مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

دور النبي إبراهيم عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية والتمهید لتكوين الأمة

جدول المحتويات

دور النبي إبراهيم عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية؛ دراسة في أحداث حياته ومعجزاته ومقاماته وتحديات مسيرته الرسالية

يُعدّ النبي إبراهيم عليه السلام ثاني الأنبياء أولي العزم، ومن الأنبياء الذين بعثهم الله بشرائع مستقلة. وقد سمّى القرآن الكريم الكتاب الذي أُنزل عليه “الصحف“واشتهر إبراهيم عليه السلام بلقب “خليل الله” وتشير الروايات إلى أنه وُلد في العراق أو حرّان، قبل نحو عشرين قرنًا من ميلاد المسيح عليه السلام، وعاش قرابة مئتي عام، ثم توفي في حِبرون، المعروفة اليوم بمدينة الخليل في فلسطين. وكان اسم والد إبراهيم عليه السلام تارخ. أما الرجل الذي سمّاه القرآن الكريم «آزر» ووصفه بلفظ «أب»، فلم يكن والده؛ لأن لفظ «الأب» في اللغة العربية لا يقتصر على الوالد المباشر، بل قد يُطلق كذلك على الجد أو العم أو من يقوم مقام الأب. وقد كان إبراهيم عليه السلام على الدوام بعيدًا عن آزر، رافضًا لعقيدته ومتخليًا عن نهجه. وكانت أولى زوجات إبراهيم عليه السلام سارة، وهي ابنة خالته وأخت النبي لوط عليه السلام. ولما لم تُرزق سارة بالأولاد، وهبت جاريتها هاجر لإبراهيم عليه السلام، فولد له منها إسماعيل عليه السلام، ثم وُلد له بعد ذلك إسحاق عليه السلام من سارة. وقد ورد اسم إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وتناول القرآن جوانب متعددة من نبوته، وأحداث حياته، ومقاماته، ومعجزاته. كما ورد ذكره في العهد القديم، مع الإشارة إلى جوانب من سيرته. وتزخر حياة إبراهيم عليه السلام بأحداث استثنائية ومواقف عميقة ودروس بالغة الأهمية؛ ومن شأن التأمل فيها أن يوضح طبيعة الجهود التي بذلها القادة الإلهيون في سبيل بناء الحضارة الإلهية، ويمكّن من فهم المسار الذي سلكوه لتحقيق هذا الهدف.

وقد بُعث إبراهيم عليه السلام في مرحلة من التاريخ لم تكن فيها المجتمعات والحضارات البشرية قد بلغت بعد صورتها المتكاملة. وكان الإنسان في بدايات مسار تلقي الشريعة، ولم تكن شريعة محددة قد انتشرت على نطاق واسع بين الناس. فجاء إبراهيم عليه السلام بعد نوح عليه السلام حاملًا شريعة خاصة وكتابًا خاصًا، ليواصل مسيرة هداية البشرية.

 

تُعدّ الشريعة ركنًا أساسيًا في نشوء الحضارات وتشكّلها؛ إذ إن الشريعة التي كانت أساسًا لبناء الحضارة الإلهية لم يكن من الممكن تقديمها إلى الإنسان في مراحله الأولى دفعة واحدة وبصورتها الكاملة. ومن هنا، تولّى كل نبي من أنبياء أولي العزم مرحلة من مراحل إبلاغ الشريعة واستكمالها، ثم كانت رسالة النبي اللاحق امتدادًا لما سبقها وأكثر اكتمالًا، بحيث يصبح اتباع الشريعة الجديدة واجبًا على الناس.

وقامت شريعة إبراهيم عليه السلام على التوحيد، وطاعة الله، والأخلاق والفضائل الإنسانية، والمناسك والعبادات، والأحكام والقوانين الإلهية. وكان دوره في تكوين الأمة الإلهية ووضع الأسس الأولى للحضارة الإلهية دورًا بالغ الصعوبة والتأثير؛ فقد واجه قومًا اتسموا بسطحية التفكير، وشدة المقاومة، وبساطة البنية الفكرية والاجتماعية. ومع ذلك، اجتاز إبراهيم عليه السلام في سبيل تحقيق رسالته سلسلة من المشاق والاختبارات والابتلاءات، وخرج منها جميعًا ثابتًا ناجحًا، فكان ذلك من أسباب بلوغه مقامات عظيمة، منها الرسالة والإمامة والخُلّة والعصمة والقضاء.

