ما هي التشابهات السلوكية والوجوه المشتركة بين الإنسان والكائنات الأخرى؟
عند النظر حولنا نرى أنفسنا محاطين بعالم مليءٍ من التصاميم والألوان. إمّا أننا نعيش بين أحضان الطبيعة أو محصورين في بيئة مصنوعة من الحجر والخشب والطوب. قد لا نشعر بأي تشابه بيننا وبين الكائنات حولنا في النظرة الأولى، ولكن من عجائب بنية النفس الإنسانية هي أنّها متصلة بجميع الكائنات في الكون على مستوى ما، سواء كانت جماد أو نبات أو حيوان، و حتى الملائكة والله نفسه. الشيء الوحيد الذي نعرفه هو أن كل هذه المخلوقات قد تم خلقها لأجل الإنسان وبسبب وجوده، ولذلك فإن هناك علاقة بين بنيته ووجود هذه المخلوقات.
إذا تأملنا قليلا ندرك أن البيئة والكائنات المحيطة تتطابق مع حاجاتنا. من مسافة الشمس والقمر عن الكرة الأرضية، إلى الماء الذي خُلق لإرواء عطشنا، والأحجار والمواد المعدنية والجامدات التي تلبي مختلف الجوانب المختلفة من احتياجاتنا، والعديد من الأمثلة الأخرى. في الواقع، لا يمكن لشيئين أن يكونا متطابقين دون وجود أي ارتباط بينهما، لأن افتراض وقوع الصدفة يمكن أن يشمل ملايين الاحتمالات الممكنة، ولذا فإن توقع توافق كل هذه الاحتمالات في آن واحد و إيجاد اتصال ما بين الإنسان والبيئة المحيطة به، هو مجرد فكرة غير واقعية ويشير إلى وجود تناغم موجه وغير عشوائي في هذا التنسيق.[1] سوف نشرح ذلك بشكل أعمق في المقالات التالية، يكفي الآن أن نعلم أنه يجب أن يكون هناك توافق بيننا وبين بنية العالم. ولكن السؤال هو: أين الاشتراك بين الإنسان والكائنات الأخرى وكيف يتم تحقيقه؟
علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى
صحيحٌ أنّنا نعيش في عالمٍ مليء بالكائنات المتنوعة، غير أنّ لكلٍّ من هذه الكائنات القدرة على التفاعل والارتباط مع المحبوب الذي يكون من نوعه فقط و لا يستطيع أن يرتبط مع محبوب ذا بنية وجودية مختلفة. على سبيل المثال، لا يمكننا أن نتوقّع من حجر أن ينمو كالنباتات أو يسعى للحصول على السلطة كالحيوانات، فالحجر كائن صلب يظهر فقط بعض الخصائص التي تم تعريفها له، مثل الوزن والأبعاد و الخصائص الكيميائية. أما الإنسان فإنه و بسبب تعدد أبعاد بنيته الوجودية، فإن له صلة مع الموجودات كلها. من الظريف أنّ كلٌّ من هذه الموجودات بالإضافة إلى الكمالات المتعلقة بها، فإنها تتوافق ايضا مع كمالات الموجودات التي تمتلك بناءً وجودياً أقلّ منها. بتعبير آخر “إذا كان هناك مائة خصلة جيدة، فإن لدينا تسعين خصلة جيدة أيضا”، حيث أنّنا نحن كبشر، بالإضافة إلى البعد الإنساني، فإننا نملك الأبعاد الجمادية و النباتية و الحيوانية و العقلية، ولذلك فإننا نشمل كمالات الأبعاد هذه كلها.
كما أشرنا في مقالة تعريف الأبعاد المختلفة لوجود الإنسان بتفصيل أكبر، يتكون وجودنا من أبعاد مختلفة، وهذه الأبعاد هي التي تجعل الإنسان مشتركًا مع جميع المخلوقات. فنحن كجسم صلب نمتلك الوزن والحجم والخصائص الكيمائية، ومثل النباتات نمتلك النعومة والجمال والتغذية والنمو والتكاثر، بينما تصبح اشتراكنا مع الحيوانات أكثر وضوحًا وعمقًا، حيث أدت هذه التشابهات الكثيرة إلى أن بعض الفلاسفة مثل أرسطو أطلقوا على الإنسان لقب “الحيوان الناطق”[2]. وهذا لأنّ اشتراكنا مع الحيوانات لا يختص بالصفات الجسدية والظاهرية فقط، بل يشمل سماتنا الخُلقية أيضًا؛ حيث أننا نمتلك الغرائز ومختلف الشهوات ونتزوج ونشعر بالمسؤولية والالتزام، ونسعى لراحتنا وراحة أسرتنا ونخدم زملائنا الذين هم من جنسنا أو من جنس آخر وندافع عن حقوقنا وحقوق أسرنا ولدينا حياة اجتماعية ونمارس المهن ونتبع الهرم الاجتماعي، والكثير من الأمور الأخرى التي تخص الحيوانات أيضا. بالإضافة إلى ذلك، هناك جانبان آخران للإنسان وهما العقل و ماوراء العقل، حيث تم التطرق إليهما في المقالة السابقة تفصيليَا.
