ماهي العصمة؟ وهل عصمة الإنسان والملائكة من نوع واحد؟
العصمة أو المعصومية من المصطلحات التي على الرغم من كونها متخصصة، إلا أنها موجودة في المفردات العامة لدى الناس. فعلى سبيل المثال، سمعنا كثيرًا عبارة: «کم هو طفل معصوم!» أو نستخدم عبارة «الأئمة المعصومین ع» أو نقول مثلا «الملائكة كائنات معصومة وبريئة». ولكن هل المقصود بالعصمة هو نفس المعنى في كل هذه الحالات؟
العصمة هي الابتعاد والأمان من ارتكاب الذنوب والأخطاء وبصورة عامة تدل على الطهارة والبراءة من الوقوع في الذنوب والمعاصي. عندما نقول: “الأطفال المعصومين” نشير في الواقع إلى المعنى العام للعصمة، ولكن في الحالتين الأخريين فإن نوع العصمة ومصدرها يختلف، رغم أنها تدل على الابتعاد والأمان عن ارتكاب الذنوب والأخطاء. قد يكون سبب الأسئلة والشبهات المرتبطة بالعصمة هو عدم فهم هذه الفروق. أحد هذه الشبهات هو مثلا كون الملائكة مخلوقات معصومة، فلماذا يُعتبر الإنسان أشرف المخلوقات؟
في هذا المقال، سنقوم بشرح عصمة الملائكة والفارق الجوهري بين هذه العصمة والعصمة الموجودة في الإنسان. ولكن للوصول إلى هذا الموضوع، يجب أولاً أن نقدم إشارة قصيرة إلى البنية والخصائص الذاتية عند الملائكة والإنسان.
دواعي عصمة الملائكة
لقد أشرنا في مقالة “اشتراك الإنسان مع الكائنات الأخرى كعامل رئيسي لفهم بنية النفس الإنسانية” إلى أن بنية النفس في الإنسان تتألف من خمس مراتب وهي: الجمادية، النباتية، الحيوانية، العقلية، وماوراء العقلية. بعبارة أخرى كل مخلوق في هذا العالم ينتمي إلى إحدى هذه المراتب، وبناءً على المرتبة التي يتواجد فيها، فإنه يتمتع بمجموعة من الخصائص والكمالات الجوهرية. كل مرحلة في هذه الدرجات الوجودية تضم كمالات المراحل الأدنى منها. على سبيل المثال، الحيوان هو في مرتبة الحيوانات، ولكنه لا يزال ينمو ويتكاثر كالنباتات، لديه وزن ورائحة كالجمادات.
تنتمي الملائكة إلى المرتبة العقلية، غير أن لها فارق رئيسي عن باقي المخلوقات، وهو أن الملائكة هم أشكال غير مادية أصلا، وبالتالي فمن الطبيعي أنها لا تحتوي على كمالات المخلوقات المادية منها الجمادية أو النباتية أو الحيوانية. لذلك فإنها لا تتأثر بالتأثيرات السلبية الناتجة عن الكمالات الوهمية والخيالية التي تعتبر مقدمة لارتكاب الخطايا. الملائكة هم معصومون لأن ارتكاب الخطأ غير معرّف لديهم، وبما أنهم كائنات غير مادية في المستوى العقلي، لذا فإنها لا يمكنها الوقوع في الخطايا ولا أن تنمو وتتطور إلى درجة ماوراء العقل التي تخص الإنسان. إذن فإنّ عصمة الملائكة ليست اختيارية وتعتبر جزءًا من كمالات وخصائص طبيعية لهم، وبالتالي، لا توجد لهم جنة ولا نار.
الفرق بين عصمة الإنسان والملائكة
كيف ولماذا وصل الأئمة المعصومون إلى مرحلة العصمة؟ هناك إجابتان شائعتان لهذا السؤال:
- المعصومون لا يخطئون، لأنهم يعرفون سبب السيئات ويكونون على دراية بالجوانب الخفية الباطنية لها. أما نحن، فإننا نرتكب السيئات مع أننا نعلم أسبابها و نتائجها. على سبيل المثال، الكثيرون من المدخنين يعلمون عن أخطار التدخين، ولكنهم يستمرون في ذلك حتى عندما يتعرضون لأمراض القلب بسببها. أو الكثيرون منا، على الرغم من أننا نعلم عن آثار الأكل السريع، نستمتع بذلك بشغف. لذا، مجرد معرفة سبب سوء الأعمال ليس كافيًا لتجنب الخطأ والاشتباه.
