من هو الإنسان العاقل؟ هل هناك معيار صحيح وحيد للعقلانية؟

جدول المحتويات
ميزات الإنسان العاقل: هل العقل هو الذكاء؟

ميزات الإنسان العاقل: هل العقل هو الذكاء؟

في هذه الأيام، وبفضل الجهود العلمية الجادة التي حققها علم النفس، يتم التعرف على الذكاء من قبل الجميع ويُعتبر نعمة، كما يُربط بينه و بين النجاح. ولكن، هل يعني كل ذكاء عقلاً؟ لقد أثبتت امثلة عديدة لأشخاص أذكياء ارتكبوا أخطاء. فالعديد منا، على رغم مساعينا لإظهار ذكائنا وذكاء أطفالنا، إلا أننا لا نسعى للتصرف بشكل عقلاني. يكمن العقل في القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، بينما الذكاء هو التمييز بين ماهية الأمور وفهم المبادئ والقواعد. العقل يشبه الفرامل التي تمنعنا من الانزلاق أو الإفراط في القيام بأي تصرف، سواء كان ذلك تخطيطا أو تناول الطعام أو اختيار اللباس أو زواجا، وبالتالي فهو يحمينا من الانحياز والتقييد ويوجه مسارنا نحو الأبدية واللانهاية بدقة وكمال.

ما هي سمات الإنسان العاقل؟ وكيف يمكننا أن ندرك عقلانيتنا؟ لقد سمعنا وقرأنا الكثير عن الإشادة بعقل الشخص الفلاني أو العملية العقلانية الفلانية. ومع ذلك، يبقى السؤال: من أي وجهة نظر ینبع هذا التعریف للعاقل تختلف المعايير التي نستخدمها لقياس العقلانية بين الأشخاص والثقافات، وأحد المعايير لتقييم مدى العقلانية في كل فرد هو العقل. إن من يفقد رؤية شاملة وصحيحة للعقل والإنسان وجمیع أبعاد وجوده وغاية خلقه، فإنه لن يكون قادراً على التوجيه في هذا الشأن. وبما أن العالم مبني على المعايير والقواعد الریاضية، فمن الطبيعي أن تكون هناك مؤشرات وقواعد لتقييم مدى عقلانيتنا. كما أن مدى عقلانيتنا تتضح بوضوح في انسجامنا مع المؤشرات في اتجاهاتنا وتفضيلاتنا وما نحبه أو نميل إليه. سوف نستكشفهنا ملامح العقلانية التي تجعلنا عقلاء، ونناقش تأثير العقل على مسار حياتنا و الأبدية التي تنتظرنا.

الإطارات العقلانية

تطرقنا إلى أهمية معرفة من يحدد المعيار والمقياس لكوننا عقلاء. إذن فمن الطبيعي أن يكون أفضل معيار لتقييمنا هو المعايير التي وضعها الشخص الذي خلقنا والذي يعرفنا كاملة، ويدرك نقطة المبدأ والمقصد والتحديات التي نواجهها في رحلتنا، بالإضافة إلى الغاية التي خَلَقنا من أجلها. إذا كانت حياتنا تقتصر على الدنيا فقط، فمن الطبيعي أن تأخذ سلوكياتنا وقراراتنا طابعًا مختلفًا. ولكن هناك أبدية بانتظارنا و تؤثر بدورها على كافة قراراتنا وتصرفاتنا بشكل كبير في هذا الدنيا الزائلة، وإذا لم نأخذها بعين الاعتبار فإن الضغوطات العديدة في الحياة ستبدو غير عادلة و بلا معنى و قد تصبح لا تطاق.

في النظام القيمي الإلهي، العقل السليم هو ذلك الذي إذا خُيِّرَ بين القليل والكثير، فإنه سيختار الكثير بلا شك، وبين كل ما هو مؤقت و أبدي فإنه يسعى نحو اللانهاية و يفضل الآخرة على الدنيا بالتأكيد. والعقل السليم هو الذي عندما يتصرف وفقًا لإطاراته المنطقية، فإنه سيتجه بلا شك نحو الخيارات التي توفر له المزيد والأكثر اتساعًا ولا محدودية. على سبيل المثال، إذا كان أمام شخص الاختيار بين الاشتراك مجانا شهریًا والاشتراك مدى الحياة مجانًا في تطبيق ما، فإنه سوف يفضل الخيار الثاني بالتأكيد، وإذا كان عليه أن يختار جائزة بقيمة مالية قليلة مقابل جائزة بقيمة كبيرة، فإنه يختار الجائزة الأكبر بدون تردد.

