لماذا تُعدّ معرفة مراحل النمو الإنساني ضرورةً وشرطاً لفهم حقيقتنا الوجودية؟

جدول المحتويات
تحليل "غلبة الكمالات" في الباطن الإنساني وآثارها التربوية في الخطاب الديني

ترابط مراحل النمو الإنساني؛ من المرتبة الجمادية إلى البعد ماوراء العقل

​إنّ الإنسان هو «الكونُ الجامع»؛ ذلك الكائن الذي اختزل في ذاته مراتب الوجود صعوداً وهبوطاً، وعكس في مرآته تفاصيل الوجود قاطبة. فنحن نحمل في طياتنا خصائص الجماد، والنبات، والحيوان، والملك، وفوق ذلك كله، نختزن استعداداً لا يتناهى في بُعدنا «ماوراء العقل». هذه الشمولية الوجودية تفتح أمامنا مساراً للسموّ اللامحدود. ولعلّ الكثير منا يراوده تساؤلٌ وجودي ملحّ: لماذا لا نشعر بالسكينة رغم كل جهودنا؟ وما الغاية الحقيقية من هذه الرحلة؟ تكمن الإجابة في فهم «المسار التكاملي للوجود»، أي إدراك مراحل النمو الروحي للإنسان.

​إنّ مراحل النمو ليست مجرد تغيرات بيولوجية، بل هي حركة تدريجية في مسار اليقظة وتفتّح أبعاد الوجود كافة. تبدأ هذه الرحلة من البُعد الجمادي وصولاً إلى البُعد ماوراء العقل؛ حيث يلتقي جوهرنا الإنساني بالحقيقة في اتصالٍ واعٍ ومباشر. وفي هذا الدرب، تعمل كل مرحلة على إيقاظ جانب من وجودنا وتفعيل قوةٍ كامنة في أعماقنا.

​إنّ تفعيل القوى في الإنسان ليس سيرورةً متقطعة، بل هو سلسلة متصلة الحلقات. يبدأ هذا المسار ببلوغ «القوى الحسية» فعليتها، ثم تتبعها بالترتيب قوى: الخيال، والوهم، والعقل، وصولاً إلى يقظة «ماوراء العقل». ولا يمكن لأي قوة أن تزدهر ما لم تتهيأ لها الأرضية وتستمد الغذاء من القوة التي سبقتها. فكما يقوى البدن بالغذاء المادي، تنمو قوى النفس عبر التغذية المناسبة لها من المحسوسات، والمخيلات، والموهومات، والمعقولات. وهذه التغذية هي التي تحدد مسار وسرعة نمو الإنسان؛ وهو مسارٌ تجب معرفته بدقة، لأن الغاية القصوى هي سيادة «البُعد الإنساني» على سائر القوى الوجودية الأخرى.

​وكما وضّحنا في الدروس السابقة، فإنّ الإنسان كائن متعدد الأبعاد، يتألف وجوده من خمسة أبعاد رئيسة: البُعد الجمادي، البُعد النباتي، البُعد الحيواني، البُعد العقلي، وأخيراً البُعد ماوراء العقلي أو (الإنساني)؛ وهو أسمى مراتب الوجود ومنبع النـزوع نحو اللامتناهي والاتصال بالحق سبحانه. وللوصول إلى الكمالات اللائقة بهذه الأبعاد، نملك خمس قوى إدراكية تتفعّل تدريجياً وبتراتب دقيق، وهي: (الحس، الخيال، الوهم، العقل، وماوراء العقل). كل واحدة من هذه القوى هي أداة للإدراك والتواصل مع الوجود، تبدأ من المرتبة الأكثر مادية (الحس) وتنتهي بالمرتبة الأكثر تجرداً (ماوراء العقل). ولكل قوةٍ «معشوقٌ» وغذاءٌ خاص بها؛ فقوة الحس تتكامل بالمحسوسات، والخيال بالمخيلات، والوهم بالموهومات، والعقل بالمعقولات، أما قوة «ماوراء العقل» فلا تجد كمالها وسكينتها إلا في الانغماس في الوجود المطلق والكمال الصرف.