من خلال دراسة الأحداث المهمة في حياة إبراهيم عليه السلام، ومعجزاته، ومقاماته، والابتلاءات التي مرّ بها، تتضح بصورة أكبر طبيعة دوره في بناء الحضارة الإلهية، وكيف أسهم في تهيئة المقدمات والظروف اللازمة لتكوين الأمة الإلهية.

أهم أحداث حياة النبي إبراهيم عليه السلام

لفهم شخصية النبي إبراهيم عليه السلام فهمًا دقيقًا، لا بد من الوقوف على أهم أحداث حياته، ومعجزاته، والابتلاءات التي مرّ بها، ودراسة دلالاتها وآثارها في مسيرته. فقد شهدت حياته أحداثًا متعددة، يحمل كلٌّ منها دلالات جديرة بالتأمل، غير أن بعض هذه الأحداث كان أكثر تأثيرًا في مسار رسالته وإمامته، وفي دوره في بناء الحضارة الإلهية.

قصة تحطيم الأصنام ومواجهة الوثنية

كان إبراهيم عليه السلام يعيش مع آزر، الذي كان عمَّه أو أباه بالتبنّي. ولم يكن آزر موحّدًا، بل كان مخالفًا لعقيدة إبراهيم عليه السلام، وكان يحذّره باستمرار من عواقب آرائه ومواقفه، وينهاه عن الدعوة إلى التوحيد. وفي نهاية المطاف، افترق طريق إبراهيم عن آزر، فغادر منزله واستقلّ بحياته ومعاشه.

ومع ذلك، لم يتخلَّ إبراهيم عليه السلام عن دعوة الناس إلى الهداية، وظلّ يحذّرهم من عبادة الأصنام. ولم تكن مواقف الناس من دعوته واحدة؛ فقد آمن به عدد قليل منهم، بينما كان بعضهم يدّعي صعوبة فهم ما يقوله، وأصرّ آخرون على رفض دعوته، متشبثين بالتعصب والتقاليد الموروثة. وكانوا يقولون: كيف يمكننا أن نثق بكلام إبراهيم، بينما آباءنا ظلوا على عبادة الأصنام مئات السنين؟

ولم يتراجع إبراهيم عليه السلام عن موقفه التوحيدي قط، بل قرر أن يتخذ خطوة أكثر حسمًا في سبيل إيقاظ الناس وتنبيه عقولهم. وفي يوم كان يُعدّ عيدًا كبيرًا لقومه، خرج الناس إلى الصحراء للاحتفال، بينما بقي إبراهيم في المدينة. وبعد أن خلت المدينة من أهلها، أخذ فأسًا ودخل بيت الأصنام، فحطّم الأصنام جميعًا، ثم علق الفأس على الصنم الأكبر. وعندما عاد الناس من احتفالهم، وجدوا أصنامهم محطّمة، فسارعوا إلى إبلاغ نمرود، الحاكم الظالم في ذلك الزمان. فأمر نمرود أتباعه بالقبض على إبراهيم عليه السلام، وأقيمت له محاكمة علنية. وعندما نسب القاضي إلى إبراهيم عليه السلام تحطيم الأصنام، استغلّ إبراهيم هذا الموقف لإيقاظ عقول الناس، وقال لهم: ” قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ“.[1]

وحين أجاب القاضي بأن الأصنام المصنوعة من الحجر والخشب لا يمكن أن تتكلم، قال إبراهيم عليه السلام، في معرض احتجاجه عليهم: كيف تعبدون شيئًا لا يملك حتى القدرة على الكلام؟ ثم أوضح أن المشكلة ليست في الحجر والخشب ذاتهما، وإنما في الضلال والجهل اللذين استحوذا على عقول الناس، وواصل حديثه عن وحدانية الله تعالى. وقد دفعت كلمات إبراهيم عليه السلام الناس إلى التفكير وإعادة النظر في معتقداتهم، إلا أن هذا التأثير أثار قلق نمرود، وجعله يندم على إقامة المحاكمة علنًا. وقد كشفت هذه الحادثة بوضوح أن القضية التي ظلّ إبراهيم عليه السلام يحملها ويدافع عنها طوال مسيرته في الرسالة والإمامة، كانت تتمثل في إثبات أهم قضية في حياة الإنسان وترسيخها، وهي التوحيد والتحذير من الشرك.

إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار وتحولها إلى برد وسلام

بعد تحطيم الأصنام والانتصار المعنوي الذي حققه إبراهيم عليه السلام في مواجهة نمرود، أمر نمرود بإعداد نار عظيمة لإحراقه. ثم أُلقي إبراهيم عليه السلام في النار بواسطة المنجنيق. والثابت أن النار بردت على إبراهيم عليه السلام بأمر الله وإذنه. وقد تعددت الآراء في كيفية وقوع هذه المعجزة؛ فذهب بعضهم إلى أن طبيعة النار نفسها تبدلت وتحولت إلى روضة، بينما رأى آخرون أن الله تعالى جعل حاجزًا بين إبراهيم والنار، فلم تصل إليه ولم تحرقه. وعلى أي حال، فإن نجاة إبراهيم عليه السلام من النار وبردها عليه تُعدّ من أبرز معجزاته في تاريخ الأديان. وكان إلقاء إبراهيم عليه السلام في قلب النار من أشد الابتلاءات التي مرّ بها، وقد تجاوزها بالصبر والثبات والإيمان. وتكشف هذه الحادثة أن طريق ترسيخ التوحيد وهداية الناس لا يخلو من المعاناة والتهديد والابتلاء، وأن حمل الرسالة الإلهية يقتضي الثبات أمام أشد التحديات.

هجرة إبراهيم عليه السلام

وقعت بعض أهم أحداث حياة إبراهيم عليه السلام ومعجزاته بعد هجرته. فبعد حادثة تحطيم الأصنام وصدور القرار النهائي من نمرود بإخراجه من المدينة ونفيه منها، أُصيب نمرود بمرض شديد بسبب دخول ذبابة من أنفه إلى دماغه، ثم مات. وفي الوقت نفسه، ضرب الجفاف والقحط أرض بابل، وذهبت البركة عن تلك البلاد.

كان إبراهيم عليه السلام قد أدّى رسالته في تلك الأرض، وغرس في نفوس الناس بذور الوعي والمعرفة والتوحيد. وكانت تلك البذور بحاجة إلى مرور الزمن حتى تنمو وتؤتي ثمارها. ومن هنا، حان الوقت لانتقال إبراهيم عليه السلام إلى أرض جديدة، ومواصلة رسالته في منطقة أخرى. فتوجّه عليه السلام برفقة زوجته سارة، والنبي لوط عليه السلام، وربما عدد من المؤمنين، من بابل نحو بلاد الشام. ومع أن القرآن الكريم لم يذكر اسم هذه الأرض صراحةً في هذا الموضع، فقد فُسّر، في ضوء الآيات الأولى من سورة الإسراء، بأن المقصود هو أرض الشام أو بيت المقدس. في البداية، لم يكن مقصد الهجرة محددًا على نحو دقيق. فاتجه إبراهيم عليه السلام أولًا نحو منطقة الشام، التي تشمل سورية وفلسطين ولبنان والأردن في الوقت الحاضر. وأقام عليه السلام مدةً في مدينة حَرّان، الواقعة في جنوب تركيا اليوم، وتمكن خلالها من هداية عدد كبير من الناس. ثم انتقل، بسبب القحط والجفاف، إلى مصر، وبعد مدة عاد إلى فلسطين، واستقر فيها.

كانت هجرة إبراهيم عليه السلام من أوائل الهجرات المؤثرة في التاريخ بهدف نشر التوحيد بين الناس وتهيئة الظروف اللازمة لإقامة الحضارة الإلهية. وقد اتخذ عليه السلام هذا القرار متوكّلًا على الله، وهادفًا إلى إحداث تحول جديد في أرضٍ أخرى.

