّف القرآن الله بأنّه «ظاهر»، يظنّ كثير من الناس أنّه غائب. وهذا التناقض الظاهري يدفعنا إلى تساؤل جذري حول علاقة الإنسان بالوجود، وطبيعة الصلة بين الله والخلق. فهل يمكن أن يكون الله حاضرًا في كل شيء، بينما يعجز الإنسان، بسبب محدودياته الإدراكية، عن رؤيته؟ أم أنّ نمط نظرنا إلى العالم منذ البداية مشوب بالخلل، وأنّ الحقيقة ماثلة أمام أعيننا، لكنّ بصيرة القلب مغلقة؟
من المنظور التوحيدي، لا يُنظر إلى العالم بوصفه مجموعة متفرّقة من الأشياء، بل باعتباره ميدان تجلّي الله. فالوجود مرآة، وكلّ ذرّة فيه تدلّ على المبدأ، وهذه المرآة نفسها هي طريق فهم العلاقة بين الله والخلق. ويعلّمنا القرآن وكلام المعصوم أنّ معرفة الله ليست أمرًا بعيدًا، بل هي أوضح حقائق العالم، بشرط أن يُنقّي الإنسان أدوات إدراكه. تهدف هذه المقالة إلى دراسة مسارات إدراك حضور الله دراسةً تحليلية، وبيان كيف أنّ التفكّر في الخلق، وسماع كلام المعصوم، والمعرفة العقلية بالذات، تنتهي جميعًا إلى نتيجة واحدة: أن الله ظاهر، والإنسان هو الذي ابتُلي بعدم الرؤية.
إدراك حضور الله من منظور القرآن؛ العالَم ساحةُ الظهور
يواظب القرآن على دعوة الإنسان إلى النظر؛ وهو نظر لا يقتصر على ملاحظة علمية، بل يتجاوزها إلى نوع من «الرؤية بالقلب». ففي الرؤية القرآنية، لا يُختزل الله في كونه خالق الوجود فحسب، بل حقيقةً جاريةً وساريةً في نسيج العالم نفسه. وتعبّر الآية: «هُوَ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ»[1] بوضوح عن أنّ ظهور الله في عمق الوجود صفةٌ ذاتية له، لا أمرٌ طارئ أو زائد. وهذا يعني أنّ العلاقة بين الله والخلق ليست علاقة خارجية أو تعاقدية، بل رابطة وجودية؛ إذ لا معنى للخلقِ بمعزلٍ عن الحق.
لا يطلب القرآن منّا أن «نتصوّر» الله، بل أن «نراه» في آيات الخلق. فكأنما العالمُ كتابٌ، وكل ظاهرة فيه هي جملةٌ من سطوره؛ فمتى طهرت رؤية الإنسان، استحال كل شيء في عينه آيةً ودلالةً على تجلي الله. أما إذا ران على القلب غبار الغفلة، فإن أجلى العلامات ستغدو باهتةً لا معنى لها.
وخلاصة القول، إن القرآن يقدم الحضور الإلهي كأجلى حقيقة في الوجود، وينقل محور القضية إلى مدى “نقاء أدوات الإدراك” لدى الإنسان. ومن هذا المنطلق، لا تعد العلاقة بين الله والخليقة مجرد دعوى، بل هي “تجربة وجودية” تتجلى في ضوء رؤية واعية.
محدوديات الإدراك الإنساني
إذا كان الله ظاهرًا، فلماذا لا يراه الناس؟ يكمن جواب هذا السؤال في تحليل «أدوات الإدراك». فكما أنّ العين المريضة لا تقوى على رؤية نور الشمس، كذلك القلب الغارق في الغفلة يفقد القدرة على مشاهدة حضور الله. يقف الإنسان أمام حقيقة هي أظهر من كل شيء، غير أنّ غشاوة أدوات معرفته تجعله يشعر بعدم وجود الله. الغفلة هي العدوّ الأكبر للإدراك. فهي تحبسُ الإنسان في قشور الظواهر وتمنعه من نفوذ البصيرة إلى حقائق الأشياء، فتتراكم المفاهيم، والانشغالات، والتعلّقات، والرغبات غير المنضبطة، كحجابٍ كثيف بين الإنسان والعالَم، فلا تتيح له رؤية آيات الخلق. وعندما يقول القرآن: «فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ»،[2] فإنّه يشير إلى هذا القيد بعينه.
وبهذا المعنى، فإنّ عدم رؤية الله ليس دليلًا على غيابه، بل هو برهانٌ على ضعف الرؤية عند الإنسان. فبقدر ما لله من نورٍ ساطع، فإنه يستوجبُ عيناً بصيرة، وهذه العين لا تستعيدُ قوتها إلا بطهارة القلب والمراقبة الداخلية. وفي اللحظة التي يتجاوز فيها الإنسان الظواهر، يدرك أنّ العلاقة بين الله والخلق كانت دائمًا ماثلة أمامه، غير أنّه لم يكن يراها.
كلام المعصوم؛ من برهان الوجود إلى شهود الحضور
يرى الأئمة (عليهم السلام) أنّ الله هو الحقيقة الأجلى في هذا الوجود؛ ظهورٌ لا يعلوه ظهور، ولا يستطيع أيّ مخلوق أن يبلغ من الوضوح ما يجاوز وضوحه. وإذا كان كذلك، فإنّ شهوده لا يُطلب خارج العالَم، بل في قلبه؛ إذ لا يعقل أن يكون المظهر أظهر من الظاهر، ولا أن يكون وسيط الرؤية أبلغ من الأصل نفسه. وهنا تتجلّى لبّ العلاقة بين الله والخلق في معارف أهل البيت (عليهم السلام): العالَم كلّه ميدان الظهور الإلهي.