​سنتناول في هذا المقال، بدقة وتفصيل، خطوات أربع متتالية لهذا السير التكاملي في مراحل النمو الإنساني (أي صيرورة القوى فعليّة)، ليتضح لنا دور يقظة هذه القوى الخمس في طول الطريق. هدفنا من معرفة هذا السير هو إدراك كيفية التسامي فوق دائرة الاحتياجات الجمادية والحيوانية، وتمهيد الطريق لهيمنة الجانب الإنساني والوصول إلى الكمال المطلق.

البُعد الجمادي: الخطوة الأولى في مراتب النمو الإنساني

​تبدأ رحلة الوجود الإنساني من أضيق مراتبها وأكثرها محدودية، وهي ما يُعرف بـ «البُعد الجمادي». فالنطفة حين تستقر في رحم الأم، تشغل في أولى مراحلها الجنينية حيزاً لا يتعدى الخصائص الجمادية؛ فهي مجرد مادة لها وزن، وحجم، ولون، وخواص عنصرية بحتة. ورغم أن هذا البعد يمثل أدنى درجات الوجود الإنساني، وتقتصر كمالاته على البقاء المادي والحفاظ على التركيب العنصري، إلا أنه يظل مرافقاً للإنسان طوال حياته؛ فنزوعنا نحو الماديات، وتعلقنا بالأدوات والأشياء، وحتى شغفنا بالكماليات والزينة، ما هو إلا امتداد لهذا الجذر الجمادي الكامن في أعماقنا.

​وفي هذه المرحلة، لم تكن «القوة الحاسة» قد تفعلت بعدُ بشكل كامل، لكن بذورها تُغرس في طور الجنين. وهذه القوة هي طاقة باطنية تمكن البدن من تلقي الأمور الخارجية، وبواسطتها يتشكل وعينا بالعالم المادي. وبعد الميلاد، تأخذ الحواس الخمس (البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس) في النضوج تدريجياً، لتصبح بمثابة «البوابات» التي تعبر منها معطيات عالم الطبيعة الخام نحو المراتب الأعلى للنفس، مثل الخيال والوهم والعقل.

​إن دور «الحس» في حیاتنا لا يقتصر على مجرد التمييز البسيط للظواهر _كرؤية الطريق أثناء السير أو سماع صوت مركبة تقترب_ بل إن دوره الجوهري يكمن في توفير المادة الأولية اللازمة لنمو القوى الأخرى. وكما ورد في نصوص علم الإنسان، فإن الرضيع عند ولادته يكون «حساً محضاً»، ولن تتمكن مرتبة «الخيال» لديه من التصویر والتقوي إلا إذا استقامت وتقوّت حواسه الخمس أولاً. كما أن سلامة وجودنا رهينة بالارتباط الصحيح بين الحواس ومتعلقاتها المناسبة؛ فالعين لا تبلغ کمالها إلا بالضوء، والأذن لا تسمو إلا بالترددات التي تلائمها.

​وبالرغم من الدور المحوري لقوة الحس وأهمية تعزيز المدركات الحسیة، فإن الإفراط والاستغراق في الماديّات يُعد من أخطر الآفات في هذه المرحلة من مراحل النمو. فإذا تجاوز الإنسان الحد في الأكل أو الشرب أو الملذات الحسیة، وحصر نفسه في دائرة المحسوسات، فإنه يخرج عن جادة الاعتدال، ويصبح عاجزاً عن الارتقاء بقواه الوجودية الأخرى. فعلى سبيل المثال، من يفرط في مشاهدة الأفلام بلا قيد أو حدود، يفقد تدريجياً قدرته على التركيز والتفكير؛ وذلك لأن مدخلات النفس هي بمثابة «المواد الخام» للمراتب العليا، ودخول مواد ملوثة أو غير متناسبة يؤدي حتماً إلى انسداد مسار تفتح الخيال والعقل.