الهجرة إلى مكة، وهاجر، ونبع زمزم

كانت الهجرة الثانية لإبراهيم عليه السلام هي هجرته إلى مكة. وكانت سارة، زوجة إبراهيم عليه السلام، لا تقدر على الإنجاب. فتزوج إبراهيم عليه السلام هاجر، فولد له منها إسماعيل عليه السلام. وبعد مدة، وُلد له إسحاق عليه السلام من سارة، بإذن الله تعالى. وبعد ولادة إسحاق، أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يأخذ هاجر وإسماعيل إلى مكة، وكانت آنذاك أرضًا قاحلة لا ماء فيها ولا سكان. وكانت هذه الهجرة من أعظم الابتلاءات التي مرّ بها إبراهيم عليه السلام؛ إذ كانت هجرة مؤقتة، قصد بها أن ينقل هاجر وولدها إلى مكة.

فترك إبراهيم عليه السلام هاجر ورضيعها في تلك الأرض، ومعهما شيء من الماء والتمر، ثم عاد إلى الشام. وفي ذلك الموقف الشديد، توكل عليه السلام على الله، وفوّض أمر أسرته إليه. وبعد مدة، نفد ما كان لدى هاجر من الماء والتمر، واشتد العطش على إسماعيل حتى أخذ منه التعب مأخذًا شديدًا. فخرجت هاجر تبحث عن الماء، وأخذت تسعى سبع مرات بين الصفا والمروة، وكانت من شدة العطش ترى السراب في كل اتجاه. وقد خُلّد هذا السعي الذي قامت به هاجر، وعُرف بـ«السعي بين الصفا والمروة»، في مناسك الحج والعمرة إلى يومنا هذا. وعندما عادت هاجر متعبة يائسة نحو رضيعها، رأت الماء ينبع من تحت قدمي إسماعيل. فقد كان إسماعيل يضرب الأرض بقدميه من شدة العطش، فأجرى الله تعالى ماء زمزم جزاءً لهذا الاضطراب والابتهال. ويُعدّ نبع زمزم من المعجزات المهمة المرتبطة بحياة إبراهيم عليه السلام ومسيرة هجرته الشاقة.

رؤيا ذبح إسماعيل عليه السلام

ومن الابتلاءات العظيمة الأخرى التي مرّ بها إبراهيم عليه السلام قصة ذبح إسماعيل عليه السلام. فقد رأى إبراهيم عليه السلام ذات ليلة في المنام أنه مأمور بأن يذبح ابنه إسماعيل بيده. ورؤى الأنبياء حق، ولا سلطان للشيطان عليها، وقد تكررت هذه الرؤيا في ليالي عرفة وعيد الأضحى أيضًا.

فأخبر إبراهيم عليه السلام إسماعيل بما رآه في المنام، فتلقّى إسماعيل هذا الأمر بيقين وقبول. وأخذ إبراهيم عليه السلام إسماعيل، وقلبه مفعم بالمحبة لابنه، إلى مذبح مكة، واستعد لذبحه. وفي تلك اللحظة، جاء النداء الإلهي: يا إبراهيم! لقد قُبلت قربانيتك، فاترك إسماعيل واذبح كبشًا. فحمد إبراهيم عليه السلام الله، وذبح كبشًا بدلًا من ابنه.

وتُعدّ هذه الحادثة من الوقائع الجديرة بالتأمل في حياة إبراهيم عليه السلام، ويمكن عدّها من معجزاته أيضًا. كما تكشف هذه الواقعة أن أعظم النصرة والفتوحات الإلهية إنما تتحقق حين تقدّم جبهة التوحيد اللهَ وطريق التوحيد على أهوائها وميولها.. فلولا أن إبراهيم عليه السلام أقدم على ذبح إسماعيل، أو أنه لم يمتثل لأمر الله حين ترك زوجته ورضيعه في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا سكان، لما أمكنه بلوغ تلك المقامات العظيمة. فمقامات، كالإمامة والخُلّة، إنما تحققت نتيجة التضحية بعلائق إبراهيم عليه السلام ومحبوباته في سبيل الله، والجهاد من أجله.

