ما هي انواع اللذات و ما هي اللذة العليا؟
هل حدث لك يوما أن تنازلت عن النوم وبقيت مستيقظاً طوال الليل لكي تستمتع بمشاهدة فيلمك المفضل؟ أو أنك تجنبت الحلويات اللذيذة التي تظهر في نوافذ المحلات للحفاظ على لياقتك؟ أو ربما قمت بعزل نفسك لشهور لتحقيق مكانة مرموقة في مسابقة علمية أو رياضية وقللت من وسائل الترفيه في حياتك اليومية؟
لقد وجدنا جميعا أنفسنا في مواقف مماثلة، حيث أننا نضطر إلى اختيار نشاط واحد فقط من بين العديد من الأنشطة المحببة والمرغوبة لدينا، ويعتمد نوع اختيارنا في هذه الحالات على عوامل مختلفة. أحد أهم هذه العوامل هي اكتساب اللذة. إننا نختار عادةً الفعل الذي يوفر لنا لذة أكبر.
- ما هي الأساليب والاستراتيجيات لكسب اللذة وكيف تحدث هذه الظاهرة في وجودنا؟
- لماذا تكون بعض الأمور أكثر لذة بالنسبة لنا من غيرها؟
- ما هي اللذة العليا بالنسبة لنا وبأي جزء من وجودنا يرتبط ذلك؟
الاستمتاع بأشياء مختلفة هو أمر طبيعي تمامًا. إن مستوى سلامة القلب والتوازن في تغذية قوى النفس لا يتحدد إلا بمعيار مهم واحد، و هو ما تعتبره كلذّة قصوى.
في هذه المقالة، سنتحدث أولاً عن مفهوم اللذة وعلاقتها بمراتب وقوى النفس الإنسانية، و باستخدام هذه المفاهيم سنقدم أعلى مستويات اللذة أو اللذة العليا وأكثرها دواماً.
ما هي اللذة وما هي مراتبها في النفس الإنسانية؟
إننا جميعًا نمتلك فهمًا واضحًا وواعيًا لمفهوم اللذة، ونستطيع التمييز بين الأمور الممتعة والمفرحة في حياتنا وبين الأمور المملة والمرهقة. ومع ذلك، قد لا نتمكن من شرح الأسباب التي تجعلنا نستمتع بشيء أكثر من غيره بصورة دقيقة، أو لماذا يختلف ما نجده ممتعا عن الآخرين.
يوجد لدينا احتياجات متعددة في مختلف جوانبنا الوجودية، و نشعر باللذة عندما يتم تلبية هذه الاحتياجات. على سبيل المثال، نتلذذ بتناول الطعام عندما نكون جائعين، ولكننا لن نشعر باللذة في تناول المزيد إذا كنا مُتخمين. لذا فإن مفهوم اللذة هي في المقام الأول نتيجة تحقيق الحاجة، و تكمن جذورها في البنية النفسية للإنسان.
في المقالات السابقة شرحنا قانون الزوجية وعلاقته بمراتب وقوى النفس، وقلنا إن لکلٍ من مراتب نفسنا وقواها محبوبات وأزواج خاصة بها. كما ذكرنا أن العلاقة بين كل جزء وشريكه هي مثل العلاقة بین القفل والمفتاح، أي أنّ شريك كل جزء متوافق مع ذلك الجزء فقط من دون الأجزاء الأخرى. على سبيل المثال، إن شريك الجهاز الهضمي هو الطعام، وشريك العقل هو الوعي واكتساب المعرفة. تظهر هذه العلاقة بصورة واضحة في جميع المراتب، منها الجمادیة والنباتية والحيوانية والعقلية، وكذلك القوى الحسية والخيالية والوهمية والعقلية وماوراء العقلية.
إذا أردنا أن نشرح استراتيجية اللذة بناءً على بنية النفس ومفهوم الحاجة، يمكننا القول: “تنجم اللذة عن الزواج والاتحاد بين كلٍ من مراتب وقوى نفسنا مع شريكها الخاص. بعبارة أخرى، هناك زواج في جميع أجزاء وجودنا حيث تُلبّي حاجة ذاك الجزء وکلما یتم تلبية هذه الاحتياجات نصل إلى اللذة.”
