كيف نُسهّل تحمّل مصاعب الحياة ونجعلها سهلة ومُمتعة؟

جدول المحتويات
كيف نُسهّل تحمّل مصاعب الحياة ونجعلها سهلة ومُمتعة؟

السبیل الأفضل لتسهيل تحمّل مصاعب الحياة

ليست الحياة دائمًا على ما يرام، ونواجه أحياناً منغصّات ومواقف غير متوقعة تُخل براحتنا. وقد تُصبح ضغوطات الحياة ثقيلة لدرجة أنّنا نشعر وكأنّ أنفاسنا تتوقّف وعظامنا تتفتّت تحت وطأةِ المشاكل. ولكنّ قبول المصائب التي تسبّبنا بها بأنفسنا قد يكون أسهل قليلاً، فماذا عن تلك المشكلات التي تُفرض علينا رغماً عنّا؟ كيف نتحمّل المعاناة التي لا نتحمّل مسؤولية حدوثها؟ وكم من الوقت نعيش في الدنيا لنضيع معظمه في المعاناة والشقاء؟

لا شكّ أنّ هذه التساؤلات قد راودت كلّ واحد منّا مرّة واحدة على الأقل، وكثيراً ما لا نجد إجابةً مقنعة لها. إنّ فهم أسباب نشوء الأزمات أمرٌ مهمٌّ بحدّ ذاته، لكنّ الأهمّ من ذلك هو كيفية التعامل معها دون أن نفقد توازننا الداخلي ونُصيب سعادتنا وأماننا؟  ما هي سبلُ تحمّل الشدائد؟ وما هي أسرار أولئك الذين يواجهون الشدائد بِرباطة جأشٍ وصبرٍ جميل؟ وهل يمكننا أن نُتقن مهاراتهم ونُطوّعها في حياتنا؟

إنّ طبيعة هذا العالم مشبعةٌ بالمعاناة والصعاب، وكأنّ الله -تعالى- أراده هكذا بحكمته المُقتدرة. فخلقُه بهذه الصفة إنّما هو متناسبٌ مع بنية وجودنا، ونحنُ ننمو ونرتقي في مختلف أبعاد حياتنا من خلال التغلّب على الصعاب ومواجهة التحدّيات. لا تُنالُ الكمالات في هذه الدنيا بسهولةٍ، فمنْ يسع وراء الكمالات المادية مثل الثروة والسيارة والسكن ونحوها، لا بدّ له من العمل الجادّ والسعي الدؤوب. ومنْ يرد الكمالات النباتيةَ والعقليةَ، ويسع لاكتساب مهارةٍ في مجالٍ فنيّ أو رياضيّ أو علميّ، عليه أنْ يتغلّب على كسله ولامبالاتهِ، وأنْ يجاهد نفسه لتحقيق هدفه.

حتى الكمالات الحيوانية، مثلُ المناصب والمقامات الاجتماعية، لا تُنال إلاّ بالتعب والمشقّة. وحتى إذا كنّا أكثر الناس كسلاً، وانحصرت حياتنا على الأكل والنوم فقط، فنحن بحاجةٍ إلى بذل جهدٍ لحفظ حياتنا، فليس في هذه الدنيا راحة مطلقة بلا مشقّةٍ.

إذا كنّا نريد التقدّم والازدهار، سواءً في المجال الماديّ أو الروحيّ، فعلينا أنْ نتحمّل مشقّات الحياة وصعابها، ولا مفرّ من ذلك. لكنْ بما أنّ البعد الأساسيّ لوجودنا هو ما وراء العقل، فإنّ نموّنا الروحيّ له أهميةٌ أكبر بكثيرٍ من نموّنا الماديّ. فإذا حقّقنا جميع درجات التقدّم الماديّ بنجاحٍ، لكنّنا لم نتطور في الجانب الروحيّ والمعنويّ، فإنّنا نكون قد خرجنا من دائرةِ الإنسانية ولم نحقّقْ هدفَ وجودنا.

