ما معنى قوس الصعود وقوس النزول في نفسي الأستاذ والتلميذ؟

جدول المحتويات
ما معنى قوس الصعود وقوس النزول في نفسي الأستاذ والتلميذ وكيف يحدث ذلك؟

ما معنى قوس الصعود وقوس النزول في نفسي الأستاذ والتلميذ وكيف يحدث ذلك؟

في هذا الدرس، سنتناول بالبحث مفهومَي “قوس الصعود” و”قوس النزول”، وهو مفهوم مألوف لدى كثيرين منّا، وإن لم نألفه بهذه التسمية الصوفية والفلسفية. إن كلمة “السير” تعني اجتياز مراحل متعددة للوصول إلى غاية معينة. بناءً على هذا المعنى، فكيف نفهم الصعود والنزول هنا؟

في الرؤية المادية، يُقصد بالصعود والنزول الانتقال صعودًا أو هبوطًا من نقطة أو درجة أو موضع معين. وتُستخدم هاتان الكلمتان في ميادين شتى، ولكل موضع دلالته الخاصة. ولعل من أبرز استخدامات لكلمة “نزول” هو ما ورد بشأن نزول القرآن الكريم، حيث لا يُقصد به حركة مادية، بل انتقال معنوي لرسائل إلهية إلى قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).[1]

وإذا أردنا استخدام هذين المفهومين في مجال نقل المعاني والمفاهيم، فإن معناهما يتحدد بحسب طبيعة ما يُنقل ويُستقبل. فطبيعة الشيء المتداول بين الأستاذ والتلميذ، هي التي تحدد نقطة البدء والانتهاء في قوسي الصعود والنزول داخل نفسيهما.

إن العودة إلى الدروس السابقة تعيننا على فهم هذا المفهوم بوضوح أكبر. فقد أشرنا سابقًا إلى أن قوسي النزول والصعود يتحققان عند تحوّل المفاهيم أو الظواهر اللامادية إلى مادية، أو العكس. ما يُتداول من مفاهيم بين الأستاذ والتلميذ ينتمي إلى هذا النمط من التحوّلات، لذا فإن قوس النزول والصعود موجودان أيضًا في هذه العلاقة.  من خلال دراسة كيفية انتقال المعرفة والعلم والفن وسائر المعلومات من الأستاذ، ومتابعة كيفية تلقي التلميذ لها، يمكننا أن ندرك بعمق معنى قوس الصعود وقوس النزول في نفسيهما.

في هذا الدرس سنقوم بتحليل سير النزول عند الأستاذ وسير الصعود عند التلميذ كلٌّ على حدة، كما سنتعرف على النقطة التي تُعدّ غاية القوس ومنتهاه لكلٍّ منهما.

قوس النزول أو السير النزولي للأستاذ

لفهم قوسي الصعود والنزول في نفسَي الأستاذ والتلميذ، لا بد أن نبدأ بدور الأستاذ ومكانته. فالمسؤولية الأساسية التي تقع على عاتق الأستاذ هي نقل وتعليم المفاهيم التي يمتلك فيها مهارة وتفوّقًا. إن قوس النزول في نفس الأستاذ هو ذلك المسار الذي يتم فيه نقل علومه ومعرفته بعد اجتياز بعدة مراحل، إلى أن تُنقل إلى التلميذ بصيغةٍ معينة. هذا الانتقال لا يتمّ بأي وسيلة كانت، فليس كل تواصلٍ بين الأستاذ وتلميذه كافيًا لتحقيق الغاية. نحن عادةً ما نعرّف الأستاذ في أي مجال بأنه شخص يمتلك مجموعة من الصفات والكمالات الوجودية في تخصصه، غير أن التحلّي بالكمال لا يكفي وحده ليضمن قدرة الأستاذ على التواصل، أو على نقل مفاهيمه، أو على التأثير في التلميذ. فمثلًا، إذا حضر أستاذ ذو مستوى عالٍ من المعلومات في  صف دراسي، فهل يكفي مجرد حضوره الجسدي ليُنتفع منه؟ الجواب قطعًا: لا. فلا بد للأستاذ من إيجاد وسيلة مناسبة لبناء جسر تواصل مع تلامذته، ولابد له من أن يصوغ معرفته بأسلوب يمكنهم من تلقيها.

مراحل انتقال وتحويل المعلومات في السير النزولي للأستاذ

استناداً إلى مجال اختصاص الأستاذ ونوع معرفة ينوي تعليمها، يتم تحديد موضع بدء وانتهاء قوسي الصعود والنزول في نفسي الأستاذ والتلميذ. فالمقام الأول للأستاذ قد يكون في أحد عوالم ما وراء العقل، أو العقل، أو الخيال. فإذا كان الموضوع معنويًا أو مرتبطًا بالمعارف الإلهية، فإن انطلاق الأستاذ يكون من عالمٍ وراء العقل. أما في العلوم العقلية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، فإن البداية تكون من عالم العقل. وفيما يتعلق بالمفاهيم الفنية أو تلك التي تنتمي إلى دائرة التصور والخيال، فالمقام الأول للأستاذ هو عالم الخيال.