البُعد النباتي: المرحلة الثانية من مراتب النمو الإنساني

​كما هو معلوم، فإن حياتنا لا تنحصر في البُعد النباتي؛ فبعد الشهر الرابع من عمر الجنين في الرحم ونفخ الروح فيه، تنتقل النفس من المرتبة النباتية لتلج أعتاب المرتبة الحيوانية، فنكتسب خصائص جديدة تُضاف إلى کمالاتنا الجمادية السابقة؛ ويعد هذا الانتقال جزءاً جوهرياً ومحورياً من مراحل النمو الإنساني.

​تبدأ المرحلة الثانية من مسيرة النمو بتفعيل «البُعد النباتي»؛ وتعتبر الكمالات النباتية أرقى شأناً وأكثر تطوراً من الكمالات الجمادية، إذ تشمل اللطافة، والجمال، والنمو، والتغذية، والتكاثر. فالتطور الذي يطرأ على الجنين يشبه في جوهره نمو النبات، حيث يكتسب الرقة والجمال، ويزداد طولاً، ويتغذى، ويشرع في بناء الأعضاء الحيوية اللازمة داخل رحم الأم. إن هذا النمو النباتي هو المرحلة الثانية التي نستهلّها من رحم الأم؛ لذا فإن كل سعي يبذله الإنسان لتجميل ظاهره، أو الحصول على جسد متناسق، أو تحقيق النجاح في الميادين الرياضية، إنما يندرج ضمن «الكمالات النباتية»؛ وهي كمالات تدور في فلك المظاهر الخارجية ولم ترتقِ بعدُ إلى الساحة الإنسانية المحضة.

​ومع تجاوز مرحلة تشكّل القوة الحاسة وتكاملها، يحين الوقت لاستيقاظ قوة أخرى لا تقل أهمية في وجودنا، وهي «قوة الخيال». تنشط هذه القوة فور نضوج القدرة الحسیة، وتتمثل وظيفتها في تصوير وحفظ المعطيات التي نتلقاها عبر الحواس؛ فكل ما تلتقطه الحواس في صورته الخام، يتم أرشفتُه في الخيال على هيئة صور ذهنية. ويُعد الخيال هو المستقر الحقيقي للإبداع والتجسيد، سواء تجسد ذلك في صور الطموحات والأهداف، أو في المشاهد الذهنية الناجمة عن المخاوف. وتكمن أهمية قوة الخيال في كونها تمثل جسراً رابطاً بين «عالم الحس» (المادة) و«عالم العقل» (المعاني الكلية). لذا، فإن الهداية الصحيحة لهذه القوة تذلل لنا مسالك النمو، أما إذا غُذيت بمدخلات ملوثة أو وُجهت وجهة غير سليمة، فإنها قد تقيدنا بعيداً عن الكمال الإنساني وتسبب خللاً في تسلسل مراحل النمو البشري.

البُعد الحيواني: الخطوة الثالثة في مراتب النمو الإنساني

​بعد أن تبلغ «قوة الخيال» في أعماقنا مرحلة الفعلية، وتكتسب القدرة على تصوير وتجسيد التجارب الحسيّة، تُصبح النفس الإنسانية مهيأة للارتقاء إلى خطوة أسمى في مسار نموها. فمع بزوغ «قوة الوهم»، يستمر الإدراك الحسي في مسيرته التكاملية متسعاً في مداه، وتتعلّق بها قوتان بنيويتان هما: الشهوة والغضب؛ وهما القوتان اللتان تجعلان البقاء، والحماية، والنمو الإرادي أمراً ممكناً. وبهذا، يلج الإنسان مرحلةً جديدة من مراحل نموه، تتجاوز حدود النمو العضوي والتغذية المحضة، لتؤذن ببداية مرتبة حياتية تُعد الركيزة الأساس لجلّ سلوكياته الاجتماعية وعواطفه الوجدانية.