- المعصوم لا يرتكب الذنوب لأنه ليس قادرًا على ذلك. عندما ينال الإنسان مرتبة العصمة، فإنه على عكس الملائكة لا يزال لديه إمكانية ارتكاب الذنب، أي أنه رغم امتلاكه المراتب والكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية التي قد توفر له الأرضية لارتكاب الخطيئة والذنب، إلّا أنّ القوة الكبيرة لمستواه ماوراء العقلي لا تسمح له بالتوجه إلى الخطأ. أشرنا في المقالات السابقة إلى أنه عندما نسمح للبعد الإلهي الذي يدعى ماوراء العقل بأن يحكم وجودنا، فإننا سوف نجد أنفسنا في حالة توازن وتناغم إنساني. إذا نال الإنسان درجة المعصومية فسوف يولد هذا التوازن إلى حد يجعله غير قادر على الانجراف نحو الخطأ والذنب.
لذلك، يمكن القول إن الفارق الرئيسي في المعصومية بين البشر والملائكة يعود إلى الاختلاف في بنية وجودهم، إذ أن عصمة الملائكة ليست اختيارية بل تنبع من بنية وجودهم، بينما عصمة المعصومين من البشر تأتي نتيجة جهودهم وسعيهم لسيطرة ماوراء العقل على جوانب وجودهم الأخرى. وبالتالي، فإن هذه المعصومية هي اختيارية وقابلة الوصول. وعلى الرغم أن معصومية المعصومين ليس بسبب وعيهم بباطن السيئات فقط، إلا أن هذا الوعي لا يخلو من التأثير على تحقيق المعصومية لديهم، ويمكن أن يكون نقطة انطلاق لحركتهم نحو حاكمية ماوراء العقل على وجودهم.
شبهات حول عصمة الملائكة
من خلال فهم هذه الاختلافات، قد أصبحت الإجابة على الأسئلة التي طرحناها في بداية المقالة أكثر وضوحًا. إننا ندرك الآن لماذا أصبح الإنسان أشرفَ المخلوقات رغم وجود عصمة الملائكة. الملائكة ليس لديهم القدرة على ارتكاب الذنوب بسبب بنية وجودهم، وهم معصومون بشكل غير اختياري. بعبارة أخرى، لا تمتلك الملائكة قدرة على ارتكاب الخطيئة، وهذا ما يجعل قيمة عصمتهم أقل من عصمة الإنسان.
قد وصل المعصوم إلى العصمة بإرادته وجهده الشخصي، حيث أنّه نال درجة من القدرة الإنسانية أو ماوراء العقلية عبر التقوى، إذ أنه لايميل إلى ارتكاب المعاصي أبدا ولايخرج عن الاعتدال الإنساني. وبالتالي، على عكس الملائكة التي تُعتبر عصمتهم سمة ذاتية وفطرية، فإن الإنسان المعصوم ينال العصمة بناءً على اختياره، ولهذا السبب يحتل مكانةً أعلى.
عندما أصبحت بنية وجود الملائكة وسبب عصمتهم واضحة بالنسبة لنا، ستزول الشبهة حول كون إبليس من الملائكة، لأنه إذا كان إبليس ملاكًا حقاً، لم يكن لديه القدرة على القيام بالمعصية. وبالتالي، فإنه ينتمي إلى فئة أخرى من الكائنات غير المادية التي تمتلك الإرادة.
في هذه المقالة، قمنا بتعريف العصمة، وفهمنا أن جوهر عصمة الملائكة يختلف عن عصمة الإنسان المعصوم. لقد وصل الإنسان المعصوم إلى حالة من التوازن الإنساني بسبب كمال وسيطرته الكاملة على مرتبة ماوراء العقلية، لا يمكنه فيها الانحراف نحو الخطيئة والسقوط، بينما تعتمد عصمة الملائكة على بنية وجودهم، وليست ناتجة عن الاختيار.