إنّ حكمة وجود الشدائد لا تخرج عن هذه الحقيقة الجليّة: أنّ الله -تعالى- ربّنا يُربّينا ويزوّدنا بما يعيننا على الحياة الآخرة من خلال تعرضنا لمختلف الموانع والعثرات طوال مسيرة حياتنا. ولكنْ، هل نُحسن الاستفادة من هذه الموانع ونجعلها جسراً نَعبر عليه ونقترب من الله -تعالى-؟ أم أنّنا ضعفاءٌ هشّون ونغرق في الضعف والانهيار كالأطفال الصغار الذين يثيرون الضجيج والصراخ، ونُضيّع أجر ما تحملّناه من مشقّةٍ وعناءٍ؟

لقد تناولنا في دروسٍ سابقةٍ ماهيّة الشدائد ودورها في النموّ الروحيّ. أمّا في هذا المقال، فسنسعى جاهدين للعثور على حلولٍ ناجعةٍ وفعالةٍ لتحمّل الشدائد والصبر عليها. فكيف نتحمّلُ الشدائد وما هو دافعنا لذلك؟

الحوافز الضعيفة

الإنسان بطبعه كائنٌ منفعیّ مستقبليّ، يبحث عن الدوافع الكافية والأسباب المقنعة قبل كلّ خطوةٍ يخطوها أو موضوعٍ يتقبّله. فلهُ لكل سؤال إجابة وهي أهمّ دافعٍ لديه لإنجاز ذلك العمل:

  • لماذا تعملُ؟ لأُصبح شخصًا ذا دخلٍ
  • لماذا تتزوجُ؟ لأُحقّق السكينة
  • لماذا تمارس الرياضة؟ لأُحسّن من لياقتي البدنية.

ويمكنُنا الاستمرار في طرح مثل هذه الأسئلة إلى ما لا نهاية، لكنّ المسألةَ الأساسيةَ هي “الإجابات”. فالدوافع والأسباب عند بعضنا تَنْتهي عند حدٍّ معيّنٍ، أو تكون ضعيفةً جدّاً بحيث لا تمكنّنا من الاستمرار في طريقنا. وهذا ما يسبّب لنا بمرور الوقت، شعورًا بفقدان معنى الحياة، وانتيابنا لشعورٌ مفاجئٌ بالهزيمة والخسارة والهوان.

من هذه النقاط المهمّة هي عندما نقع تحت وطأة الضغوط المتعدّدة ولا نجد سببًا مقنعًا لتحمّل الصعاب والضغوط. وربّما سمعت مثل هذه العبارات من أفواه أشخاصٍ مختلفين:

  • يا إلهي، لماذا أنا؟ لماذا كلّ هذه المشاكل تواجهني؟
  • يا لحظّي العاثر، لقد أضعت شبابي في سبيل هذا الشخص الجاحد.
  • ما الخطيئة التي ارتكبتها لأُصاب بهذا المرض المستعصي؟
  • لماذا رزقي ضيقٌ هكذا، ولماذا لا أُحقّق شيئا ً مهما بذلت من قصارى جهدي و…

إنّ الشعور بالضّحية والمظلومية هو المشترك في كلّ هذه التّفاعلات. فنحن نُطلق هذه العبارات عندما نشعر أنّ الله -تعالى- قد حرمنا نعمة دون وجه حقٍّ، وأنّه لا يوجد بديل عن النّعمة التي فقدناها. ولكن هل هذا صحيحٌ حقًّا؟ هل االنّعم التي نفقدها لا يوجد لها بديل؟

الإيمان بالآخرة: الدافع الأقوى لتحمل المصاعب

الدوافع الدنيوية لا تملك القوة الكافية لحثّنا على القيام بالأعمال العظيمة والتضحيات والتحلي بالصبر في مواجهة الصعوبات، وذلك لأنّ عالم الدنيا فان وزائل، وكلّ دافع يُعرّف في حدود هذا العالم، مهما كان قوياً، سيؤول إلى الأفول عاجلاً أم آجلاً. فعلى سبيل المثال، إذا كان دافعنا لخدمة زوجنا/زوجتنا هو الحبّ المتبادل بيننا، فبمجرد ملاحظة أدنى علامة على نکران الجمیل في سلوكه، سنندم على عملنا ونرى أنّ كلّ ما بذلناه من جهد قد ضاع هباءً. أو إذا كان الهدف في اجتهادنا بالعمل هو زيادة الراتب والترقية في العمل، ولم نحصل علیها، سنصاب بخيبة الأمل، وربما نلجأ إلى إيذاء الآخرين للحصول على حقّنا.

