مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

الأبعاد الحضارية في سيرة النبي موسى وشريعته وكتبه؛ من تَشكُّل الأمّة إلى هندسة المنظومات الإلهية

جدول المحتويات

الأصول الثمانية في هندسة بناء الأمّة؛ قراءة جديدة في التعاليم الحضارية في عهدِ النبيّ موسى

إنَّ فهمَ ماهيّةِ الحضارةِ الإلهيّةِ والتعرّفَ إلى خصائصِ بنائها ومعالمِها في أفقِ آخرِ الزمان، يقتضي إعادةَ قراءةٍ عميقةٍ في سيرةِ الأنبياءِ أُولي العزمِ وحياتِهم؛ أولئك الأنبياءِ الذين، بما أُوتوا من كتابٍ وشريعة، اضطلعوا بمهمّةٍ كبرى في بناءِ المجتمعِ وتنظيمِ شؤونِه، وهدايةِ الإنسانِ نحوَ غايةِ وجودِه.

وتزخرُ سيرةُ النبيِّ موسى عليه السلام بمحطّاتٍ تاريخيّةٍ مفصليّة، وابتلاءاتٍ تربويّة، ومعجزاتٍ باهرة؛ وهي أحداثٌ لا تقتصرُ دلالاتُها على بيانِ مسارِ تكوّنِ أمّةٍ فحسب، بل تكشفُ كذلك عن أصولٍ ونماذجَ مهمّةٍ لكلِّ من يسهمُ في بناءِ الحضارةِ، ولا سيّما الساعينَ إلى إقامةِ الحضارةِ الإلهيّةِ الجديدة.

ومن أجلِ الوصولِ إلى فهمٍ شاملٍ ورصينٍ للدورِ الحضاريِّ لهذا النبيِّ الإلهيِّ، لا بدَّ من دراسةٍ منظوميّةٍ للأحداثِ المحوريّةِ في حياتِه، وأسسِ شريعتِه، وما أُوتيَ من كتبٍ وألواحٍ سماويّة، إلى جانبِ ما تنطوي عليه تجربتُه من دروسٍ عميقةٍ في بناءِ الإنسانِ والمجتمع، وما تكشفُ عنه مواجهتُه للتحوّلاتِ الكبرى التي شهدها عصرُه.

محطّاتٌ حاسمةٌ وأحداثٌ غيّرت مجرى سيرةِ النبيِّ موسى عليه السلام

عندما بلغَ القمعُ والاستعبادُ الذي عاشه بنو إسرائيلَ تحتَ قبضةِ الفراعنةِ ذروتَه، وضاقت بهم سُبُلُ الاحتمال، لجؤوا إلى اللهِ في اضطرارٍ صادق، واجتمعوا على الدعاءِ والتضرّعِ إليه بالنحيبِ أربعينَ يومًا. وكان لصدقِ اضطرارِهم وتضرّعِهم الجماعيِّ أثرٌ بالغ، إذ عفا اللهُ تعالى عن مئةٍ وسبعينَ سنةً من العذابِ كانت لا تزالُ متبقيّةً عليهم، وبعثَ النبيَّ موسى عليه السلام ليحرّرَهم وينقذَهم.

الولادة الخفيّة والتدبير الإلهيّ في بلاط فرعون

قبل ولادة النبيِّ موسى عليه السلام، كان فرعونُ قد أصدر، استنادًا إلى نبوءاتِ الأنبياءِ المقال السابقينَ بظهورِ منقذٍ من بني إسرائيلَ يهدّدُ عرشَ الطاغوت، أمرًا بقتلِ جميعِ المواليدِ الذكورِ من أبناءِ هذا القوم.

وفي ظلِّ هذا الجوِّ الخانق، وُلِدَ النبيُّ موسى عليه السلام في الخفاء، وظلّت أمّه ترضعه سرًّا مدّةَ ثلاثة أشهر. ثمّ أوحى الله تعالى إليها أن تضع رضيعها في الماء، ووعدها بأن يردّه إليها؛ فوضعتْه في صندوقٍ وألقته في نهر النيل.