بعد أن تم تحديد كيفية عمل اللذة بالنسبة لنا، يُطرح الآن سؤال مهم آخر وهو: “لماذا تكون بعض الأشياء أكثر لذة بالنسبة لنا من الأخرى؟” الإجابة عن هذا السؤال يكمن في مقدار لطافة قوى النفس و الّلذات الناتجة عنها.
لطافة قوى النفس واللذات الناتجة عنها
لكلٍّ من قوى النفس عندنا لذةٌ خاصةٌ بها إلّا أنّ شدة وجود هذه اللذات ليست متساوية. يعود سبب هذا الفرق إلى الرقة في قوى النفس ولطافتها. بشكل عام، كلما ابتعدت قوى النفس عن المادة واقتربت من التجريد، زادت رقتها وبالتالي زادت اللذة التي تشعر بها. بناءً على ذلك، يمكن تصنيف الأنواع المختلفة للّذة إلى خمسة أقسام، من الأدنى إلى الأعلى من حيث الدرجات:
- اللذات الحسية: تعتمد اللذات الحسية تمامًا على المادة، حيث يتم الحصول عليها من خلال أجزاء الجسم وحواسنا الخمس. لفهم هذه المتع وإدراكها، يجب أن يكون هناك عاملان موجودان بالضرورة: الجسم والعامل الخارجي. على سبيل المثال، لكي نتلذذ بتناول الطعام، يجب أن تكون حاسة التذوق عندنا نشطة ووجود عامل خارجي يسمى الطعام. إذا لم يكن أحدهما موجودًا، فلن تحدث أي لذة.
يمكن تحديد موقع الأعضاء التي یتم تحصیل اللذة منها في اللذات الحسية، بحیث أن هذه المتع ضحلة وضعيفة وتحتل المستوى الأدنى من اللذات مقارنة مع اللذات الأخرى. ومع ذلك فمن الضروري أن نلاحظ أنه في جميع اللذات، بما في ذلك اللذات الحسية، أن النفس هي التي تستمتع وليس الجسم. الجسم هو مجرد وسيط في الحیاة لا يمكنه أن يفهم الآلام أو اللذات لوحده بدون النفس.
- اللذات الخيالية: في كثير من الأحيان، يكون تخيل مشهد معين أو الحضور في مكان ما أكثر متعة بالنسبة لنا من تواجدنا في ذلك المكان فعلاً. يعود السبب إلى قوة ورقّة الخيال. اللذات الخيالية أقوى من اللذات الحسية، حيث أن الخيال أولاً هو حد فاصل بين المادة والمجردات ويعمل بشكل مستقل عن المادة إلى حد كثير، وثانيًا لا يمكننا تحديد مكان معين كمصدر اللذة، لأننا نغرق في اللذة بمجرد التخيل. تنطبق هذه القاعدة على اللذات الوهمية والعقلية وماوراء العقلية أيضًا.
- اللذات الوهمية أو الموهومة: هي اللذات التي تنبع من إدراكات وهمية، ولها لذة أكثر من اللذات الخيالية. فلذة اللعب ومشاهدة الأفلام وكرة القدم، ولذة التغلب على الآخرين في المسابقات الرياضية، ولذة التفوق في العمل كرئيس شركة أو مدير مؤسسة، واللذة التي نشعر بها عندما نسمع مدحاً وتقديرًا من الآخرين، جميعها من اللذات الوهمية. اللذات الخيالية والوهمية لها قوة كبيرة لدرجة أن العديد من الأفراد يكونون على استعداد لتجاهل لذائذ الجسم والحواس لكسب هذه اللذات.
- المتعة العقلية: من بين اللذات التي ذكرناها حتى الآن، فإن اللذات العقلية هي الأكثر قوةً وتمتاز بشدة أكبر. قراءة سيرة حياة العلماء والمفكرين تظهر هذه النقطة بوضوح، حيث تبين أن لذة التعلم واكتشاف الحقائق للذين خاضوا هذه التجربة كانت كبيرة لدرجة أنهم تحملوا أكبر التحديات والصعوبات لكي يحققوها.

