مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

المسار الخفيّ لـ. التقرب إلى الله؛ كيف نبلغ أحبّ المراتب عند الله وأهل البيت؟

جدول المحتويات
كيف نكتسب التقرّب إلى الله؟ إعادة قراءة الأسس المعرفيّة للتقرّب في الفكر الشيعي

كيف نكتسب التقرّب إلى الله؟ إعادة قراءة الأسس المعرفيّة للتقرّب في الفكر الشيعي

منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا، ظلّ الإنسان يواجه سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تقليص المسافة الوجوديّة بين ذاته المحدودة والخالق اللامتناهي؟ إنّ السعي للإجابة عن هذا السؤال كان منشأ ظهور الكثير من التقاليد الروحيّة؛ غير أنّ الخطأ في تشخيص طريق الكمال أدّى إلى أن تتحوّل العديد من المناهج العرفانيّة إلى وسائل تُغرق الإنسان في أوهامه الذاتيّة، بدل أن تقرّبه من الحقيقة.

في الفلسفة الإسلاميّة، يحتلّ مفهوم «التقرّب إلى الله» مكانة فريدة بوصفه أحد أكثر تعاليم الحياة الإنسانيّة أساسيّة؛ إذ إنّ غاية الحياة الإيمانيّة ليست سوى بلوغ مقام القرب ونيل السنخيّة مع الربّ سبحانه. ومع هذه الأهميّة البالغة، فإنّ الفهم الخاطئ لحقيقة التقرّب إلى الله أدّى أحيانًا إلى اختزاله في سلوكيات ظاهريّة أو مشاعر عابرة زائلة.

في هذا المقال، انطلاقًا من الأسس القرآنيّة والروايات، وبالاستعانة بتحليلات معرفيّة مستمدّة من تراث أهل البيت عليهم السلام، سنتناول التعريف الصحيح للتقرّب إلى الله، ومعايير بلوغه، والعوامل المؤثّرة في ارتقاء الإنسان إلى المراتب العليا من القرب؛ وهو تعريف لا يقتصر على الجوانب الأخلاقيّة والعباديّة فحسب، بل يشمل أيضًا البنية الداخليّة للقيم، ونظام المحبّة، واتجاه بوصلة اهتماماتنا وهمومنا.

تعريف التقرّب؛ السنخيّة والتشبّه بصفات الله تعالى

إن أوّل خطوة في فهم التقرّب إلى الله هي التمييز بين نوعين من القرب: القرب المكانيّ والقرب الوجوديّ. بما انه من الواضح أنّ الله سبحانه منزَّه عن المكان والزمان والحدود الجسميّة؛ فإنّ أيّ تصوّر للتقرّب إلى الله بوصفه تقليصًا لمسافة مكانيّة هو تصوّر عديم المعنى. وتؤكّد الآية الكريمة: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ»[1]  أنّ الحضور الإلهيّ غير محصور في موضع معيّن، ولا يَصدُق الغياب والحضور عليه تعالى.

بناءً على ذلك، لا يُفهم التقرّب إلى الله إلّا إذا عُدَّ «سنخيّة وجوديّة»؛ أي أن يسلك الإنسان في مسار نموّه الروحيّ طريقًا يُعزّز فيه من الصفات والقيم التي تنسجم مع الأسماء والصفات الإلهيّة. فالتخلّق بصفاتٍ كالعلم، والعدل، والرأفة، والحكمة، والرحمة، هو المظهر الأبرز لهذه السنخيّة. وكلّما ترسّخت هذه الصفات في كيان الإنسان، خطا خطواتٍ أثبت وأرسخ نحو مقام القرب الإلهيّ.