وساقَ تيّارُ الماءِ الصندوقَ إلى قصرِ فرعون، وألقى اللهُ محبّةَ الرضيع في قلبِ آسية، زوجة فرعون، فاحتضنته وقبلتْ أن يكون ابنًا لها. ثمّ إنّ امتناع الطفل عن قبول مرضعات القصر أتاح لأمّه الحقيقيّة أن تدخل القصر من دون أن تُعرَف هويّتُها، فتحقّقَ بذلك الوعد الإلهيّ وعاد موسى إلى أمّه.

وهكذا نشأَ النبيّ موسى عليه السلام في قلب مركز السلطة الفرعونيّة، وفي المكان الذي كان يُفترض أن يكون أخطر موضعٍ عليه، ليهيّئَ الله من خلال ذلك مسارًا استثنائيًّا للأحداث التي ستقود لاحقًا إلى تحوّلاتٍ كبرى وهجراتٍ عظيمةٍ ذات أثرٍ حضاريٍّ عميق.

الخروجُ من مصرَ ومرحلةُ الإعدادِ الإلهيِّ في مدينَ لعشرِ سنوات

تسارعت الأحداثُ الممهّدةُ للبعثة بحادثةٍ مصيريّةٍ وقعتْ في مصر؛ إذ تدخّلَ النبيُّ موسى عليه السلام دفاعًا عن رجلٍ مظلومٍ من بني إسرائيلَ في مواجهة رجلٍ قبطيٍّ كان يظلمه، فضربَه ضربةً غير متعمّدةٍ أدّت إلى وفاته. وعلى إثر صدورِ أمرٍ بالقبضِ عليه من بلاطِ فرعون، اضطرَّ موسى عليه السلام إلى الهجرةِ نحوَ أرضِ مَدْيَن، الواقعةِ في الجزء الشماليِّ الغربيِّ من شبه الجزيرةِ العربيّة. وفي مَدْيَن، تزوّجَ عليه السلام ابنةَ النبيِّ شعيبٍ عليه السلام، وأقام في تلك الديار عشر سنوات. وكانت هذه المرحلة الممتدّة لعقدٍ كاملٍ مرحلةً حاسمةً في بناءِ شخصيّتِه وإعداده؛ ففيها تعزّز صبره وثباته وقدرته على تحمّلِ المسؤولية، وتعَمّقَ تفكّرُه وعبادتُه، واتّسعتْ خبرته بالحياة والأقوام والثقافات المختلفة. وهكذا أتاحتْ له هذه السنوات أن ينظر إلى العالم من أفقٍ أوسع، وأن يكتسب من التجربة ما هيّأ روحَه المباركة، وأعدّها لحمل أمانة الرسالة الجسيمة والاضطلاع بمهمّتها الكبرى.

واقعة جبل الطُّور، وتجلّي الكلام الإلهيّ وبداية رسالة كليم الله

في طريق عودته من مَدْين إلى مصر، كان النبيُّ موسى عليه السلام يسير برفقة زوجته الحامل، متّخذًا طرقًا فرعيّةً مراعاةً للسلامة. غيرَ أنّهما أضلّا الطريق بسبب شدّة البرد والعاصفة، وحان موعد ولادة زوجته. وفي ذروة هذه الحاجة والاضطرار، لاح له نورٌ من جهة جبل الطُّور. وعندما اقترب النبيُّ موسى عليه السلام من شعلةٍ تتلألأُ في غصنِ شجرةٍ خضراء، جاءه النداءُ الإلهيُّ: «يا موسى! إنّي أنا ربُّ العالمين… فاخلعْ نعليك، إنّك بالوادِ المقدّسِ طُوًى».

وفي ذلك الميقات، مُنِحَ عليه السلام معجزتَي العصا التي تحوّلتْ إلى ثعبان، واليدِ البيضاء؛ أي اليدِ التي أشرقَ بياضُها وتلألأ. وبناءً على طلبِه، عُيِّنَ أخوه هارون عليه السلام وزيرًا له ومعينًا على أداءِ مهمّتِه.