بناء بيت الله وتشييد الكعبة

أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني في مكة بيتًا للعبادة. وكانت الكعبة موجودة في مكة منذ عهد آدم عليه السلام، إلا أنها تضررت بعد ذلك خلال طوفان نوح عليه السلام. فشرع إبراهيم عليه السلام، برفقة ابنه إسماعيل عليه السلام، في بناء الكعبة، وبذلا في ذلك جهدًا كبيرًا. وكان إسماعيل عليه السلام ينقل الحجارة من الصحارى المحيطة إلى موضع البناء، بينما كان إبراهيم عليه السلام يرفع جدران الكعبة شيئًا فشيئًا. وأثناء بناء الكعبة، كان إبراهيم عليه السلام يبحث عن حجر يضعه في الركن الشرقي منها. فأنزل الله تعالى من السماء الحجرَ السماوي، وهو الحجر الأسود، فنصبه إبراهيم عليه السلام في الركن الشرقي للكعبة.

وكان بناء بيت الله خطوةً في طريق نشر التوحيد، ليعلم الناس جميعًا أن العالم كله ينبغي أن يتمحور حول مركز واحد، وأن تتجه قلوبهم جميعًا نحو مركز واحد. ويُعدّ طواف أجساد الناس وقلوبهم حول مركز إلهي واحد من أركان تشكّل الأمة الموحّدة.

إحياء الطيور؛ معجزة لمشاهدة إحياء الموتى

طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى أن يريه كيفية إحياء الموتى. فأمره الله تعالى أن يذبح عدة طيور مختلفة، وأن يخلط أجزاءها بعضها ببعض، ثم يضع كل جزء منها على قمة جبل، وبعد ذلك يدعو الطيور.

فنفّذ إبراهيم عليه السلام الأمر الإلهي. وعندما دعا الطيور، اتجهت أجزاء كل طائر بعضها نحو بعض، فعاد كل طائر إلى الحياة بصورة مستقلة، ثم أقبل نحو إبراهيم عليه السلام. ويُعدّ إحياء الطيور من أروع معجزات إبراهيم عليه السلام وأكثرها إثارةً للتأمل.

مقامات إبراهيم عليه السلام

إن معرفة المقامات التي بلغها إبراهيم عليه السلام أمر ضروري لفهم دوره في بناء الحضارة الإلهية. فالمقامات الإلهية التي يبلغها القادة تكشف عن سعة نفوسهم، وطبيعة قدراتهم الوجودية، ومدى استعدادهم لهداية الناس في مسار تكوين الأمة الإلهية.

مقام الرسالة

كان إبراهيم عليه السلام صاحب مقام الرسالة، وهو مقام أرفع من مقام النبوة. وكان الأنبياء أولوالعزم، الذين جمعوا بين مقام الرسالة وشريعة خاصة، عددًا محدودًا، وكان إبراهيم عليه السلام واحدًا منهم. وقد جعل امتلاكه شريعة خاصة دوره في بناء الحضارة أكثر حضورًا وتأثيرًا. وقد منح الله تعالى مقام النبوة لبعض أبناء إبراهيم عليه السلام أيضًا، ومنهم داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون عليهم السلام. كما أن نسل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يرجع إلى إسماعيل عليه السلام، ومن ثم إلى إبراهيم عليه السلام.

مقام الإمامة

من اللافت أن القرآن الكريم، بعد أن أشار إلى نبوة إبراهيم عليه السلام، تحدّث عن بلوغه مقام الإمامة، وهو مقام ومنصب أرفع من مقام الرسالة. وقد بيّن الله تعالى أن إبراهيم عليه السلام بلغ هذا المقام الرفيع بعد أن اجتاز بنجاح سلسلةً من الاختبارات والابتلاءات الإلهية الشديدة.