​ ترتهن الكثير من كمالات البعد الحيواني بتفعيل وتقوية «القوة الواهمة»؛ كونها القوة التي تزن المنافع والمضار وتُقيم الروابط بین الأمور. ومع ذلك، فإن نمو هذه الكمالات لا يتزامن بالضرورة مع نشوء الواهمة؛ فبعض الخصائص قد تظهر مبكراً أو تتأخر في تجليها. لذا، تُعد الواهمة هي المحرك الأساسي للكثير من القدرات الحيوانية، وإن لم تسر معها دائماً بخطوات متناظرة ومنتظمة.

​وكما أسلفنا، فإن البعد الحيواني هو المنبع الرئيس للشهوة والغضب في وجودنا. فالحيوانات، فضلاً عن النمو والتغذي، تتزاوج، وتكدح في سبيل استمرار حياتها، وتتحمل المسؤولية، وتذود عن حياض أسرها. وفي واقع الأمر، فإن الكثير من الخصال التي قد نحسبها إنسانية خالصة _كالوفاء، والنجابة، والحياء، والعطف، والحياة الاجتماعية_ إنما هي في أصلها ضمن «الكمالات الحيوانية» في مسيرة النمو البشري.

​ويمكن تعريف هذه القوة بأنها «مُدرِكة المعاني الجزئية»، أو بعبارة أخرى: «مصنع العواطف والأحاسيس». فقوة الوهم هي القوة المسؤولة عن توليد مشاعر الحب والبغض تجاه الأشخاص والأشياء الداخلة في دائرة علاقاتنا؛ فالحب الذي نكنّه لشخص ما، أو كراهية تجيش في صدورنا تجاه شيء معين، هما تجليان لنشاط هذه القوة. وهي لا تصدر أحكاماً كلية، بل تنظم ردود الفعل العاطفية الشخصية تجاه المواقف والأفراد؛ كما أنها المركز الرئيس لانبعاث مشاعر الخوف، والحزن، والسرور، والغضب. وتظهر فعالية قوة الوهم لدى الأطفال حينما يبدأون بسلوكيات مثل الكذب، والتكتم، والمراوغة، والخداع؛ إذ إن طاقة المکر والدهاء التي تمكن الطفل من التلاعب بوالديه، تنبع في الحقيقة من النشاط القوي لمرتبة الوهم لديه.

​بيد أن الخطر يكمن في انحصار غاية هذه القوى واتجاهها نحو تحصيل اللذات والشهوات الحيوانية فحسب (كالسعي اللامتناهي خلف الجاه والمنصب، أو الزواج بدافع الغريزة الصرفة، أو خدمة الآخرين طلباً للشهرة)؛ فحينها يستحيل الفرد في واقع الأمر إلى «حيوان قوي»، ويُحرم من المضي قدماً نحو آفاق الكمالات الإنسانية الرفيعة.

البُعد العقلي: الخطوة الرابعة في مراتب النمو الإنساني

​بعد عبور المراتب الجمادية، والنباتية، والحيوانية في مسيرة التكامل البشري، يشرق «بُعد العقل» مع بدايات مرحلة المراهقة. ففي سن السادسة أو السابعة تقريباً، يكتسب الذهن قدرة جديدة تمكنه من التمييز بين الخيال والواقع، والتفكير في أمورٍ وراء المشاهدة الحسية، تستند إلى الاستدلال والاستنتاج. في هذه المرحلة، لا يعود الإنسان رهيناً للإحساس والتجربة المباشرة فحسب، بل يصبح قادراً على إدراك الأمور التجريدية.

​يمتلك الذهن هنا القدرة على النفاذ من ظواهر الأشياء لفهم الروابط بين العلل والمعلولات؛ حيث يتشكل الاستدلال، والتحكم، والتحليل الباطني، ويتعلم الإنسان التمييز بين الحق والباطل. وبذلك، يتجاوز وعي الإنسان حدود الإحساس والعاطفة ليلج مرتبة الفهم والفكر؛ وهنا تقترب «القوة العاقلة» في أعماقنا من مرحلة الفعلية، وتدخل النفس طوراً جديداً من أطوار المسؤولية والسمو الإنساني.