نحن بحاجة إلى دوافع أقوى لإضفاء المعنى على الحياة وتحمل المصاعب. دوافع تُوجّه اهتمامنا إلى ما وراء العالم المادي، وتُتيح لنا مجالاً نكون فيه على يقين من خلوده. ليعلم أنّنا إذا تحملنا معاناة فرضها علينا الآخرون، أو بذلنا جهداً لا تستطيع هذه الدنيا مكافأته، أو إذا تجاهل الآخرون تضحياتنا وإيثارنا، فهناك من يشهد كلّ ذلك و يُقدّره، وهناك مكان تُكافأ فيه كلّ الجهود بأفضل شكل ممكن. هذا الدافع القوي ليس شيئاً سوى الإيمان بالآخرة ونظام الجزاء والعقاب السائد فيها.

تحمل المصاعب بالاعتماد على قاعدتين رئيسيتين

في نظام الآخرة هناك قاعدتان رئيسيتان، يسهل فهمهما تحمل جميع الشدائد، و نتخلص بهما من الجزع والهلع والاضطراب عند مواجهة المشكلات. فجميع من يقف كالجبل أمام الشدائد، ولا يعبس بوجهه عند مواجهتها، قد آمن بهاتين القاعدتين إيمانا راسخا:

  • القاعدة الأولى: كل نقص في الدنيا يعد ثروة وذخرا في نظام الآخرة، سواء كان هذا النقص أو المشكلة من صنع أيدينا، أو إذا لم نكن مسؤولين عن حدوثها. لا يقتصر المقصود بالمشكلة على المشكلات الاقتصادية أو المرض فقط، بل يشمل جميع العداوات التي يكنها لنا الآخرون، والحسد، والتحقير، والكراهية، والعقبات التي يضعونها في طريقنا، وكل المتاعب التي تفرض علينا من قبل المجتمع دون أن نكون مسؤولين عن إحداثها، تعد نوعا من أنواع المدخرات ورأس المال للآخرة. وكل من يصبر على هذه المتاعب، فإنه سيحصل على جوائز عظيمة في العالم الآخر بالتأكيد.
  • القاعدة الثانية: لكل كاذب في الدنيا نظير صادق في الآخرة. هذا يعني أن الكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية، مثل الثروة والمقام والجمال ولون البشرة ومحل السكن وغيرها، لا تعد مصدرًا للعزة الحقيقية. وحتى الكمالات العقلية مثل كون الإنسان طبيبا أو مهندسا أو عالما أو حتى مجتهدا، لا تعد في عداد الكمالات الإنسانية، ولا تعد مصدرًا للعزة أيضًا. فمن سعى إلى التفاخر واكتساب العزة بواسطة هذه الكمالات الكاذبة، فإنه سيواجه في الآخرة ذلة صادقة وحقيقية. وبالمقابل، فإن من تحقّرهم الآخرون في الدنيا لعدم حصولهم على هذه الكمالات، سينالون في الآخرة عزّة حقيقية دائمة.

إيمان القلب بالآخرة وقوانينها يسهل علينا تحمل الشدائد ويجعلها ممتعة. فإذا تدربنا على هذا النوع من الرؤية، لم نفرط في السرور بملذات الدنيا، ولم تستطع الأحزان أن تهلكنا. فيجب علينا أن نتعلم أن ننظر إلى أنفسنا كمخلوقات أبدية، وأن نكون على دراية بأن حياة الدنيا بجميع ملذاتها وصعوباتها، هي جزء صغير جدا من حياتنا.

برأيكم، ما هي المحفّزات الأخرى التي تساعدنا على تحمّل الشدائد؟ نرجو منکم مشاركتها معنا.

اكتب رأيك