وفي ضوء هذا الفهم، لا تكون العبادة مجرّد أداءٍ للتكليف، بل أداةً تربويّةً ينبغي أن تمتلك القدرة على نقل الإنسان من مستوى السلوكيّات الشكليّة إلى مستوى التشبّه الوجوديّ بالله تعالى. فالعبادة التي لا تُحدث أثرًا تربويًّا، تعجز عن صناعة السنخيّة المطلوبة. ومن هنا، فإنّ التقرّب إلى الله مسارٌ تدريجيّ ، يجد طريقه عبر تصحيح النيّة، وتهذيب الأخلاق، والتطهير الباطنيّ المتواصل.

معيار التقرّب؛ توحيد الهدف مع أهل البيت عليهم السلام والالتحاق بهمومهم

وفقاً لتعالیم أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ تقرّب العبد إلى الله تعالى لا يُقاس بمجرد المظاهر الخارجية للأعمال، بل المقياس الحقيقي لذلك هو مدى مشاركة الإنسان في تحقيق الغايات والهموم التي حملها أهل البيت. فكما في الأسرة الدنيوية يكون الابنُ المُشفق الذي يجتهد لتحقيق صحّة وسعادة ورغبات والديه أحبَّ إليهما، كذلك في الأسرة السماوية؛ حيث تُحدَّد المحبوبية والقرب بقدر مصاحبة الإنسان وموافقته للرسالة الإلهية التي جسّدها أهل البيت عليهم السلام.

أهل البيت هم معدن الرحمة والرأفة والمحبّة والهداية؛ فإذا رأوا إنسانًا يخطو في سبيل إقامة الحكومة الإلهيّة في الأرض، أظهروا له الرضا والمودّة. إن رضاهم يُعدّ من أهمّ مجاري رضا الله تعالى، ومن ثمّ فهو أحد أعمق مسارات التقرّب إلى الله.

إنّ القرب من الله في الرؤية الشيعيّة لا يعني مجرّد تشبّهٍ أخلاقيٍّ منفصلٍ عن الحياة الواقعيّة ورسالة المعصوم؛ لأنّ التشبّه الحقيقيّ لا يتحقّق إلّا حين يرتقي الإنسان بدغدغته الفرديّة المحدودة إلى هموم أهل البيت الشاملة والمتعالية على الحسابات الضيّقة. من هنا، فإنّ معيار التقرّب هو مقدار السنخيّة القلبيّة والعمليّة مع أهدافهم.

العامل الأساسي للتقرّب؛ إعادة تنظيم منظومة المحبّة والقيم في القلب

يتطلّب بلوغ أعلى مراتب التقرّب إلى الله، إعادة بناء عميقة في المنظومة القيميّة والعاطفيّة للقلب. فقلوبنا تقوم على سلّمٍ من المحبّات والأولويّات؛ غير أنّ أكثر الناس يظلّون أسرى همومٍ حسّيّة، أو خياليّة، أو وهميّة، بل وأحيانًا معرفيّة تفتقر إلى التوجيه الإلهيّ.

فإذا كنّا نبتغي التقرّب إلى الله، للزم علينا أن نُعيد ترتيب قيمنا، ومحبوباتنا وهمومنا، بما ينسجم مع قيم أهل البيت عليهم السلام، ومصائبهم، ومسؤوليّاتهم، وأسلوب حياتهم. هذا التحوّل في القلب يفتح الطريق أمام انتقال الإنسان من كائنٍ منفعِلٍ محدود، إلى كائنٍ صاحب رسالة، عالميّ الهمّ، محبٍّ للخير، ومنسجمٍ مع الهمّ الإلهيّ. في الحقيقة، لا يتجسّد التقرّب إلى الله إلّا حين تتصدّر محبّة أهل البيت قمّة السلّم القلبيّ، وحين يختار الإنسان عن وعيٍ وإرادة أن يتخذ أهدافهم أهدافه. عندئذٍ لن يعود أسير الرغبات الشخصيّة ولا المخاوف الوهميّة الضيّقة، بل تنبعث في داخله هموم الهداية، وإنقاذ البشر، والنهوض الروحيّ بالمجتمع. وهذه السنخيّة القيميّة تُعدّ من أعمق تجلّيات التقرّب إلى الله؛ إذ لا تكتفي بتغيير كيان الفرد، بل تحوّله إلى حاملٍ لمسؤوليّةٍ إلهيّة.

