ماهية رياضيات الزمن؛ هل هناك قواعد خاصة لـ.الزمان بوصفه رحماً؟

جدول المحتويات
ما سرّ الاختلاف في رياضيات الزمن باختلاف الأيام وما معنى عبارة "الزمان بوصفه رحماً"؟

ما سرّ الاختلاف في رياضيات الزمن باختلاف الأيام وما معنى عبارة الزمان بوصفه رحماً؟

هل سبق لك أن سمعت عن “رياضيات الزمن” أو ” الزمان بوصفه رحماً”؟ كلمة “الزمن” تستحضر في أذهاننا مفاهيم مثل الثانية، الدقيقة، اليوم، الشهر والسنة. بينما يقترن مفهوم “الرياضيّات” في أذهاننا بمجموعة من القواعد، والعلاقات، والأرقام، والمقاييس. بناءً على هذا الفهم الأولي، قد نظن أن “رياضيّات الزمان” أو ” الزمان بوصفه رحماً”، يجب أن تشير إلى العلاقات والمقاييس التي تحكم مرور الثواني والساعة. ولكن، أليست للدقيقة والأيام تعريفاتٌ ثابتةٌ ومعتمدةٌ عالمياً؟

من الظاهر تبدو الثواني والساعة في مسيرة حياتنا متساويةً إحصائياً؛ فساعةٌ واحدةٌ تمضي من عمر الإنسان تستغرق ستين دقيقةً في جميع فصول السنة وأيامها. ولكن، هل يمكننا القول بنفس اليقين إن جودة هذه الدقيقة متماثلةٌ في كل الأوقات؟

إن موضوع “الزمان بوصفه رحماً” ومبحث اختلاف البُنى الرياضية للأزمنة المتعددة، هو مجالٌ نال اهتمام عدد كبير من الباحثين. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن أداء ذهن الإنسان يختلف من وقت إلى آخر، وأن لكل زمن خصوصية تناسب مهامًا معينة. على سبيل المثال، يُقال إن الصباح الباكر هو الوقت الأنسب لدراسة المواد التحليلية مثل الرياضيات، بينما يمكن مراجعة المواد التي تحتاج إلى حفظ في نهاية الليل. وقد بيّنت الأبحاث العلمية أن ساعة الصباح والمساء قد تكون زمنيًا متماثلة، لكنها تختلف من حيث الأثر والفاعلية. وبما أننا نقيم على هذه الأرض لفترة محدودة، فمن الضروري أن نولي الزمن عناية فائقة، وأن نستثمر أفضل ما يمكن من عمرنا المحدود. ولتحقيق هذا الهدف، لا بد من فهم رياضيات الزمن، ومعرفة وظيفة كل وقت على حدة.

لقد جعل الله في أعمارنا أزمنةً خاصة ذهبية، يمكن من خلالها تعويض عقود من التأخّر والتقصير، والتقدّم سريعًا نحو الهدف من خلقنا. هذه الأوقات تشبه وسائل النقل السريعة التي تُقرّب المسافات وتختصر الطريق نحو المقصد. أما القوانين الرياضية التي تحكم هذه الأوقات، تشبه تلك التي تسري داخل الرحم البيولوجي، ولهذا أُطلق عليها اسم “الرحم الزمني”. وسبب هذه التسمية أن الرحم بطبيعته يملك قدرة على البناء؛ فرحم الأم يستقبل نطفة في أضعف حالاتها ويمنحها، خلال تسعة أشهر، ما يُمكّنها من أن تخرج ككائن مكتمل إلى العالم التالي. الأزمنة التي نطلق عليها “أرحام زمنية” تحمل الصفة نفسها: حين ندخلها، تتغير طاقتنا وقدرتنا وتؤدي إلى بناء الروح، فنزداد قوةً وتأثيرًا شريطة أن نُحسن استثمارها، كما هو الحال في ركوب الطائرة: فإن لم نعرف كيف تُقلع، فلن يُجدي الركوب نفعًا.