ولكن على الرغم من ذلك، عندما يتعلق الأمر بالاختيار بين الدنيا والآخرة، يفضل العديد منّا إعطاء الأولوية للدنيا. فمثلٌا نضع أنفسنا على استعداد لتحمل العذاب والمعاناة الأبدية بدلاً من الالتزام بمتطلبات الولادة السليمة في الآخرة، حیث نتبع ما تهواه نفوسنا في الدنيا؛ أي نختار الملابس التي نحبها، ونعيش في الأماكن التي نفضلها، ونتخذ القرارات التي تروق لنا، سواء كان ذلك يتعلق بالمظهر الخارجي أو مكان الإقامة أو اختيار صديق أو شريك حياة. بینما نحن من وجهة نظر الله، لسنا عقلاء إلا إذا كانت جميع تصرفاتنا وقراراتنا في المعاملات واختيارات الوظائف ومجالات الدراسة وفيما يتعلق بالأصدقاء و مكان الإقامة، تسهم جميعا في تقرّبنا من الله والوصول إلى قلب سليم کأداة لنا في الحياة الآخرة. إذن ومن وجهة نظر معايير الدنيا، ليس من المهم أن نشغل أنفسنا كثيرا بمظاهر الكمال، لأن هذه الأمور ستنقضي بأي حال من الأحوال في حياتنا في الدنيا. ولكن ما يهم حقًا هو كيف نشغل قلوبنا و فيما نميل إليه، وكيف نستثمر عمرنا ومواهبنا ومشاعرنا وولاؤنا، لأن هذا ما يؤثر بشكل كبير وحاسم على مصيرنا. إنّ ما يعبر عن مدى نضج أفكارنا و وعينا هو اختيارنا بين جاذبية الحياة المحدودة الدنيوية وبين الجمال والمتع اللامحدودة السماوية اللانهائية.

مع الأسف، يبدو أن معيار العقلانية والحكمة قد تحوّل في العصر الراهن. من وجهة نظر أهل الدنيا وكل من یفضل المتع الزائلة والمحدودة الدنيوية على الحياة الآخرة الخالدة، فإن الشخص العاقل هو من يمتلك أكثر علما وثروة وشهرة وسلطة ومكانة وجمالا. بینما من وجهة نظر الله، فإن الدنيا بجميع رفاهيتها وزخرفتها هي لعبة بسيطة بالنسبة للحياة الآخرة. في نظام قيم الله، إذا أعطينا الأولوية للحياة الدنيا على الآخرة ولم نضع الحياة الآخرة والبقاء في المقام الأول في اختياراتنا وعلاقاتنا وأفكارنا وتصرفاتنا، فإننا سنجد أنفسنا غير مستقيمين و غیر سليمين عقلياً، بغض النظر عن نجاحنا وشهرتنا في الدنيا.

الإنسان العاقل يفهم حدود الله وأقداره

كما علمنا سابقًا، إن الجانب ما وراء العقلي للإنسان هو الذي يجعل منه إنساناً، و بما أن الله نفخ فيه من روحه، صار حب الكمال المطلق واللانهایة جزءًا من وجوده. غیر أنّ القيود المادية في الدنيا تحول دون تجلي محبوب الجانب الإنساني له، أي الله. لذا، إذا وصلنا إلى النضج الإنساني وأصبحنا “إنسانا”، فمن الطبيعي أن نبحث عن محبوبنا الرئيسي في الدنيا. و أما الجنة فهي تُعتبر مكانا أكثر اكتمالًا حيث يتجلى الله فيه بكل جماله. وعلى الرغم من أننا قد نعتاد على الالتصاق بمتع الأبعاد الدنيوية من خلال علاقتنا بالدنيا، إلا أن العاقل لا يستبدل الجنة الأبدية التي هي مكان تجلي محبوبه الأعلى، بالعالم المحدود حيث يلتصق الإنسان بمتع أبعاده الوجودية الادنى.

تظهر درجة عقلانيتنا وحكمتنا من خلال توافق آراؤنا واهتماماتنا وشهواتنا ومحبتنا و نظام حبنا مع مقادير الله وجانبنا الإنساني، إذ أن الإنسان العاقل يضبط معايير تمييزه في جميع اختياراته وعلاقاته وسلوكياته وترتيبات أفكاره وفقًا لمعاییر الله الذي خلقه عارفا بكل تفاصيل وجوده، لكي يصل إلى السعادة والسلام ويقترب من هدف خلقه.

تطرقنا هنا إلى صفات الإنسان العاقل من منظور الله، حيث أشرنا إلى أن مدى عقلانيتنا تتوقف على اختياراتنا بين القليل والكثير، وبين المؤقت والأبدي، وفي النهاية بين الدنيا والآخرة، وتعكس اتجاهاتنا ومحبتنا واختياراتنا مدى العقلانية لدينا. قد نكون أشخاصًا أذكياء للغاية، و من النخب والعلماء المتميزين، لكن هذا لا يكفي ليجعلنا “أشخاصًا عقلانيين“!

هل تتماشى معاييرك مع معايير الله للإنسان العاقل؟ هل تعرف عوامل أخرى يمكن من خلالها قياس مدى العقلانية؟

اكتب رأيك