وقد تعدّدتِ الآراءُ في كيفيةِ تكلّمِ اللهِ تعالى مع موسى عليه السلام، الذي عُرفَ بـ«كليمِ الله». فذهبَ بعضُهم إلى أنّ ذلك كان تكلّمًا مباشرًا من اللهِ تعالى من غيرِ واسطة، على نحوٍ لا يدخلُ في نطاقِ الإدراكِ الحسّي المعتاد، بينما رأى آخرونَ أنّ الكلامَ تكوّنَ في جسمٍ معيّن، وذهبَ فريقٌ ثالثٌ إلى أنّ اللهَ تعالى خلقَ الصوتَ والكلامَ مباشرةً، فأدركَه النبيُّ موسى عليه السلام بسمعِه.

رسولُ التوحيدِ ووحدانيّةِ الله

بعث اللهُ تعالى النبيَّ موسى عليه السلام، برفقةِ أخيه هارون، لهدايةِ فرعونَ وقومِه ودعوتِهم إلى الإيمانِ بالله. غيرَ أنّ فرعونَ أصرَّ على كفرِه وعنادِه، وواصلَ تضييقَه على بني إسرائيل، وأنزلَ بهم صنوفًا من الشدائدِ والمحن. ومن أبرزِ الأحداثِ في هذه المرحلةِ مواجهةُ النبيِّ موسى عليه السلام للسحرة، وما أعقبَها من آياتٍ ومعجزات، كتحوّلِ الماءِ إلى دمٍ في أعينِ الفراعنة، وتسليطِ أنواعٍ من الآفاتِ والحشراتِ عليهم.

وأخيرًا، وبعدَ إصرارِ الفراعنةِ على عنادِهم، أُمِرَ النبيُّ موسى عليه السلام بأن يُخرجَ بني إسرائيلَ من مصرَ ليلًا. وخلالَ هذه الهجرةِ العظيمة، وقعتْ إحدى أكبرِ معجزاتِه، وهي انشقاقُ البحرِ وغرقُ الفراعنة. وهكذا نجا بنو إسرائيلَ أخيرًا من قبضةِ الفراعنة، ودخلوا أرضًا جديدة.

الخروجُ من مصرَ وأربعونَ عامًا من الابتلاءِ في وادي التِّيه

بعدَ معجزة انشقاقِ البحرِ الأحمرِ ونجاةِ أتباعِ النبيِّ موسى عليه السلام من ملاحقةِ الفراعنة، دخلَ بنو إسرائيلَ صحراءَ سيناء، الواقعةَ في شمالِ شرقِ مصر، وهي منطقةٌ جافّةٌ قاحلةٌ شحيحةُ الماءِ والنبات، تكثرُ فيها الكثبانُ الرمليّة، وتُعرفُ بوادي التِّيه.

وكان وادي التِّيه يمثّلُ في آنٍ واحدٍ جغرافيا قاسيةً ومرحلةً تاريخيّةً من التوقّفِ والابتلاء. فبعدَ أن نجّاهم اللهُ من فرعون، كان المنتظرُ أن يقابلوا هذه النعمةَ بالشكرِ والطاعة، غيرَ أنّهم اتّجهوا إلى الجحودِ والنكران. وكان اللهُ تعالى قد وعدَهم بدخولِ الأرضِ المقدّسةِ في أورشليم، وجعلَ ذلك مشروطًا بمواجهةِ الجبّارينَ والطواغيتِ الذين كانوا يحكمونَ تلك المنطقة. لكنّ بني إسرائيل، خوفًا وجبنًا، أحجموا عن القتال، وقالوا لنبيّهم: «اذهبْ أنتَ وربُّكَ فقاتلا».