وكان إبراهيم عليه السلام قد بلغ أعلى مراتب اليقين، ثم أبلغه الله تعالى مقام الإمامة بالوحي، في الوقت الذي كان فيه نبيًا. ولا تقتصر الإمامة على ما يترتب على الرسالة من مزايا، بل تشمل كذلك شؤونًا أخرى، من أبرزها القيادة السياسية، والمرجعية الولائية، والمرجعية الدينية. وهذه الشؤون مجتمعة لا تتوافر إلا في عدد محدود من الأنبياء، وهي التي تمنحهم منزلةً متميزة عن سائر الأنبياء. ومن ثم، لم يكن من الممكن أن يضطلع إبراهيم عليه السلام بدوره في بناء الحضارة الإلهية على الوجه المطلوب من دون مقام الإمامة والمرجعية الولائية.

مقام الخُلّة

تُعدّ الخُلّة من أسمى مقامات القرب من الله تعالى وأعمقها، وهي مشتقة من «الخُلّة» التي تعبّر عن غاية المحبة والمودّة وعمق الصلة بين المتحابّين.

وقد أهّلت خصال إبراهيم عليه السلام لبلوغ هذا المقام الرفيع، وفي مقدمتها التوحيد، والإخلاص في الدين، والتضحية، والتسليم التام لإرادة الله تعالى، والتحرر من التعلقات الدنيوية. وكان مقام الخُلّة من المقامات التي لم ينلها إلا عدد قليل جدًا من عباد الله؛ حتى إن موسى عليه السلام، مع علو مقامه في النبوة والرسالة، لم يبلغ مقام الخُلّة. ويجسّد مقام الخُلّة أسمى درجات القرب والارتباط الكامل والمستمر بالله تعالى، وقد بلغ إبراهيم عليه السلام هذا المقام بعد أن اجتاز الابتلاءات الشديدة بنجاح، وأثبت رسوخ إيمانه وثباته في طاعة الله تعالى.

مقام العصمة

تشير آيات القرآن الكريم، بصورة ضمنية، إلى عصمة إبراهيم عليه السلام. والعصمة هي الحفظ من الذنب والخطأ والاشتباه، وهي من الخصائص التي أودعها الله تعالى في الأنبياء والأئمة، ليتمكنوا من أداء رسالتهم الإلهية وإبلاغها إلى الناس على الوجه الصحيح، من غير انحراف أو خلل.

إذا لم يكن الأنبياء معصومين، لجاز أن يقعوا في الخطأ عند تبليغ الدين، وهو ما قد يفضي إلى تحريف الدين وإضلال الناس. ومن ناحية أخرى، لو علم الناس أن أنبياءهم قد يخطئون أو يشتبهون، لما أمكنهم أن يطمئنوا إليهم، أو يقتدوا بهم، أو يتخذوهم أسوةً كاملة في حياتهم.

مقام القضاء

كان مقام القضاء من أبرز المقامات التي منحها الله تعالى لإبراهيم عليه السلام. ويكشف اضطلاعه بالقضاء عن رجاحة عقله، وعمق نظره، وقدرته على التعامل مع القضايا الأخلاقية والاجتماعية بحكمة ودراية. وقد أشار القرآن الكريم كذلك إلى ما حظي به إبراهيم عليه السلام من مقام القضاء.

وكان من أهم المؤهلات التي أهلته لهذا المقام ما امتاز به من عقل راجح، وحكمة في الحكم، وإيمان راسخ، وخبرة ووعي. وقد ترك اضطلاعه بالقضاء آثارًا واسعة في المجتمع وبين أتباعه، من أبرزها ترسيخ العدالة، وتثبيت القيم الأخلاقية، والتمهيد لدور فاعل في بناء الحكومة الإسلامية في المستقبل.

دور إبراهيم عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية

يعدّ بناء حضارة إلهية يكون محورها تزكية الإنسان وسلامة نفسه، وارتقاء قلبه نحو التشبه بالصفات الإلهية، من أصعب المهام في عالم الوجود. وتحقيق هذا الهدف، الذي يمثل في حقيقته غاية خلق الإنسان، يتطلب قرونًا من الصبر والمعاناة والجهد المتواصل الذي يبذله القادة الإلهيون المؤهلون وأتباعهم الصالحون.