في هذا الدرس، سنتناول مفهوم الرحم الزمني، ونخوض في رياضيات الزمن، ونتعرّف إلى القواعد الرياضية التي تحكم هذه الأرحام الزمنية، كما سنستعرض بعض الأمثلة على هذه الأزمنة، ونكشف عن وظائفها وآثارها البنّاءة.

مفهوم رياضيات الزمن والرحم الزمني

استنادًا إلى قانون النسبة، فإن العلاقة بين الدنيا وعالم الآخرة، تشبه العلاقة بين رحم الأم والدنيا. لقد منح الله عمر الدنيا خاصية رحمية، بيد أنّه برحمته الواسعة وتدبيره الربّاني، جعل في باطن هذا الرحم الكبير أرحامًا زمنية أخرى، أقوى وأعمق، لكي تزيد من قدرة الدنيا على البناء والارتقاء. تعتبر هذه الأرحام أنفاقًا زمنية تتضاعف فيها فعالية الزمن—سواء في الاتجاه الإيجابي أو السلبي—بصورة غير عادية. ومن خلال دخولنا إلى هذه الأنفاق، يمكننا أن نُسرّع من نمونا، ونقوّي قدراتنا الروحية بشكل ملحوظ. إنّما يُطلق مُصطلح “الرحم الزمني” على تلك اللحظات الفريدة، التي تكتسب فيها النفس استعدادًا استثنائيًا لصدّ الآفات وطرد الرذائل، واكتساب الفضائل واستقبال المحاسن، بسرعة وقوة لا تُضاهى، فكأنّها ولادة جديدة في كل لحظة.

إن وجود هذه الأرحام الزمانية في دنيانا الفانية، ما هو إلا نفحة من نفحات رحمة الله التي لا تنفد، وإشراقة من إشراقات فضله الذي لا يحده حدّ. فلو كانت ساعة العمر كلها سواءً في القيمة والأثر، لأضحت الحياة ضرباً من المشقة، وضرباً من الخطر، إذ لو فرّطنا بخمسين عاماً من أعمارنا، لاجترّ ذلك أن نستوفي مثلها تماماً لتدارك ما فاتنا! ولكن الله، بفيض كرمه وجوده، جعل لنا هذه الأرحام الزمانية، لتكون لنا طوق نجاة، وفرصة سانحة لتعويض ما ضاع في لمح البصر.

إنّ القيام بالأعمال التي تُزكي الروح، في تلك الأوقات المباركة التي تُعرف بـ “الرَّحِم الزماني”، لهو ذو أثر مضاعف، يتجاوز الحسبان والعدّ. وهذا وحده كفيل بأن يمحو آثار التقصير، ويُقرّبنا بخطواتٍ واسعةٍ من الغاية والمقصد المنشود. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ أقصر الدروب لتعويض ما فات من العمر، هو أن نلج رَحِمًا زمانيًا يختلف في تكوينه وحساباته عن سائر الأوقات؛ فالأرحام الزمانية تعمل عمل المحفزات في علم الكيمياء، فبفضلها نستطيع تدارك ما ضاع، وصُنع مستقبلٍ زاهرٍ ومختلف.

ولكن يجب أن نعلم أن فعل الخيرات في هذه الأرحام، له قوة بناء عظيمة، وبالمثل، فإن المعصية فيها تمتلك قوة تدمير مضاعفة. فكما أن خللاً بسيطًا في جينات الجنين أثناء وجوده في رحم أمه قد يُسبب له تشوهًا جسيمًا، فكذلك ارتكاب المعاصي في الأوقات التي تُعدّ “أرحامًا زمنية” قد يُحدث دمارًا بالغًا في الروح. لذا علينا أن نكون في غاية الوعي والتيقظ، وأن نوجّه أنفسنا نحو الجانب الإيجابي من هذه الأرحام. إذا كنا قد عرفنا أنفسنا حق المعرفة وآمنّا بالخلود، فلا بد لنا من أن نعدّ تقويمًا خاصًا، نُسجّل فيه قيمة وأثر كل زمن، فالأزمنة متساوية في الشكل، لكنها ليست متساوية في التأثير.