ليس الكون مصباحًا يُنيره الله، بل الله هو النور، وما سواه لا يُدرَك إلا في ضيائه. وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما رأيتُ شيئًا إلا ورأيتُ الله قبله وبعده ومعه».[3] فكلّ موجود منزوع الاستقلال، وكلّ ما نلقاه في طريقنا نافذة مفتوحة على حضوره.
ويعلّمنا المعصوم أنّه لا حاجة إلى برهان لمعرفة الله، كما لا يحتاج النور إلى دليل ليُرى. وبهذا تنتقل رحلة الإنسان من متاهات الاستدلال الذهني إلى بساطة الشهود المباشر. وهكذا يرفع كلام المعصوم علاقة الإنسان بالوجود من مستوى التصوّر إلى مستوى الحضور. فلا تعود الصلة بين الله والخلق صلةَ دلالةٍ وإشارة، بل يصبح كلّ موجود هو نفس الظهور. فالوجود ليس شيئًا خارجًا عن الله ليحكي عنه، بل هو تجلّيه.
والخلاصة التحليلية لهذا البيان، أن المعصوم يكشف عن الحقيقة القرآنیة التي قلّما يلتفت إليها الإنسان، وهي: أن الله ليس في هامش الوجود، بل هو حاضرٌ في صميم العالَم وكيانه.
معرفة النفس؛ الطريق العقلي إلى شهود الحضور
يُقدَّم الإنسان في التراث التوحيدي بوصفه أكمل آيات الله وأجلاها؛ ففي أعماق الذات الإنسانية تكمن منظومةٌ من القوى والمعارف والرغبات والتجارب الوجودية، والتي لا يستقلُّ أيٌّ منها بذاته. إنَّ هذا الافتقار الوجودي هو بعينه طريق لفهم الحضور الإلهي، وهو ما يختصره الحديث الشريف: “مَن عرف نفسه فقد عرف ربه”.
حين يتأمل الإنسان في حقيقة وجوده، يُدرك أنَّ إرادته وعلمه وقدرته، بل وحتى أصل وجوده، ليس نابعاً من ذاته؛ فوجوده «عطاءٌ» محض وليس «ذاتياً». هذا الوعي يولد نوعاً من الشهود العقلي، مفاده أنَّ الإنسان لا شيء بدون الخالق. وبتعبير آخر، فإنَّ معرفة النفس هي وسيلةٌ لرؤية العلاقة بين الله والخلق في مستويات أكثر عمقاً؛ كون الإنسان يمثل نموذجاً مصغراً لبنية العالم المرتبطة ببارئها والمفتقرة إليه.
تنقل معرفة النفس الإنسان من طلب الخارج إلى اكتشاف الداخل. فيدرك أنّ الله ليس بعيدًا، بل ساريًا في عروق وجوده. فكلّ لحظة حياة، وكلّ إدراك، وكلّ اختيار، مشحون بدلالته. وهذا هو الحدّ الأقصى في إدراك حضور الله.
غير أنّ السؤال يعود: إذا كان الله ظاهرًا، فلماذا لا يشهده الجميع؟
والجواب يرتكز على قاعدة أخلاقية–معرفية واحدة:
طهارة القلب شرط الشهود، لا شرط الوجود.
ولهذا، يقرن القرآن دعوته إلى النظر في الخلق بتحذيره من الذنب والغفلة. فالذنب يعتم القلب، والغفلة تحبس النظر في القشور. والقلب الملوّث كماءٍ كدر، لا يعكس زرقة السماء. أمّا الذين صفّوا قلوبهم بالتقوى، وصدق القصد، والمراقبة، والتنزّه عن التلوّث، فإنّهم يشاهدون آيات الله في كلّ شيء. عندهم، كلّ ظاهرة تذكير، وكلّ لقاء تجربة. فالعلاقة بين الله والخلق ليست فكرة، بل معايشة. إنّ طهارة القلب هي إعادة صقل أداة المعرفة، تلك التي يُعاد بها اكتشاف العالَم.
عندها يرى كل ذي قلب طاهر حضور الله في التفاصيل الصغيرة: في ابتسامة، في حادثة عابرة، في انتظام الطبيعة، في حرّية الاختيار، في السكينة، بل وفي الشدّة. فالخلق عندهم ليس ستارًا، بل نافذة؛ نافذة مفتوحة على الله.
إذن، يمكن تلخيص مسار المقال كلّه في هذا النسق: القرآن يكشف أنّ الله ظاهر، وأنّ العالَم بأسره آيته. والمعصوم يبيّن أنّ الشكّ فيه عبث، لأنّ كلّ شيء تجلّيه. ومعرفة النفس تثبت أنّ وجود الإنسان لا يقوم إلا به. هذه المسارات الثلاثة ليست سوى طبقاتٍ ثلاث لحقيقة واحدة: أن إدراك حضور الله هو رؤية العلاقة بين الله والخلق في عمق اليوميّ والعادي؛ وأنّ الوجود لا ينفصل عن الله ولا يستغني عنه، فالافتقار هو جوهر الخلق. وحين يتخلّى الإنسان عن الغفلة والتلوّث، يكتشف أنّ الله لم يغب قطّ، إنّما غدا الغياب في الرؤية، لا في الحقيقة.
وهكذا ينتهي الجواب عن سؤال البداية إلى صيغة واحدة، شديدة البساطة، شديدة العمق: الله ظاهر؛ والإنسان هو الذي يحتاج أن يُبصر من جديد.
[1] آیه 3 سوره مبارکه حدید
[2] آیه 46 سوره مبارکه حج
[3]. (علمالیقین:1، 49)