بل إنّهم ندموا على خروجِهم من مصر، وأخذوا يتمنّونَ العودةَ إلى حالةِ الذلِّ التي كانوا يعيشونَها فيها. وأدّى هذا الانحرافُ، وفقَ التقديرِ الإلهي، إلى أن يتيهوا أربعينَ عامًا في وادي التِّيه، حتى تنقضيَ مرحلةُ جيلٍ أنهكَه الخوفُ والضعف، وينشأَ جيلٌ جديدٌ أكثرَ إيمانًا واستعدادًا لحملِ مسؤوليّةِ بناءِ المجتمع.

وخلالَ هذه المرحلة، وقعتْ معجزاتٌ باهرةٌ، منها تفجّرُ اثنتي عشرةَ عينًا من الحجر، وتظليلُ السحابِ لهم، ونزولُ المنِّ والسلوى، ورفعُ جبلِ الطُّور فوقَ رؤوسِهم في مشهدٍ إعجازيٍّ مهيب.

ميقاتُ أربعينَ ليلةً وفتنةُ عبادةِ العجل

توجّهَ النبيُّ موسى عليه السلام إلى الميقاتِ عند جبلِ الطُّور لتلقّي الشريعةِ والألواحِ الإلهيّة، واستخلفَ أخاه هارون عليه السلام على قومِه. وكان الموعدُ الأوّلُ قد حُدِّدَ بثلاثينَ ليلةً، ثمّ أُتمَّتْ بعشرٍ أخرى، فبلغَ الميقاتُ أربعينَ ليلةً، فيما يُعرفُ بـ«أربعينيّةِ موسى» أو «الأربعينيّةِ الكليميّة».

ومع امتدادِ غيابِ موسى عليه السلام، أخذَ الشياطينُ والمنافقونَ ينشرونَ شائعةَ وفاتِه. وقامَ رجلٌ يُدعى «السامري»، مستندًا إلى بعضِ الرواسبِ الفكريّةِ لدى القوم، وإلى القداسةِ الرمزيّةِ التي كان يحظى بها البقرُ في مصرَ القديمة، بصناعةِ عجلٍ ذهبيٍّ كان يصدرُ منه، بفعلِ هبوبِ الريحِ في بنيتِه، صوتٌ يشبهُ خُوارَ البقر.

وتنسبُ التوراةُ صناعةَ هذا الصنمِ إلى هارون، في حينَ ينسبُ القرآنُ الكريمُ صناعتَه إلى السامري. وأدّى غيابُ القائدِ الإلهيِّ، وعدمُ اتّباعِ الخليفةِ المعصومِ، إلى سقوطِ بني إسرائيلَ في فتنةِ عبادةِ العجل.

وعندَ عودةِ النبيِّ موسى عليه السلام، ورؤيتِه هذا الارتدادَ والانحرافَ العقديَّ، اشتدَّ غضبُه، وعاتبَ أخاه هارونَ وحاسبه، ووبّخَ قومَه على انحرافِهم، ثمّ ألقى الألواحَ، وعاقبَ السامريَّ، وأحرقَ العجلَ الذهبيَّ، ثمّ ذرَّ رمادَه في البحر.

أركانُ الشريعةِ الموسويّة وبنيةُ الكتبِ المقدّسةِ لدى اليهود

كانت شريعةُ موسى عليه السلام شريعةً هاديةً ومعتدلةً، تقومُ في أساسِها على التوحيدِ الخالص، ونبذِ جميعِ أشكالِ الشركِ وعبادةِ الأصنام، واجتنابِ الذنوب. وكانت، بوصفِها منظومةً لتنظيمِ شؤونِ الفردِ والمجتمع، تشتملُ على ثلاثةِ أقسامٍ أساسيّة:

١. الأحكامُ العباديّة: وتشملُ الصلاةَ، والصيامَ، وسُنّةَ القربان، وزيارةَ المعبدِ الذي عُرفَ لاحقًا ببيتِ المقدس.

٢. الأحكامُ الاجتماعيّة: وتنظّمُ شؤونَ الزواجِ والطلاق، والعلاقاتِ الماليّةِ والمعاملاتِ التجاريّة، ونظامَ الميراث، وضوابطَ العلاقاتِ والتعاملاتِ بينَ أفرادِ المجتمع.