لا يُفرّط الأذكياء أبدًا في مثل هذه الفرص، فكم من إنسانٍ عاش سنواتٍ طويلة في الخطايا، ثم استيقظ وتعلّم كيف يدخل تلك الأرحام الزمنية، فأعاد بناء روحه، وعوّض ماضيه في ما تبقى من عمره! وفي المقابل، قد يكون هناك شخصٌ صالح، لم يرتكب معصية،غير أنّه لم يُحسن اغتنام الأرحام الزمنية، فإذا به في الآخرة دون من كان دونه في البداية. وهذا الحال شبيه بالتجارة: فقد ترى تاجرًا راكم ثروة طائلة في خمس سنوات، بينما تاجرٌ آخر لم يحقق نصفها في خمسين سنة، لأنه لم يعرف قوانين الربح، ولا أسرار السوق.

أنواع الأرحام الزمنية

الرَّحِم الزمني هو وقتٌ تتساوى فيه الثواني من حيث العدّ مع غيرها من أوقات الدنيا، لكنها تختلف تمامًا في مستوى التأثير والفاعلية. من أجمل التعابير التي تُطلق على هذه الأوقات المميزة هو تعبير “نسيم الحياة”؛ ذاك النسيم الذي إذا عرَضَ للروح، أنعشها وأعاد إليها صفاءها. هذا التعبير ليس مجرّد وصف أدبي، بل هو مستلهم من قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم: «إنّ لربّكم في أيام دهركم نَفَحات، ألا فتعرّضوا لها».[1]

سبب اختيار هذه العبارة ليس فقط ذوقًا أدبيًا، بل هو خلاصة تجربة آلاف الأرواح التي تحوّلت، إذ كانت لحظات تغييرهم الكبرى مقترنةً بهذه الأوقات الخاصة، التي حملت نسائم الرحمة الإلهية وأيقظت فطرتهم، فسلكوا دربًا جديدًا نحو المعنى والهدف. لقد وهبنا الله تعالى بلطفه وربوبيّته فرصًا لا تُعدّ، نتمكن من خلالها من تدارك ما فاتنا، ومحو آثار تقصيرنا، لنستعيد سرعتنا نحو الغاية التي خُلقنا من أجلها.

فيما يلي، سنستعرض بعض هذه الأوقات الخاصة، ونُلقي الضوء على رياضيّات الزمن الفريدة التي تحكمها.

الليل، السَّحر، ووقت ما بين الطلوعين

من بين ساعة اليوم، يظلّ الليل والسَّحر من أعظم الأوقات شرفًا وأعمقها أثرًا، بل ويحملان في طيّاتهما رياضيات زمنية مختلفة تمامًا عن النهار. فكم من أحداث جسام شهدها الليل، وأشار إليها القرآن الكريم، لعلّ أبرزها ليلة المعراج وليلة القدر المباركة. في جنح الليل، تتفتّح الروح الإنسانية على أبعاد جديدة، وتشهد تحولات عميقة. فالفطرة في الليل تكون أكثر استعداداً للتشكّل والنمو، وكأنّ الليل يهبها تربة خصبة وغذاءً مقوياً. وبوجه عام، يزداد في الليل التركيز على الاستمتاع بالملذات، سواء كانت فطرية سامية أم طبيعية حسية. حتى أولئك الذين يميلون إلى الطبيعة بحثاً عن المتعة واللهو، يجدون في الليل ملاذاً آمناً وموطناً دافئاً، لما يوفره من أجواء هادئة وظروف مواتية.