​ومع ذلك، قد يحدث تعثر في مسار النمو العقلي، بحيث لا يجد العقل فرصة لبسط سلطانه على «وهم» الإنسان؛ ونتيجة لذلك، تهيمن القوة الواهمة على قرارات الفرد ورؤيته، فتسير حياته وفق الظنون والمخاوف والتصورات الخاطئة.

​تُعد القوة العاقلة هي القوة الرابعة من قوى النفس؛ وهي المرتبة التي تتسامى فيها النفس عن مستوى الإحساس والعاطفة (قوة الوهم) لتصل إلى إدراك المفاهیم الكلية والمجردة. فالعقل يتعامل مع «المعقولات»، أي مع كل ما يدخل في حيز الفكر والعلم والاستدلال. حتى تلك المشاعر الشخصية من حب وبغض، يحللها العقل وينظمها في قالب مفاهيم كلية وقوانين ذهنية. وهذه المفاهيم الكلية هي «المعقولات» التي تمثل المحبوب الحقيقي للعقل، وبإدراكها يبلغ كماله المنشود.

​إن من شأن القوة العاقلة ذاتياً التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطأ. فالإنسان العاقل هو من يؤثر اللامتناهي على المحدود، ويسخر عقله لتنظيم شؤون حياته. وهذا الجانب هو ما يُعرف بـ «العقل العملي»؛ القوة التي تشخص الخير والشر وتثبّت النفس على طريق الصلاح. لذا، لا يُقاس مستوى النمو العقلي بمقدار المعلومات أو الذكاء، بل بمدى «العقلانية» والقدرة على التشخيص والاختيار السليم؛ إذ عبر العقل العملي وحده يستطيع الإنسان وضع قواه الباطنية في خدمة البعد الإنساني والمرتبة الوجودية الأسمى، وهي مرتبة «ماوراء العقل».

​تبعية العقل للقوى الأدنى: لكي يتمكن العقل من الحكم السديد، لا بد له من مدخلات صحيحة ونقية؛ وهنا تتجلى أهمية ترابط قوى الإنسان واتساق مراحل نموه. فالمعلومات التي ترد إلى العقل هي في الأصل معطيات انتقلت من «الحس» بهيئتها الخام، ثم خُزنت في «الخيال»، ثم عولجت بواسطة «الوهم». فإذا كانت قوى الحس والخيال والوهم خاضعة لسطوة الشهوة والغضب الحيواني، وقدمت للعقل مدخلات ملوثة (كصور ذهنية مشوهة أو عواطف كاذبة)، فإن العقل سيقع في الزلل حتماً. وفي هذه الحالة، وبدلاً من أن يكون العقل حكماً عدلاً، ينحدر ليصبح مجرد أداة لتبرير القرارات الخاطئة والواهمة؛ كمن تسوقه نزواته الحيوانية نحو فعل شائن، ثم يسخر ذكاءه وعقله لاختلاق الحجج والمعاذیر ليجعل من خطئه أمراً منطقياً ومقبولاً.

العشق للكمال المطلق: تجلّي البُعد الإنساني في مراتب النمو

​بعد نضوج العقل في مسيرة التكامل الإنساني، يدرك المرء تدريجياً أن المعرفة والاستدلال — رغم ضرورتهما — لا يكفيان وحدهما لنيل الطمأنينة واستيعاب كنه الحياة. في هذه المرحلة، لا يكتفي الإنسان بالقياس والبرهان، بل يشرع في طلب إدراكٍ يتسامى على المفاهيم والتحليلات الذهنية؛ إذ يتبين له أن الأسئلة الوجودية الكبرى لا تُجاب بمجرد التأمل العقلي المحض، بل لا بد من التماس أجوبتها في مستوىً أعمق من الفهم الذهني. إن «بُعد ماوراء العقل» هو المحطة الأخيرة في رحلة النمو البشري؛ حيث يتجاوز العقل أطره الضيقة، ويصل «القلب» إلى فناءٍ حيّ واتصال دائم بكلية الوجود. وهذا الاستعداد هو حجر الزاوية لتشكل «القوة ماوراء العقلية» التي سنفصل القول فيها.