٣. الأحكامُ القضائيّة: وتتضمّنُ القوانينَ الجزائيّة، والنظرَ في الجرائم، وتحديدَ العقوباتِ وتنفيذَها، ومن ذلكَ الحكمُ بالإعدامِ على المرتدّينَ وعبدةِ العجل.

وشملتِ المحاورُ الأساسيّةُ لهذه الشريعةِ الإيمانَ الراسخَ بالآخرة، ونبذَ التفرّقِ والحفاظَ على وحدةِ الأمّة، وإقامةَ الدينِ وإظهاره، وإقامةَ العباداتِ والصلاة، إلى جانبِ مبدأِ «الجهادِ في مواجهةِ الظالمينَ والجبّارين» بوصفِه مبدأً ثابتًا، غايتُه تحريرُ المستضعفينَ ودفعُ الظلمِ عنهم.

أمّا فيما يتعلّقُ بنطاقِ رسالةِ النبيِّ موسى عليه السلام، فقد طُرحتْ رؤيتانِ أساسيتان:

الرؤيةُ الأولى: ترى أنّ شريعةَ موسى عليه السلام كانت محدودةً بقومِ بني إسرائيلَ ومختصّةً بهم، مستندةً إلى ظواهرِ بعضِ الآياتِ القرآنيّة، وإلى الحديثِ النبويِّ الذي يقدّمُ الأنبياءَ المقال السابقينَ بوصفِهم مبعوثينَ إلى أقوامِهم، في حينَ يصفُ رسالةَ الرسولِ الخاتمِ بأنّها رسالةٌ عالميّة.

الرؤيةُ الثانية، وهي نظريةُ العلّامةِ الطباطبائيِّ الجامعة: ترى، استنادًا إلى عالميّةِ رسالةِ جميعِ الأنبياءِ أُولي العزم، أنّ رسالةَ النبيِّ موسى عليه السلام كانت عالميّةً، وتعدُّ مواقفَ مثلَ دعوتِه فرعونَ إلى الإيمان، وإيمانِ سحرةِ مصرَ به، شواهدَ واضحةً على اتّساعِ نطاقِ دعوتِه وشمولِها.

وبصرفِ النظرِ عن هاتينِ الرؤيتين، فإنّ السنّةَ الإلهيّةَ في الشرائعِ تقتضي أن تكونَ لكلِّ شريعةٍ مرحلةٌ تاريخيّةٌ تمتدُّ إلى حينِ ظهورِ النبيِّ التشريعيِّ الذي يليها؛ فإذا ظهرَ رسولٌ جديدٌ بشريعةٍ جديدة، أصبحَ اتّباعُ شريعتِه واجبًا، ونُسختْ أحكامُ الشريعةِ المقال السابقةِ في نطاقِ ما جاءتِ الشريعةُ الجديدةُ بتغييره.

النصوصُ والمصادرُ المقدّسةُ لدى اليهود

التوراة: تُعدّ من أقدم الكتب السماوية المدوّنة في التراث الإبراهيمي، ويُشار إليها أيضًا باسم «ناموس موسى». وتتكوّن من خمسة أقسام أساسيّة تُعرف بـ«الأسفار الخمسة»:

سِفر التكوين: يتناول خلق العالم والإنسان، وقصص الأنبياء والأمم المقال السابقة.

سِفر الخروج: يعرض قصة استعباد بني إسرائيل في مصر، وخروجهم منها ونجاتهم من فرعون.

سِفر اللاويين: يشتمل على الأحكام والشعائر والتقاليد والأنظمة الدينية لدى بني إسرائيل.

سِفر العدد: يتناول عددًا من أحداث مسيرة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، وما جرى لهم خلال مرحلة التيه في الصحراء.

سِفر التثنية: يعيد عرض جانب من الأحكام والوصايا، مع بيانها وتفصيلها وتأكيدها.

