مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

ما هو واجبنا تجاه أهل البيت علیهم السلام؟ المودّة أم المحبّة؟

جدول المحتويات
ما هو واجبنا تجاه أهل البيت علیهم السلام؟ المودّة أم المحبّة؟

كيف تؤثر المودّة أم المحبّة للإمام في أسلوب حياتنا؟

كثيرٌ منّا سمع بمفهومي المودّة والمحبّة، وربّما استخدمهما في حديثه اليومي، غير أنّ قلّةً قليلة تدرك عمق هذين المعنيين وما ينطويان عليه من أثرٍ في حياة الإنسان الفرديّة والاجتماعيّة. إنّ الفهم السطحيّ لهذين المفهومين لا يقتصر ضرره على حياة الفرد فحسب، بل قد يمتدّ ليترك بصمته المؤلمة على مسيرة البشريّة جمعاء. قد يبدو في الوهلة الأولى أنّ المودّة والمحبّة كلمتان مترادفتان، لكنّ الحقيقة أنّ بينهما فارقًا جوهريًّا يجعل نتائج كلٍّ منهما مختلفة تمامًا عن الأخرى.

فنحن البشر، بطبيعتنا، نميل إلى ما نراه كاملاً أو جميلاً أو قويًّا أو عالِمًا أو كريمًا. ومن ثمّ، فإنّ محبّتنا للأنبياء والأئمّة والأولياء الذين تجلّت فيهم أسماء الله وصفاته، أمرٌ فطريّ وبديهيّ، فإنّهم مرايا صافية تعكس الكمال الإلهيّ في أسمى صوره.

ولكن هنا يُطرح السؤال الأهمّ: هل تكفي المحبّة وحدها للإمام المعصوم، كإنسان كامل جعله الله قدوةً وهادياً لنا في طريق الوصول إلى الغاية من خلقنا؟ هل بمجرّد أن نحبّه نكون قد أدّينا ما علينا تجاهه، وسرنا معه في الطريق الذي يوصلنا إلى الله؟ لو كانت المحبّة تكفي، فلماذا قُتل الأنبياء والأئمّة عبر التاريخ؟ ولماذا حُرمنا اليوم من نعمة حضور الإمام المعصوم بيننا؟ أفلم يكونوا محبوبين في قلوب الناس؟

وهنا نصل إلى الحقيقة الكبرى: إنّ العنصر المفقود في علاقتنا بالمتخصص المعصوم ليس هو المحبّة، بل ما هو أعمق منها؛ إنّه المودّة. فـ المودّة ليست مجرّد شعورٍ عاطفيّ، بل هي محبّةٌ تمتزج بالطاعة وتثمر الفداء والتضحية. بل هي أن نحبّ، ولكن بحركةٍ وسلوكٍ وولاءٍ يترجم هذا الحبّ إلى اتباعٍ عمليّ. وهذا أمرٌ مألوف حتى في حياتنا اليوميّة؛ فلا يُقبل من أحدٍ أن يعبّر عن حبّه لشخصٍ دون أن يسعى لإرضائه أو يبذل جهدًا من أجله.

فكيف نقبل لأنفسنا أن نكتفي بمحبّةٍ خاليةٍ من الفعل تجاه من جعلهم الله وسائط رحمته في الأرض؟ كيف رضينا، عبر السنين، أن نعيش بوهم المحبّة لأهل البيت عليهم السلام دون أن نخطو خطوةً نحو المودّة الحقيقيّة لهم؟

إنّ الجواب عن ذلك يكمن في سوء فهمنا لطبيعة العلاقة الصحيحة مع أهل البيت، وفي الخلط بين المودّة والمحبّة. لقد حسبناهما شيئًا واحدًا، فظننّا أنّ المحبّة تكفي، واكتفينا بها! ولكنّ إصلاح هذا المسار يبدأ بمعرفة معنى المودّة الحقيقية، كما حدّدها القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلّم: «قل لا أسألكم عليه أجرًا إلاّ المودّة في القربى».[1]  فالنبيّ لم يطلب من أمّته محبّةً عاطفيّةً فحسب، بل مودّةً صادقةً فاعلة، تقوم على الاتّباع والطاعة، وتثمر في السلوك والعمل.

في هذا الدرس، سنتناول مفهوم المودّة، وكيف يمكن أن تنشأ في القلب، وما هي آثار فقدانها في علاقتنا بأهل البيت (عليهم السلام)، لندرك كيف تتحوّل المودّة من مجرّد شعورٍ إلى أسلوب حياةٍ يقرّبنا إلى الله.