مهما كانت نقطة البداية والمقام الأول للأستاذ، يجب أن يتنزل إلى العوالم الأدنى بنفس النسبة ليصل إلى عالم المادة، أي المكان الذي يمكن للتلميذ أن يستقبل فيه. إن تجلي الله عز وجل يجري بهذا النسق أيضا: من عالم الجبروت  إلى الملكوت، ثم البرزخ وعالم الخيال، وأخيرًا إلى الناسوت، أي عالم الطبيعة والمادة.

ينبغي للأستاذ، عند تعليمه المفاهيم والمعارف التي تتجاوز العقل، أن ينقل هذا المحتوى من عالم ماوراء العقل إلى العالم العقلي، ذلك العالم الذي يحكمه الفكر، والشكل، والقاعدة. وبعبارة أخرى، عليه أن يُفكّر في الحقائق التي يحملها، ويصوغها علماً وقاعدةً ونسقاً، ليُمهّد لتلميذه درب الفهم، ويفتح له أبواب الإدراك لما وراء العقل.

لكن، في هذه المرحلة، أي في المرتبة العقلية، لم يتحقق بعد التواصل الحقيقي بين الأستاذ والتلميذ، فما زال الطريق طويلاً، وما زالت العوالم الأدنى في الانتظار. فعالم الوهم والخيال، وهما أدنى من العقل، يشترطان من الأستاذ أن يستنجد بصور خياله، ويجتهد ليصوّر المفاهيم في هيئة يمكن للتلميذ أن يلمسها بذهنه. فإن اختلفت لغته عن لغة تلميذه، وجب عليه أن يتخيل شكل الحوار وهيئة الخطاب، ويبتكر قالبًا للتواصل، حتى يهتدي إلى الطريقة الأنسب لمدّ الجسر بينهما. أما عالم المادة، فهو ملتقى القوسين، حيث يلتقي الصعود بالنزول، وفيه وحده تنعقد صلة الوصل. في غيره من العوالم، لا يحدث إلا تحوّل المعنى وتبدّله، لا وصله.

إن المفاهيم والحقائق اللامرئية التي يملكها الأستاذ، لا تجد سبيلها إلى التلميذ إلا حين تتجسد في صورة صوت وكلمة في عالم المادة. وإن لم تبلغ الكلمة سمع التلميذ، ولم يلمح الصوت ببصره، فلن تنشأ بينهما صلة ولا لقاء.

أهمية الكلام في العلاقة بين الأستاذ والتلميذ

نحن نلجأ إلى الألفاظ والكلمات لنعبّر عن المفاهيم والظواهر المختلفة، ولا سبيل أمامنا لفهم الظواهر غير المادية  إلا عبر الاستعانة بأدوات مادية، وعلى رأسها اللغة. فالكلمات، رغم ماديتها، هي الجسر الذي نعبر به نحو المعاني المجردة. فعلى سبيل المثال، فإن لفظ “الله” أو سائر أسمائه وصفاته، إنما هو وسيلة لفهم الحقيقة اللانهائية لله سبحانه وتعالى، وإقامة صلة وجودية معه. إن وصف كل صفة من صفات الله عز وجل يستدعي لفظًا خاصًا يعكسها.  إن الله عز وجل وجودٌ واحد، لكن له تجلّيات متعددة؛ فجميع الكائنات، من إنسان وكواكب ونجوم، ومن الملائكة والبحار والغابات، ما هي إلا مظاهر وتجليات له، ظهرت في أشكال وقوالب متنوّعة. غير أن ذاته الإلهية ليست واحدة من هذه الصور. ولكي نقترب من معرفة الله، وندرك حقيقته المجردة غير المادية، لا بد أن نتأمل في تجلياته في عالم المادة.

وعلى هذا النحو تمامًا، تجري العلاقة بين الأستاذ والتلميذ في إطار قوسي الصعود والنزول؛ فالأستاذ يُحوّل علمه وكماله غير المادي إلى كلمات وأصوات مادية، ينقلها إلى تلميذه بوسائل لغوية مختلفة. لكن، تماماً كما أن حقيقة الله لا تنحصر في مظاهره، فإن حقيقة الأستاذ أيضًا لا تُختزل في كلماته وأصواته، بل إن هذه الأخيرة ليست سوى مرآة تعكس جماله وكماله العلمي والمعرفي.