وترى الرؤية الإسلامية أن أصل التوراة كان وحيًا إلهيًا أنزله الله تعالى على نبيّه موسى عليه السلام، غير أن النص المتداول اليوم تعرّض، وفق هذه الرؤية، لتحريفات وتغييرات على أيدي الكتبة والأحبار، ولا سيما في المواضع التي كانت تتضمن البشارة بظهور النبي الخاتم.

ألواح النبي موسى عليه السلام: هي ألواح أنزلها الله تعالى على النبي موسى عليه السلام في جبل الطور، وتضمّنت مبادئ أساسية في الشريعة، من أبرزها الوصايا العشر؛ كالتوحيد ونبذ عبادة الأصنام، واجتناب الحلف الكاذب، والنهي عن القتل والزنا والسرقة والكذب، وإكرام الوالدين، والنهي عن الطمع في أموال الآخرين وأعراضهم. وقد اختلفت الآراء في مدى ارتباط هذه الألواح بنص أسفار التوراة المتداولة، وفي عدد الألواح ومادتها وطبيعتها.

التلمود (التوراة الشفهيّة): هو موسوعة واسعة ومتعدّدة الأجزاء، تشكّلت من مجموعة من التقاليد والأحكام والتعاليم والمناقشات التي نقلها أحبار اليهود ودوّنوها على امتداد قرون. ويتكوّن أساسًا من جزأين رئيسيين: المِشناه، وهي مجموعة النصوص التشريعية المركزية، والجِمارا، وهي شروح ومناقشات وتعليقات عليها.

وعلى الرغم من أن اليهودية الحاخامية تعدّ التلمود من أهم مصادر استمرار تقاليدها الدينية عبر التاريخ، وتربطه بالتقاليد الشفوية المنسوبة إلى موسى عليه السلام، فإن الرؤية الإسلامية، في ضوء التصور القرآني والنقدي، لا تعدّه كتابًا إلهيًا منزلًا، بل تراثًا دينيًا بشريًا تشكّل عبر مراحل تاريخية. أما التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، فهي الكتاب السماوي الذي كانت له الحجية في شريعته.

مؤلِّفاتُ وسُنَنُ بناءِ الحضارةِ في سيرةِ النبيِّ موسى عليه السلام

إنَّ سيرةَ موسى عليه السلام لا تقتصرُ على كونِها سردًا تاريخيًّا لأحداثٍ مضت، بل تقدّمُ منظومةً متكاملةً من السننِ والقوانينِ التي تحكمُ مسارَ تكوّنِ المجتمعاتِ التوحيديّةِ وبناءِ الحضارةِ الإلهيّة. ومن أبرزِ المقوّماتِ الحضاريّةِ التي تكشفُ عنها هذه السيرة:

١. الاضطرارُ والاستغاثة: الشرطُ الممهّدُ للفرجِ وظهورِ المنقذ

تقتضي السُّنّةُ الإلهيّةُ أن تبلغَ الجماهيرُ المؤمنةُ مرحلةً من الإدراكِ العميقِ لحالةِ الاضطرار، فتتوجّهَ إلى اللهِ بصدقٍ، وتطلبَ قيامَ الحاكميّةِ الإلهيّةِ وتستغيثَ به لرفعِ الظلمِ وتحقيقِ الفرج. وقد كان تضرّعُ بني إسرائيلَ واستغاثتُهم سببًا في العفوِ عن مئةٍ وسبعينَ سنةً من مدّةِ الابتلاء، وفي التعجيلِ ببعثةِ النبيِّ موسى عليه السلام لإنقاذِهم.

٢. ضرورةُ القيادةِ الإلهيّةِ المعصومةِ والمتخصّصة

إنّ المجتمعَ، من دونِ قيادةٍ متّصلةٍ بمصدرِ العصمةِ والوحي، ومحيطةٍ بحقائقِ النفسِ الإنسانيّةِ وسننِ السعادةِ في الدنيا والآخرة، ومنزّهةٍ عن الأهواءِ وعن منهجِ التجربةِ والخطأ البشري، لا يمتلكُ القدرةَ الكافيةَ على مواجهةِ مكائدِ شياطينِ الجنِّ والإنسِ والبُنى الطاغوتيّةِ، كالنظامِ الفرعوني.