الفارق بين المودّة والمحبّة

كما ذكرنا سابقًا، المودّة أسمى من المحبّة، فهي ليست مجرّد شعورٍ عاطفيّ ساكن، بل محبّةٌ تُحرّك صاحبها نحو العمل والبذل والعطاء. ولكي نصل إلى فهمٍ عمليّ و واضحٍ لهذا الفرق، دعونا نتأمّل في أثر كلٍّ منهما في حياتنا الفرديّة و الاجتماعيّة.

• أثر المحبّة

إنّ وجود المحبّة في القلب يجعلنا نأنس بذكر أهل البيت عليهم السلام، و نحزن لحزنهم، و نفرح لفرحهم، فنشارك في مجالسهم و أعيادهم و مآتمهم، و ربما ننفق من أموالنا لإحياء تلك المناسبات، أو نساهم في خدمتها. كلّ هذا جميل ومحبوب عند الله، غير أنّه لا يُحدث بالضرورة تغييرًا جذريًّا في أسلوب حياتنا. ففي كثير من الأحيان، تبقى هذه المحبّة عاطفةً معزولة عن قراراتنا و سلوكنا اليوميّ. فترانا نعيش حياتنا كالمعتاد، نعمل وندرس ونخطّط لأمورنا المادّية، ثمّ نخصّص ركنًا صغيرًا في القلب لأهل البيت نلجأ إليه عند الحاجة، نطلب منهم البركة والشفاء وتيسير الأمور، وكأنّهم مجرّد ملاذٍ روحيّ نلوذ به حين تضيق بنا الدنيا. بل إنّ مثل هذا المستوى من المحبّة قد نجده حتى عند غير المسلمين الذين تعرّفوا على جمال أخلاقهم ونبل سيرتهم؛ إذ يُحبّونهم إعجابًا بشخصهم، لا التزامًا بنهجهم. فالمحبّة وحدها، وإن كانت عاطفةً نبيلة، لا تصنع من الإنسان تابعًا حقيقيًّا، ولا تبني أمّةً تسير على خطى الهداية.

• أثر المودّة

أمّا المودّة، فهي أعمق بكثير من ذلك؛ فهي محبّة تتحوّل إلى التزامٍ وولاءٍ وطاعةٍ وعمل. إنّها محبّة تدفعنا لأن نرى في الإمام قائدًا ومربّيًا ومرجعًا في كلّ تفاصيل الحياة، لا مجرّد رمزٍ روحيّ نُبجّله من بعيد. فحين تسكن المودّة القلب، تتغيّر حياة الإنسان من جذورها؛ عندها تصبح قراراته، واختياراته، وعلاقاته، وسلوكياته كلّها مرتبطة برضا الإمام وغاياته. فلا يعود العمل مجرّد وظيفة، ولا الدراسة مجرّد وسيلة للرزق، بل خدمةٌ لهدفٍ أسمى هو نصرة الحقّ الذي يمثّله الإمام. كما يصبح عندها للإمام حضورٌ دائم في وجداننا، فيقرّ فينا إحساسٌ بالمسؤوليّة تجاهه، فنشعر بأنّ علينا دورًا في نصرته وإحياء أمره. ونبلغ من عمق المودّة حدًّا يجعلنا نضحّي بالمال، والوقت، والراحة، بل وبأنفسنا في سبيل قضيّته.         

معيار للمودّة الصادقة

لا شكّ أنّ المودّة، شأنها شأن المحبّة، ليست على درجةٍ واحدة، بل لها مراتب وطبقات تختلف باختلاف عمقها في القلب وامتدادها في العمل والسلوك. لكن ما هو المعيار الحقيقيّ الذي نقيس به مستوى مودّتنا لأهل البيت عليهم السلام؟ من الطبيعيّ أنّ من يكتفي بإنفاق شيءٍ من ماله في سبيلهم، ليس كمن يملأ الإمامُ حياته حضورًا و يجعل لأجله المال والوقت والروح والكرامة رخيصةً بين يديه. فالمودّة تتجلّى في حجم حضور الإمام في وعينا اليوميّ، وفي مدى تأثيره على أولويّاتنا واهتماماتنا. فلننظر بصدقٍ إلى أفكارنا وهمومنا اليوميّة: ما الذي يشغل بالنا أكثر؟ هل يحتلّ الإمام ودعوته وهمومه موقعًا متقدّمًا في قائمة أولويّاتنا، أم أنّه يظهر فقط في لحظات الدعاء والضيق؟