​إن «القوة ماوراء العقلية»، والتي تُعرف في الفلسفة الإسلامية بمسميات عدة كـ «القلب» أو «الجانب الإنساني»، هي البُعد الوحيد اللامتناهي والمجرد في وجودنا. هذه القوة تكمن «بالقوة» في جبلّة كل إنسان، وهي التي منحتنا المزية والفضيلة على سائر المخلوقات؛ وفي الحقيقة، إن الملائكة إنما سجدت لهذا البُعد الوجودي فينا.

​ويُعد «ماوراء العقل» هو المنبع لنزعتنا نحو اللامتناهي؛ فنحن بشرٌ جُبلنا على عشق الكمال وطلب اللامحدود، ولذا لا تقنع نفوسنا بأي تجلٍّ مادي ناقص. فكل ما نطلبه، ننشده في أقصى مراتب علوه: علماً لا يُحد، وجمالاً لا ينفد، وقدرة لا تُقهَر؛ ذلك لأن جوهر وجودنا من سنخ اللامتناهي، ولا يسكن روعنا إلا بالاتصال باللامتناهي. إن أصل هذا الشوق العارم الذي لا يرتوي إلا باللامحدود، يعود إلى هذا البُعد «ماوراء العقل» الذي انحدر من أصل الوجود ومنبعه الفيّاض (الله جل وعلا)، وحمل معه «ذاكرته اللانهائية» إلى عالم المادة. هذه القوة هي النافذة الوحيدة التي تملك القدرة والاستيعاب لتلقي الفيض الإلهي والارتباط بعالم الغيب، ومنها تنبع اللذات المعنوية والحركة نحو الكمال المطلق.

​إن نمو هذا البُعد يرتكز على أمرين: التغذي من «المحبوب الحقيقي» من جهة، والتغذية السليمة والنقية للقوى الأدنى من جهة أخرى. هذا الجزء هو الركن المعصوم والمنزه عن التلوث دركاً وذاتاً؛ فإذا ما عرض له عارض أو عجز عن التلذذ بالغذاء الروحي، فإن ذلك يعود حصراً إلى المدخلات الفاسدة القادمة من قوى الحس والخيال والوهم والعقل. وبفعليّة هذه القوة فحسب، نكتسب القدرة على «التربية اللامحدودة»، وننال الفضل على سائر الموجودات، ونصل إلى الغاية القصوى من الخِلقة، وهي ذروة مراتب النمو الإنساني.

​إن الإنسان عبارة عن منظومة تضم خمسة أبعاد وجودية وخمس قوى إدراكية، تتفعل كل منها في ظرف زمني وشروط خاصة. وهذا التفعيل ليس عملية منفصلة، بل هو سلسلة متصلة تبدأ من «المحدودية» وتتصاعد نحو «اللانهاية». تبدأ الرحلة من تفعيل القوة الحاسة، وتستمر حتى ازدهار القوة ماوراء العقلية. إن فقه هذا الاتصال والتوالي بين القوى الإدراكية ضرورة حياتية لمعرفة النفس؛ إذ إن كمال كل قوة مرتهن بسلامة ما دونها من القوى. فإذا ما تلوثت القوى الدنيا بمدخلات غير سليمة، عجزت القوى العليا عن الحكم السديد والإدراك الصحيح، وهذا هو العائق الأكبر لدرجات النمو.

​ختاماً، إن الغاية من هذه الرحلة الوجودية والمعرفة الدقيقة لأبعاد النفس، هي هيمنة «البُعد ماوراء العقلي» على سائر القوى الأخرى. فإذا أردنا لجميع طاقاتنا الكامنة أن تبلغ كمالها، ولأهداف خلقنا العظيمة أن تتحقق، فلا مفر لنا من معرفة «خارطة النمو» هذه معرفة دقيقة، وتوجيه بوصلة كل قوانا الباطنية نحو «المعشوق الحقيقي».

 

اكتب رأيك