فوائد الوعي بالخصائص المشتركة بين الإنسان و الكائنات الأخرى
هل نحن بحاجة إلى معرفة الوجوه المشتركة بين الإنسان والكائنات الأخرى؟ ما فائدة هذا الوعي بالنسبة لنا وما الدور الذي يلعبه في تحقيق هدفنا النهائي؟ في الواقع، من خلال معرفة هذه الخصائص، يمكننا أن نحرر أنفسنا من قيود المعشوقات الجمادية والنباتية والحيوانية وحتى العقلية. وبها يمكننا تشخيص الحالات التي نقوم فيها بخفض قيمة وجودنا الإنساني إلى مستوى جماد أو نبات أو حيوان، واختيار هدفًا لا يتوجب علينا اختياره لأنفسنا.
بالإضافة إلى ذلك، عندما نفكر في العلاقات والوجوه المشتركة بين الإنسان والكائنات الأخرى، نتساءل ما هو الهدف من خلقنا؟ لأننا على الرغم من أننا نحمل سمات المادة والنبات والحيوان، ولكننا في نفس الوقت لسنا جمادا ولا نباتًا و لا حيوانًا. في الواقع، إن الإنسان هو سبب خلق الأشياء التي نراها من حولنا ولهذا فإنه يوجد توافق وتلائم في بنية وجودنا مع سائر المخلوقات. تصور أن شخصًا ما دعاك لتناول الطعام ولكنك تتفاجأ عندما ترى أن ذلك الشخص قد وضع كومة من الأخشاب والقش والورق في طبقك بدلاً من الطعام. هذا يعني أن هذا الشيء الذي تم تحضيره لك ليس متناسبًا بصورة طبيعية مع بنية وجودك لأنك غير قادر على هضمه. وهكذا فإننا إذا لم نكن على دراية بالتوافق والاشتراك بين الإنسان والكائنات الأخرى في هذا الكون، فإن علاقتنا بالكائنات الأخرى ستفقد معناها بنفس الدرجة!
الحاجة إلى الدراسة واستكشاف التشابهات من الخارج
عادة عندما ندرس شيئًا من الداخل كعضو في مجموعة ما، فإن تحليلنا لا يكون شاملًا كافيًا، لاننا نتجاهل الجوانب الحاسمة بسبب منظورنا المحدود. تماما مثل دراسة خصائص منطقة ما دون الاستعانة بصورة جوية لها. وبالتالي، من أجل تعزيز دقة تحليلنا حقًا، من الضروري دراسة الموضوع من وجهة نظر داخلية وخارجية. وأي شيء أكثر حساسية ودقة من معرفة الإنسان الذي يدور الكون كله حول احتياجاته وميزاته؟
لقد قدّم الله لنا فرصة لفحص بنية وجودنا من الداخل والخارج عندما خلق كائناته مع قواسم وجودية مشتركة معنا، لكي نصل إلى رؤية شاملة ودقيقة لأنفسنا.
شرحنا في هذه المقالة أن الإنسان هو السبب الرئيسي لخلق العالم وأنه متوافق مع كافة المخلوقات بنيةً. أشرنا إلى محبوبات مشتركة بين الإنسان والجمادات والنباتات والحيوانات، وتحدثنا عن فوائد معرفة هذه الخصائص المشتركة. وفي النهاية، ذكرنا أننا لن نصل إلى فهم شامل لحقيقة أنفسنا دون دراسة خارجية عن محبوباتنا.
تناولنا أيضا الوجوه المشتركة بين الإنسان مع سائر الكائنات، مما يدفعنا إلى هذا التساؤل: هل صادف وأن انتبهتم من قبل إلى الوجوه المشتركة بين البشر و الكائنات الأخرى؟ ما هو رأيكم في هذا الشأن؟ إذا كنتم متحمسين لمعرفة الاختلافات التي لدينا مع بقية المخلوقات، فسيكون المقال “هل هناك سبب لاختلاف الإنسان عن الكائنات الأخرى؟” مفيدًا بالنسبة لكم.
[1] . سورة البقرة، الآية 29
[2] . Rational animal