نحن بطبيعتنا، نضع في مقدّمة أولويّاتنا ما نراه أغلى وأهمّ. وبقدر ما يكون الإمام حاضرًا في تخطيطنا، وقراراتنا، ومشاريعنا، وأحاديثنا، تكون مودّتنا له أعمق وأصدق. إنّ أسلوب حياتنا هو مرآة تكشف مستوى مودّتنا ومعرفتنا بأهل البيت عليهم السلام، فكلّما اتّسع حضورهم في تفاصيل حياتنا، تجلّى فينا حرصٌ أكبر على تنفيذ وصاياهم والسعي في تحقيق أهدافهم.

عندما يصبح الإمام همّ القلب ومحرّك الفكر، يضيق صدرنا إن لم نجد لأنفسنا دورًا في خدمته، ونشعر أنّ سكينتنا الحقيقيّة في العمل لأجله. فنبدأ نخصّص من أموالنا، وطاقتنا، ومشاعرنا، ومواهبنا نصيبًا له ولرسالته. عندها فقط، يكون القلب قد تعلّق بالإمام تعلّقًا يجعلنا نقدّم رضاه على رغباتنا، وننفق من أنفسنا في سبيله دون تردّد. غير أنّ بلوغ هذه المرتبة من المودّة لا يتحقّق إلا بعد معرفة النفس وفهم موقعنا الحقيقيّ كـ أبناءٍ روحيّين لأهل البيت عليهم السلام، نعيش بهديهم وننتمي إلى نهجهم انتماءً عمليًّا. فمن عرف نفسه، وعرف إمامه، علم أنّ المودّة ليست شعارًا يُقال، بل حياة تُعاش.

رابطةٌ حقيقيةٌ قائمةٌ على المودّة

وإن كنّا، في بُعدنا الماديّ والجسديّ، ننتسب إلى والدٍ ووالدةٍ معلومين، إلّا أنّ حقيقتنا الأعمق وأصل وجودنا إنّما هو من نورِ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم). لقد خُلقت أرواحُنا من ذلك النور، فهي منسوبةٌ إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ولهذا فإنّهم في مقام آبائنا السماويَّين. ومن هذه الصلة تتكوَّن في فطرتنا رابطةُ مودّةٍ ومحبةٍ تجاههم، تنبض في أعماق كياننا دون تعلّمٍ أو تلقين.

إنَّ إدراكنا لمراتب وجودنا والوقوف على جوهر حقيقتنا، هو المدخل لتأسيس علاقة تتسامى عن المعهود مع الأئمة (عليهم السلام)، فنشعر معها بأننا جزء أصيل من كيانهم؛ أبناءٌ حقيقيون في محضنهم. وبقدر ما نُدرك هذه الصلة القريبة ونؤمن بها، نزداد استعدادًا للتضحية في سبيل عائلتنا الحقيقية، ونبذل من أجلها الغالي والنفيس. ولهذا فإنّ صلةَ الرحم و علاقات أسرية بيننا وبينهم أمرٌ طبيعيّ، بل هو من واجباتنا التي نقوم بها بشوقٍ وسرور.

إنّ عمقَ الرابط الحقيقيّ الذي يجمعنا بأهل البيت (عليهم السلام) يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمقدار استحضارنا لهذه الصلة في قلوبنا، سواءً بالتفكّر أو التذكّر أو الخيال؛ فكما أنّ الخيال يبعث فينا دوافعَ كثيرة للحركة والعمل، فإنّه في مودّة أهل البيت يعمل كجناحٍ قويٍّ يرفعنا ويمنحنا القوّة. فهو لا يكتفي بأن يغذّي قلوبنا بالمحبّة، بل يمدّنا بالشجاعة على البذل والتضحية في سبيل أصلنا وحقيقتنا.

في  هذا الدرس تناولنا أثرَ مودّة أهل البيت عليهم السلام في حياة الإنسان، والفارقَ بين من يملك مودّةً حقيقيةً لهم ومن يكتفي بمحبّةٍ عابرة، كما بحثنا في لوازم هذه المودّة تجاه عائلتنا الأصلية والسماوية، وفي معيار يُقاس به صدقُ هذه المودّة وعمقُها. غير أنّ الطريق إلى هذه المودّة لا يخلو من العوائق، وسنتحدّث عن تلك الموانع في دروس قادمة بإذن الله تعالى.

[1] سورة الشوری، الآية 23

اكتب رأيك