ولكن تعتمد مدى لذة أي شخص من شيء ما على أسلوب حياته واختياراته الواعية. على سبيل المثال، تصبح قوة الخيال أقوى عند الذين يشغلون أنفسهم بالأمور الخيالية بشكل كبير مثل مختلف فنون الإبداع، وبالتالي مع مرور الوقت تأخذ اللذات الخيالية مكانة وأهمية أكبر عندهم مقارنة مع الآخرين.
ما هي اللذة العليا وما هي العلاقة بينها وبين سلامة قلوبنا؟
من بين جميع قوى النفس، تعود اللذة العليا إلى قوة ماوراء العقل. ماوراء العقل أو القلب، هو العنصر الأرقى في وجود الإنسان، وتجاربه تخلق أعظم وأحلى وأعلى مستويات اللذة في روحنا، شرط أن نكون قد وفرنا لأنفسنا أساس هذه اللذات الرفيعة.
إنّ اللذات المرتبطة بماوراء العقل هي تلك الحالات الفائقة التي يتلقاها الإنسان نتيجة الاتصال باللانهائية وتجربة الشعور باللامحدودية في النفس. إنها لذة لا مثيل لها مقارنة بأي شعور آخر وقد تكون قادرة على إزالة جمیع أنواع الآلام في كل مستويات وجودنا بشكل كامل. لقد شعرنا جمیعًا بلذة الاتصال بالله وفهم الحالات الروحية الممتعة، ولكن مدى استمرار هذا الإحساس في وجودنا أو تكراره خلال حياتنا يعتمد على عوامل متعددة، وأهمها هو مدى تغذية قوى النفس.
كما قلنا، كلما قدّمنا المزيد من الأهمّية لأي بعد من أبعاد وجودنا وقمنا بتلبية احتياجاته، أصبح ذلك البُعد أقوى مع مرور الوقت وأصبحت لذاته أكثر حلاوة بالنسبة لنا. لذا إذا لم تكن الرفقة والانس مع الله هي اللذة العليا بالنسبة لنا، فيجب علينا البحث عن القوة من وجودنا التي قد نمت بلا حدود وأخذت زمام الحكم على وجودنا. هل هي الحس، أو الخيال، أو الوهم، أم العقل؟
على الرغم من أن عدم الاستمتاع بالمحبوب في جميع مراتب وجودنا هو علامة المرض، فإن هذا الأمر يكتسب أهمية أكبر في مستوى ماوراء العقل. حيث أن كل هويتنا وشرفنا وإنسانيتنا تعتمد على جزءنا ماوراء العقلي، وإذا لم يكن هذا الجزء قادرًا على الاستمتاع بمعشوقه، فإننا قد ابتعدنا عن مسار الإنسانية وأصبحنا مصابين بمرض حاد يُعرف بـ “قسوة القلب”. المشكلة هنا هي أن التفرغ لأيٍّ من قوى النفس ولذاتها، على الرغم من أنه لذيذ، إلا أنه یبعدنا عن اكتساب اللذة العليا الموجودة في العالم، اللذة الخالدة الوحيدة التي تعادل الوصول إلى السعادة والسكينة الدائمتین، وهي لذة اتصال الجزء ماوراء العقلي من وجودنا مع محبوبه اللانهائي.
لذا، يجب على كل واحد منا، في أي مرحلة من مراحل الحياة التي نمر بها، أن نتوقف قليلاً ونُجيب عن هذه الأسئلة المهمة بصدق وبدون أي مجاملة:
- ما هي اللذة العليا التي أشعر بها في حياتي ولأي أنشطة أخصص أوقاتي الأكثر متعة؟
- هل يكسبني الحديث والانغماس في الوحدة مع الله نفس اللذة التي أجدها في التحدث مع شريك حياتي أو صديقي وما إلى ذلك؟
ما هي إجابتك على هذه الأسئلة؟ وكيف يمكننا في رأيك إدارة لذّاتنا؟