أما أولئك الذين استطاعوا قهر شهوات نفوسهم، واستطاعوا أن يبقوا مستيقظين في ساعة الليل والسحر، فإنهم قد دخلوا إلى مجالٍ زمنيٍّ فريد، حيث تتضاعف قوة السلوك الروحي وسرعته. هنا، يصبح بالإمكان تغذية الجانب ماوراء العقلي، والارتقاء على مدارج النور، في خلوةٍ هادئة لا تتيحها ساعة النهار المزدحمة بالمشاغل والتشويش. ومن بين هذه اللحظات النفيسة أيضًا ما بين الطلوعين، أي الوقت الذي يمتد من الفجر إلى شروق الشمس؛ وهو من أرحام الزمن العجيبة، حيث تفيض فيه الطاقة والبركة، ويُقسَم فيه الرزق، ماديًّا كان أو معنويًّا، وتُصان فيه الأرواح من عذاب الآخرة لمن أحسن استغلاله.[2]

لليلة الجمعة ويومها

تحتل ليلة الجمعة ويومها مكانة هامة بين أيام الأسبوع، حيث يُعتبر يوم الجمعة أفضل الأيام وأعظمها، مُلقبًا بسيد الأيام. وُجد أن الحسنات في هذا اليوم تُضاعف، مما يُدلل على تميزه عن سواه من الأيام. فعندما قيل إن السيئات والحسنات تحظى بحساب مضاعف في هذه الليلة وهذا اليوم،[3] يعني ذلك أن معادلات الزمن في هذين الوقتين مُصمَّمة بطريقة تجعل تأثير المعاصي والأعمال الصالحة على فطرة الإنسان أكبر بكثير من المعتاد.

يُعدّ هذا الوقت من أخصب الأوقات للتوبة والاستغفار والعبادة، وللتعويض عن الزلات والذنوب، كون أبواب السماء تُفتح على مصراعيها لاستقبال الرحمة والدعاء. وقد أدرك النبي يعقوب (عليه السلام) هذه الأهمية، فعندما طلب إخوة يوسف (عليه السلام) منه الاستغفار لهم، أخّر دعاءه حتى ليلة الجمعة، آملاً أن تكون دعوته في هذا الوقت الخاص ذات تأثير أكبر. [4]

الأيام البيض والاعتكاف

في أيام الشهر القمريّ، تبرز أيامٌ لها مكانةٌ خاصة بين الأوقات، وهي أيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، التي يُنْصَحُ فيها بالاعتكافِ والتفرغ للعبادة. هذه الأيام تُعرف بـ”الأيام البيض”، وتُعد فرصة عظيمة للتأملِ والتقربِ من الله، فهي قطعاً أكثر تأثيراً وروحانيةً من باقي الأيام. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحرص على أن يقضي في هذه الأيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر في خلوة وعبادة، يعتكف فيها ليجد سكينة قلبه، ويعزز صلته بربه، وإذا تعذر عليه ذلك لأمر طاريء مثل الحرب، كان يُعوّضها بقضاء ما فاته. فإذا كان النبي المعصوم، وهو في ذروة القرب من الله، يرى لنفسه الحاجة إلى هذه الخلوة الروحية، فكيف بنا نحن؟ إننا أولى بهذه العزلة العباديّة، وأشد احتياجًا لسكون النفس وسكينة القلب.

إذن علينا أن نُخصّص وقتًا للصمت والخلوة، نُوقف فيه كل ما يسبب ضجيجًا لعقولنا وقلوبنا، ونتفرغ لتفريغ الداخل وتنقيته. فإذا أدركنا قوانين الزمن ورياضيات الاعتكاف، وعرفنا كيف نغتنم هذه الفرصة، سنخرج منه بشعور عميق بالحياة والانبعاث، وكأننا وُلِدنا من جديد.

 يوم عرفة

يُعتبر يوم عرفة أحد الأرحام الزمنية العظيمة التي تمنحنا فرصة كبيرة للنمو والتعويض. إنه يومٌ فريد في طاقته، عظيم في تأثيره، حتى قال عنه الإمام الصادق(عليه السلام):«من لم يُغفر له في شهر رمضان، فلن يُغفر له إلى قابل، إلا أن يدرك عرفة».[5]  أي أن هذا اليوم الكريم، بفضل الله ورحمته، يمكن أن يُعوّض فيه الإنسان كل ما فاته من بركات رمضان، وأن يتدارك ما قصّر فيه. فإذا ما استوعبنا حكمة هذا اليوم، وأدركنا سرَّ توقيته، وانغمسنا في نفحاته المباركة، فإننا نكون قد وضعنا أنفسنا في رَحِم زمانيٍّ جليلٍ، يمكِّننا من النموّ الروحيّ والتقدم المعنويّ بأضعاف ما نعهد في غيره من الأيام، وكأننا اختصرنا شهوراً وسنين من السعيّ والاجتهاد.