دور المعصوم؛ الطريق الوحيد للوصول إلى التقرّب الحقيقي

في الرؤية الشيعيّة، لا يمكن بلوغ القرب الإلهيّ دون وجود نموذج كامل ومعصوم عن الخطأ. فإن الأئمة المعصومين عليهم السلام هم مرآةٌ لإرادة الله؛ أي أنّ وجودهم مثال عمليّ ومرئيّ للتخلق بصفات الله. وبما أن العصمة تحفظهم من الخطأ والغفلة والسهو، فإنّ الاقتداء بهم هو الطريق الأضمن لتجنّب الانحراف في مسار النموّ الإنسانيّ. وبسبب ضعفنا المعرفيّ والنفسيّ، قد نصنع أعمالًا صالحة بنوايا خاطئة، أو نفهم الدين فهمًا ناقصًا. وهنا يأتي دور المعصوم كمعيار لصحّة النوايا، واتجاهات القلب، وسلامة الأفعال. ومن ثمّ، يجب أن تسير كلّ حركة إنسانيّة وفقا لإرشادهم.

تكشف سيرة أهل البيت عليهم السلام عن كيفية تحوّل الهمّ الإلهي إلى واقع حيّ في سلوكهم الاجتماعي والفردي والأخلاقي. والسير على خطا هذه السيرة يمنح الإنسان فرصة التشبّه الحقيقي الذي يشكّل لبَّ الشَّبه بصفات الله تعالى. فالعلاقة بالمعصوم، من هذا الأفق، ليست علاقة معرفة ذهنية، بل رابطة وجودية عميقة، تصوغ الإنسان على شاكلتهم في الوجهة، والغاية، والهمّ.

وفي فكر أهل البيت عليهم السلام، لا تُعدّ العبادات غايات بحدّ ذاتها، بل وسائل لبناء انسجام وجودي، وضبط منظومة القيم لدى الإنسان. فالعبادة التي لا تُنتج توافقًا مع الصفات الإلهية تبقى بلا أثر حقيقي، ولا تؤدي دورها في مسيرة التقرب إلى الله إلا إذا كانت تحت هداية المعصوم، ومقرونة بنيّة صادقة، وهمٍّ إلهي، وقادرة على إعادة تشكيل الكيان الإنساني في اتجاه التشبّه بالله.

فالتقرّب إلى الله ليس مفهومًا أخلاقيًا بسيطًا أو تجربة شعوريّة عابرة؛ بل هو مفهوم وجودي ومعرفي يُبنى على السنخيّة والتشبّه بصفات الله. ومعيار هذه السنخيّة لا يقتصر على أداء العبادات، بل يشمل المصاحبة العمليّة للإنسان لأهداف وهموم أهل البيت عليهم السلام؛ لأنّهم المعيار الإلهيّ لقياس المحبّة والتقرّب.

إذن فالإنسان الذي يريد بلوغ أعلى مراتب التقرّب إلى الله، يجب أن يُعيد ترتيب نظام الحب في قلبه، ويتخذ محبّة وهموم أهل البيت عليهم السلام في صدارة قيم وجوده. كما يجب أن يستثمر الاقتداء بالمعصوم، والقيام بالفرائض والنوافل، لتنشيط قدراته الوجوديّة للتخلق بالصفات الإلهيّة. وهكذا، يصبح التقرّب إلى الله ليس نهاية طريق، بل بداية صعود لا نهاية له، صعود يتواصل بالسنخيّة، والمحبة، وتحمل المسؤولية، والتشبّه بالحقيقة المطلقة.

[1] آیه 4 سوره مبارکه حدید

اكتب رأيك