وتكشف شخصية إبراهيم عليه السلام وسيرته، وما شهدته حياته من أحداث ووقائع، عن جملة من المواقف والإجراءات التي كان لكل منها أثر مهم في تهيئة الأرضية اللازمة لقيام الحضارات الإلهية. وكان إبراهيم عليه السلام، طوال مسيرته في الرسالة والإمامة، يسعى إلى إثبات التوحيد وترسيخه في نفوس الناس، والدعوة إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى، والتحذير من الشرك واتخاذ الشريك له.

ففي حادثة تحطيم الأصنام، وقبل الإقدام على أي خطوة، وجّه إبراهيم عليه السلام كل جهده نحو ترسيخ هذه القضية، ليعلّم الناس أن السير في طريق هدايتهم، ونشر دين الله والدعوة إليه، لا يمكن أن يقوم على أساس متين من دون الإيمان بوحدانية الله تعالى وترسيخ هذا الإيمان.

 

إن إقامة الحضارة الإلهية وتكوين أمة موحّدة تتمحور حول الإنسان لا يمكن أن يتحققا من دون الإيمان بالتوحيد والسير في مقتضاه. وكان بناء بيت الله أيضًا خطوةً في هذا الاتجاه؛ ليعلم الناس أن العالم كله ينبغي أن يتمحور حول مركز واحد، وأن تتجه قلوبهم وأجسادهم إلى محور إلهي واحد وتطوف حوله.

ومن خلال إبلاغ شريعته، وإيتائه الكتاب الإلهي، وبيان أحكام الشريعة، علّم إبراهيم عليه السلام الناس أن من أهم مقومات بناء الحضارة الإلهية وجود شريعة راسخة ومحكمة؛ إذ لا يمكن إقامة حضارة إلهية أو تكوين أمة إلهية من دون شريعة تنظم حياة الناس بقوانينها وتعاليمها، وتخرجهم من حالة التشتت، وتحدد ضوابط السلوك، وترسم حدود الحياة الفردية والاجتماعية وأسسها.

فإن تفرّق الناس، وما ينشأ عن ذلك من إفراط وتفريط في حياتهم الفردية والاجتماعية، إلى جانب تحررهم من كل قيد وضابط، يقضي على مقومات الوحدة والالتزام القلبي اللذين لا غنى عنهما في بناء الحضارات الإلهية.

ومن أبرز الدروس التي تكشف عنها سيرة إبراهيم عليه السلام في مسيرته الحضارية أن ارتقاءه في مدارج الكمال الروحي، وبلوغه مقاماته الرفيعة، جاء بعد اجتيازه سلسلة متوالية من الاختبارات والابتلاءات الإلهية الشديدة. فقد كان إلقاؤه في النار، وهجراته المتعددة، وترك زوجته وولده في الصحراء، والإقدام على ذبح ولده، وسائر الابتلاءات التي مرّ بها في حياته، حلقات متتابعة في هذا المسار. ولم يبلغ إبراهيم عليه السلام مقام الإمامة إلا بعد أن اجتاز الاختبارات الشديدة التي واجهها في مسيرته الرسالية بصبر وثبات.

كما تعلّمنا سيرة إبراهيم عليه السلام كذلك أنه في طريق الإيمان بالتوحيد وبيانه، ثم في سبيل تكوين الأمة الإلهية، لا ينبغي للإنسان أن ينتظر المعجزة منذ البداية، ثم يتخلى عن السعي والعمل. إذ تكشف الأحداث والمعجزات التي شهدتها حياته أن المعجزات الإلهية تأتي لمساندة الإنسان في طريق التوحيد وبناء الحضارة بعد أن يكون قد بذل ما في وسعه من جهد، وتحمّل من المشقة والعناء، وصبر وثابر، وأثبت صدقه في هذا الميدان. وبعد أن يبذل الإنسان ما في وسعه من السعي ويثبت صدقه، تُفتح له أبواب الرحمة الإلهية، وتتوافد أفواج الملائكة، بإذن الله تعالى، لنصرته ومعونته. فبناء الحضارة الإلهية مسارٌ أراد الله تعالى أن ينطلق من إرادة الإنسان ورغبته وسعيه، وأن يتأسس على اختياره وعمله، لا أن يقوم منذ البداية على المعجزات الإلهية.