شهر محرم

شهر محرم من أهم الأرحام الزمنية والأوقات التي يمكن استثمارها للتغيير والتجديد الذاتى؛ ففي هذا الشهر العظيم كم من النفوس عادت إلى فطرتها، وكم من القلوب اهتدت عبر مجالس عزاء الإمام الحسين(عليه السلام). وتمامًا كما أن سفينة النجاة التي تمثّل الإمام الحسين(عليه السلام) هي الأسرع والأقرب للوصول إلى بر الأمان، فإنّ شهر محرّم، الذي يحمل بصمته، قد جُعلت فيه رياضيات زمنية خاصة، تتيح لمن يلج فيه أن ينمو ويتغيّر بسرعة لا تضاهى في غيره من الأوقات. فمن يدخل هذا الشهر، يمكنه أن يسلك أقصر الطرق نحو الهداية، مقارنة بالعديد من الأوقات الأخرى.

شهور رجب وشعبان ورمضان

من تمام عناية الله وعظم رحمته بعباده أن خصّهم بثلاثة أشهر مباركة: رجب، وشعبان، ورمضان، ليتمكن الجانب الإنساني من وجودهم من التغذية بشكل جيد. فرياضيات الزمن في هذه الأشهر الثلاثة منسجمة بدقة مع بنية النفس الإنسانية، ويمثّل كل شهر منها رحمًا زمنيًا فريدًا، له خصائصه وقوانينه وآثاره الخاصة.

شهر رجب وحده يملك طاقة عظيمة، ومن وُفّق لاغتنامه بحقّ، يُنادى يوم القيامة بنداء خاص: “أين الرجبیّون؟” على سبيل المثال فإن الصيام في أيام معيّنة من شهر رجب يُعادل سبعين عاماً من العبادة.

أما شهر شعبان، فهو الرحم الزمني الذي يُعدّ الإنسان ويمهّده لولوجه إلى الرحم الأعظم رمضان. فكل ما يُستحب في رجب وشعبان من صيام وذكر ودعاء إنما هو من أجل تهيئة النفس، حتى تكون أهلاً لدخول الرحم الزمني لشهر رمضان. فمن لم يُحسن التفاعل مع رجب وشعبان، لن يستطيع أن يغتنم رمضان كما ينبغي.

ثم يأتي رمضان، أعظم الأرحام الزمنية على الإطلاق؛ شهرٌ يمكن فيه محو آثار سنين من التقصير، وغسل الذنوب، والارتقاء بالروح إلى أعلى المقامات، بشرط أن نُدرك رياضيات زمنه، ونتهيأ له مسبقًا. حتى النفس الذي يتنفسه الصائم فيه يُحتسب تسبيحًا، ونومه عبادة،[6] وهو أمرٌ لا نجده في أي وقتٍ آخر من السنة.

لليلة الرغائب

في أول ليلة جمعة من شهر رجب، تفتح أبواب فترة زمنية خاصة بمثابة رحم قوي للنمو، تُعرف بـ ليلة الرغائب؛ هذه الليلة تمثّل أفضل فرصة لتوجيه الأمنيات، وإعادة ترتيب الأولويات، ووضع الجانب الإنساني من النفس فوق كل الجوانب الأخرى من الوجود.

في هذه الليلة، تختلف نظرة الله إلى عباده عمّا هي عليه في سائر الليالي. فمَن خلص فيها بنيّته، وخلا إلى نفسه بالخشوع والدعاء، جنى من النور والسكينة ما لا يُقدّر بثمن. ولكي نظفر بأقصى ما في هذه الليلة من عطاء، علينا أن نفهم قواعدها الزمنية، ونُهيّئ أنفسنا وقلوبنا لها قبل عدة أيام.