٣. الدورُ المحوريُّ للطاعةِ وقبولِ الولاية

إنّ وجودَ القائدِ المعصومِ وحدَه لا يضمنُ فلاحَ المجتمع؛ فالحضارةُ الإلهيّةُ تقومُ على ركنينِ متكاملين: القائدُ الحكيمُ والأتباعُ المطيعونَ المتواضعونَ والمجاهدون. وقد كشفتْ تمرّداتُ بني إسرائيلَ، ولا سيّما موقفُهم من الجهادِ وفتنةُ السامري، أنّ التهاونَ في الطاعةِ وضعفَ اليقينِ يمكنُ أن يقودا المجتمعَ إلى التيهِ والانحطاطِ الإنساني.

٤. محوريّةُ الشريعةِ وإرساءُ منظومةِ الأحكام

لا يمكنُ بناءُ حضارةٍ من دونِ منظومةٍ واضحةٍ من الحدودِ والأحكامِ والقوانينِ التي يضعُها اللهُ تعالى، ويبيّنُها الرسولُ، ويعملُ على ترسيخِها في المجتمع. وقد أرستْ شريعةُ النبيِّ موسى عليه السلام الأساسَ لبناءِ النظامِ وتنظيمِ شؤونِ الأمّة.

٥. الصبرُ والثباتُ في مراحلِ الابتلاءِ الحضاري

يختلفُ طريقُ بناةِ الحضارةِ عن نمطِ حياةِ الذين تستغرقُهم متطلّباتُ المعيشةِ اليوميّة. فإقامةُ الحقِّ تستلزمُ اجتيازَ مراحلِ التمحيصِ والاختبارِ بنجاح، بما يصاحبُها من ابتلاءاتٍ ماليّةٍ وجسديّة، ومراحلَ من التيهِ، واختباراتٍ شاقّةٍ للإيمان؛ حتى تنكشفَ حقيقةُ صدقِ النفوسِ ومقدارُ ثباتِها.

٦. طهارةُ النفسِ والتزكيةُ والتقوى

إنّ السيرَ في طريقِ بناءِ مجتمعِ الصالحينَ يقتضي نبذَ الرذائلِ والتحلّي بالفضائلِ والأخلاقِ الإلهيّة. فالقلوبُ الملوّثةُ والخاليةُ من التقوى لا تصمدُ أمامَ عواصفِ الفتنِ وهجماتها، وسرعانَ ما تتساقطُ من مسيرةِ بناءِ الحضارة.

٧. الهجرةُ متعدّدةُ الأبعادِ وهندسةُ الأولويّات

تكشفُ هجراتُ النبيِّ موسى عليه السلام المتعدّدة، من مصرَ إلى مَدْيَن، ومن مَدْيَنَ إلى مصر، ثمّ خروجَه من مصرَ نحوَ الأرضِ المقدّسة، أنّ بناءَ الحضارةِ قد يقتضي هجرةً مكانيّةً وروحيّةً في آنٍ واحد؛ أي التحرّرَ من التعلّقاتِ والعاداتِ والمحبوباتِ الدنيويّة، وتقديمَ أمرِ اللهِ والجهادِ في سبيلِه على كلِّ ما سواه.

٨. سُنّةُ الإمدادِ الغيبيِّ في ظلِّ المجاهدةِ الإنسانيّة

لا تقومُ الحضارةُ الإلهيّةُ على الإعجازِ المجرّد، بل تُبنى على المجاهدةِ المتواصلةِ، والعملِ الدؤوبِ ليلًا ونهارًا، وثباتِ الجماهيرِ في ميدانِ العمل. وحين يُظهرُ المؤمنونَ صدقَ إخلاصِهم ومقدارَ ثباتِهم، يأتي الإمدادُ الإلهيُّ، وتتجلّى صورُ النصرِ والمعونةِ الغيبيّةِ بقيادةِ الرسولِ الإلهي.

 

اكتب رأيك