ضرورة وجود قيادة متخصصة وإلهية وإنسانية ومعصومة من الخطأ

تُظهر لنا أحداث حياة إبراهيم عليه السلام وسيرته في مرحلتي الرسالة والإمامة أن التدبير الإلهي لهداية البشرية، ودفع الإنسان إلى الدخول في رحم الحضارة الإلهية، وصولًا إلى تحقيق سعادته في الدنيا والآخرة، لا يمكن أن يتم من دون قيادة إلهية.

فالقيادة القادرة على تعليم الإنسان المنهج الصحيح للسير في طريق التربية الإلهية والإنسانية، وإرشاده إلى كيفية اجتياز هذا الطريق، هي القيادة التي نالت تأييد الله تعالى بعد أن تحملت مشاقّ عظيمة، واجتازت اختبارات وابتلاءات متوالية، وبلغت مقامات إلهية، كالقضاء والخُلّة والعصمة وغيرها من المقامات.

ومثل هذه القيادة تتولى بناء الحضارة الإلهية على أساس معرفة حقيقة النفس الإنسانية وبنيتها، وتملك المعرفة بأسرار سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

ومن الدروس الحضارية البارزة التي تكشف عنها سيرة إبراهيم عليه السلام أن أعظم صور النصرة والفتوحات الإلهية كثيرًا ما تتحقق عندما تتجاوز جبهة التوحيد تعلقاتها، وتقدّم الله تعالى وطريق التوحيد على سائر علائقها وميولها. فمقامات، كالإمامة والخُلّة، كانت ثمرةً لتقديم إرادة الله تعالى على تعلّقات إبراهيم عليه السلام ومحبوباته، والتضحية بها في سبيل الله والجهاد من أجله. ولو لم يبلغ إبراهيم عليه السلام القدرة على ترتيب محبوباته وتعلّقاته وفق أولوياتها الصحيحة، لما أمكنه أن يواصل مسيرة تكامله، ولا أن يؤدي دوره الفاعل في بناء الحضارة الإلهية.

وتُعدّ قصة ذبح إسماعيل عليه السلام، وأمر إبراهيم عليه السلام بترك هاجر ورضيعها في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا سكان، مثالين بارزين على تجاوز التعلقات الشخصية في سبيل الامتثال لأمر الله تعالى. وهذه الدروس المستفادة من سيرة إبراهيم عليه السلام تمثل منهجًا تربويًا وحضاريًا يمكن أن يهتدي به جميع السائرين في جبهة الحق. وقد أسهم إبراهيم عليه السلام، من خلال إبلاغ شريعته، وبيان التوحيد، ومواجهة الشرك، وهجراته المتعددة، وتحمل المشاق والابتلاءات الشديدة، وبناء الكعبة، وتربية جيل موحّد، في تهيئة المقدمات اللازمة لتكوين الأمة الإلهية.

 

كما تكشف معجزاته عليه السلام، من برد النار وإحياء الطيور ونبع زمزم إلى حادثة ذبح إسماعيل، إلى جانب ما شهدته حياته من أحداث وما بلغه من مقامات إلهية، أن بناء الحضارة الإلهية لا يمكن أن يقوم من دون التوحيد، والشريعة، والقيادة الإلهية، والصبر على الابتلاءات، ومواصلة السعي، والتحرر من التعلقات التي تحول دون تقديم إرادة الله تعالى على سواها.

وتكشف أحداث حياة إبراهيم عليه السلام ومعجزاته جانبًا من حقيقة ما بذله الأنبياء من جهود ومجاهدات في مسيرة بناء الحضارة الإلهية، ويمكن لسيرته أن تكون نورًا يهتدي به كل من جعل قلبه أرضًا مهيأة لتلقي الدروس والعبر من القادة الإلهيين.

 

[1] . الأنبياء: 63.

اكتب رأيك