لليلة القدر

تعتبر ليلة القدر من أعظم الأرحام الزمنية، إذ تَفوق قيمتُها ألف شهر[7]؛ أي أن كل عمل يُؤدى في هذه الليلة، يؤثر في الروح والنفس بما يعادل ألف مرة أكثر من تأثيره في الليالي الأخرى. إن رياضيات الزمن في ليلة القدر قد صُمّمت بطريقة فريدة، تمنح هذه الليلة القدرة على تخزين ما يعادل ثمانين عامًا من النور والطاقة في القلب والروح.

من ألطاف الله البالغة بأمة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلّم، أن جعل في ليالي السنة ليلةً بهذه المنزلة والمقام يمكن فيها نيل معرفة ونموٍّ يعادل ما تحققه النفوس في ألف شهر. وإذا تأملنا في رياضيات الزمن الخاصة بليلة القدر، ندرك أن نمو الإنسان ليس ماديًا، ولا متوقفًا على طول العمر، بل هو شأنٌ روحيّ قد يتحقق في لحظة واحدة. ومقدار ما نغتنمه من هذه الليلة مرتبط بمدى ما اكتسبناه من استعداد وجهد قبل دخول شهر رمضان. ولهذا، كان كثير من العلماء وأولياء الله يقضون عامًا كاملًا في المراقبة والاستعداد، ليكونوا على قدر هذه الفرصة الفريدة.

كما أن الرياضي الذي يصبو إلى کسر الأرقام القياسية في البطولات العالمية يبدأ استعداداته قبل أشهر، ولا ينتظر يوم المسابقة ليبدأ التمرين، لأن الإنجاز بلا تدريب مجرد وهم ، فكذلك نحن إذا أردنا أن ننال من بركات ليلة القدر كاملة غير منقوصة، ينبغي علينا أن نعد العدة ونجهز أنفسنا قبل حلول شهر رمضان المبارك.

تناولنا في هذا المقال مفهوم رياضيات الزمن لبعض أيام السنة، والتي تُعرف ب “الأرحام الزمنية”. وقد بيّنا أن بعض الأوقات تملك خصائص وتأثيرات لا نجدها في غيرها؛ فمع أن الثواني والدقيقة والساعة متساوية عددًا، إلا أن بعض اللحظات تنفرد بتركيب زمني خاص، يجعلها أرضًا خصبة لتكوين الفطرة ونمو الروح، بل وتأثيرًا حاسمًا على مصيرنا الأبدي. كما أشرنا إلى نماذج من هذه الأرحام الزمنية: مثل ليلة الجمعة ونهارها، ويوم عرفة، وأيام الاعتكاف، وشهور رجب، وشعبان، ورمضان، ومحرم. بالإضافة إلى ذلك فإن هناك أرحامًا زمنية أخرى: كليلة النصف من شعبان، وليلة عيد الفطر، وحتى اللحظات التي تعقب الصلوات المفروضة، يمكن اعتبارها من الأوقات ذات الرياضيات الزمانية الخاصة، والتي تنطوي على قدر كبير من البناء الروحي والتهذيب النفسي.

وختاما، إذا كنت عزيزنا القارئ تعرف أمثلة أخرى من هذه الأرحام الزمنية، أو سبق لك أن استفدت منها، فنرجو منك أن تتفضل بمشاركتنا تجاربك ليستفيد الجميع.


[1]. إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا. (العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 71، ص 221)

[2] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ سَتَرَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ» (شيخ صدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 504)

[3] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ، يُضَاعِفُ اللَّهُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ.» ( شيخ كليني، الكافي، ج 3، ص 414)

[4] أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. (السيد هاشم البحراني، البرهان، ج 3، ص 207)

[5] مَن لَم يُغفَرْ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَم يُغفَرْ لَهُ إِلَى مِثْلِهِ مِن قَابِلٍ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَرَفَةَ. (علامة مجلسي، بحار الأنوار، ج 96، ص 34)

[6] أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ. (الشيخ حر عاملي، وسائل الشيعة، ج 10، ص 313)

[7] لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. (سورة القدر، الآية 3)

اكتب رأيك