وبما أن الكلام هو النقطة الأهم وموضع الالتقاء بين قوسي النزول والصعود في هذه العلاقة، فإن على الأستاذ أن يمتلك قدرة بيانية قوية. فضعف البيان يؤدي إلى عجز عن الإفصاح عمّا يحمله من حقائق ومعانٍ عميقة في باطنه. إن أهمية القدرة الكلامية تتجلى بصورة أوضح إذا علمنا أن المعاني ماوراء العقلية وغير المادية حين تنزل إلى مستوى الكلام، فإنها تفقد قدرًا من رقتها وشفافيتها، وإذا كان بيان الأستاذ ضعيفًا، فإنه قد يزيد هذا الفقد، ويشوّه كثيرًا من لطافة المعنى وروحه.

قوس الصعود أو السير الصعودي للتلميذ

مراحل يمرّ بها كل من الأستاذ والتلميذ في قوسي النزول والصعود متشابهة في طبيعتها، لكنها تسير في اتجاهين متعاكسين. فالتلميذ، عند سماعه لكلام الأستاذ، يبدأ قوس الصعود، حيث تنطلق عملية تحويل المادة إلى معنى مجرد وغيرمادي. يتلقى التلميذ هذه المادة على هيئة كلمات وأصوات من خلال حاستَي السمع والبصر، ثم ينقلها إلى عالم الخيال حيث يبدأ في تصوّرها وتشكيل صور ذهنية لها.

المرحلة التالية هي عالم العقل، حيث يجب على التلميذ أن يستخدم فكره في تلك التصورات، ويُجري عليها تحليلات عقلية ونسبًا رياضية ليحولها إلى معقولات. ثم تأتي المرحلة الأخيرة، وهي الدخول إلى عالم ما وراءالعقل، حيث تتحول هذه المعقولات إلى مفاهيم وحقائق غير مادية. يُعدّ الوصول إلى هذه المرحلة تمهيدًا لنشوء تشابه بين الأستاذ والتلميذ في المستوى الوجودي. فإذا كانت جميع قوى التلميذ، من السمع والخيال والوهم والعقل وحتى ماوراء العقل، نقية طاهرة وخالية من الذنوب والعوائق النفسية، فإن المفاهيم تنتقل بسلاسة من عالم الطبيعة إلى أعماق كيانه، ليبلغ فهمًا حقيقيًا لكلام أستاذه. في مثل هذه الحالة، يستطيع التلميذ، بعد حضور جلسة أو أكثر، أن يستوعب جميع المفاهيم التي نقلها الأستاذ ويخزنها في جانب ماوراء العقل من وجوده، فتغدو تلك المفاهيم مصدرًا للنور، والقوة، والسكينة، والفرح، ويصبح التلميذ مالكًا لحقيقةٍ نوريةٍ مشرقة.

من المهم للغاية أن يكون الصوت والكلام متناسبين مع البنية الذهنية للتلميذ. فلو تكلّم الأستاذ بلغة لا يفهمها التلميذ، فلن يُنقل أي معنى، و لن يتجاوز الأمر نقل الصوت فحسب. لذا لا يمكننا إغفال أهمية فهم المعاني في هذا السياق. أما إذا وُجدت شوائب أو نجاسات في أي من قوى التلميذ، أو كان يعاني من القلق والاضطراب، فإن التلميذ حينها لن يكون أكثر من مستمع وقارئٍ للكلمات، ولن يتمكن من تحويل المفاهيم المستقبَلة في عوالم الخيال والعقل وماوراء العقل، مما يمنع تحقق الفهم العميق.

في هذا الدرس تناولنا قوسي الصعود والنزول في نفسَي الأستاذ والتلميذ. فحقيقة الأستاذ وجوهر ما يمتلكه من علم هو مفهوم غير مادي ينتمي إلى عالم الجبروت. وعلى الأستاذ أن يُجري تحويلًا على هذه الحقيقة ليُنزلها إلى عالم الملكوت ثم إلى عالم الخيال. وبما أن عالم يقيم فيه الأستاذ مختلف عن عالم التلميذ، فلا بد من طريقٍ يربطهما، ومن هنا، يجب على الأستاذ أن يُحوّل علومه غيرالمادية إلى كلماتٍ وأصواتٍ محسوسةٍ ومادية. أما التلميذ، فبعد استقباله لكلمات وأصوات الأستاذ، يبدأ مسار الصعود، فيُعمل خياله وفكره، ويعيد تصوير وتنظيم ما سمعه ليُحوله من جديد إلى مفاهيم غير مادية. وإذا توفرت شروط مثل الطهارة الباطنية وهدوء النفس، فإن المفاهيم تصل إلى جانب ما وراء العقل في نفس التلميذ، وبذلك تتهيأ الأرضية ليُصبح التلميذ أكثر شبهاً بأستاذه.


[1] عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ؛ سورة الشعراء، الآية 194

اكتب رأيك