محتوى الدورة
ما الذي لا يُمثّله الإنسان؟
0/24
منظومة المحبّة في كيان الإنسان
0/20
دور القدوة في حياة الإنسان
0/18
العلاقة بين الدنيا والآخرة
0/24
السنن الإلهية
0/20
كيف نصبح إنسانًا بحق؟
0/17
ما هو علم الإنسان؟
حول الدرس

القلب هو أسرع أداة،  ما هي مميزات هذه الأداة القوية؟

لا شك أن لكل مخلوق صفة مميزة في ذاته لا يمكنه الانفصال عنه؛  مثلاً: صفة الافتراس للأسد والنمر، واللدغ للثعبان والعقرب، والضياء للشمس، والعطف للأم، والانجماد للثلج.  كل هذه الصفات تعتمد على طبيعة هذه العناصر وكيفية خلقها. ولكن، ما هي الصفة الأكثر وضوحا للجانب الإنساني من وجودنا وهو القلب؟ الجواب هو أن القلب يُعرّف كأسرع أداة للوصول والاكتساب، ولكن لماذا؟

هل لاحظتَ أنّنا نُراعي دائمًا التوافق والتناغم في كلّ خطوةٍ نخطوها أو عملٍ نقوم به؟ فمثلاً، نزرعُ في حديقتنا نباتاتٍ تتناسبُ مع الظروفِ المناخيةِ لمنطقتنا ممّا يُؤدّي إلى نموّها بشكلٍ أفضل وأسرع.

وعندما نسافرُ إلى منطقةٍ لا نعرفُها، نطلبُ المساعدة منْ شخصٍ محليٍّ يعرفُ الطريق، لكي يُوصلَنا إلى وجهتنا بشكلٍ أسرع. لذلك، من الطبيعيّ أن نستخدم في رحلة الآخرة أداةً تتناسب مع ظروفها وخصائصها، لكي نواجه صعوباتٍ وعقباتٍ أقلّ.

الحقيقةُ هي أنّنا في الآخرة سنواجهُ اللانهائيةَ التي لا تُحدّدُها حدودٌ ولا تخضعُ لقوانينِ العالمِ الماديّ

و إنّ القلبُ وحدهُ هو الذي يتمتّعُ بهذهِ الخاصيةِ منْ بينَ جميعِ أبعادِنا الوجودية.

يواجه جسدنا المادي العديد من القيود في الدنيا، بينما القلب وحده هو الذي يملك قدرة على تعدي الأطر المادية والطبيعية والسير نحو اللانهاية.  لذلك يمكننا القول إن القلب يسلك الطريق الأكثر استقامةً و يكون بالتالي الأداة الأسرع.

طرق اكتساب النور 

تعلّمنا في الدروس السابقة، أنه لا يوجد هناك توقف في حركتنا نحو الآخرة. إننا في حالة تبديل وتغيير دائم ونكتسب إما ناراً أو نوراً في هذا الطريق ونستعد للولادة في الآخرة سواء شئنا أم أبينا. لكنّ الولادة السليمة أو القوية هي وحدها التي يمكن أنْ تُؤدّي إلى سعادتنا، و تعتمدُ هذه السعادة بدورها على مقدار النور الذي نكسبه من الدنيا.  لدينا طريقان في رحلتنا لاكتساب النور: إما أن نستخدم أدواتنا الحسية والخيالية والوهمية و العقلية، أو أن نستغل قلوبنا للتقدم. غني عن القول أن أدواتنا الحسية والخيالية والوهمية والعقلية لا يمكنها أن تنفعنا إلا عندما  تكون مؤيدةً  لقلوبنا، وإلا فإنها تعمل كحجاب وعائق بالتأكيد وتُغرقنا في طبيعتنا وحيوانيتنا أكثر.

الفرق الرئيسي بين القلب والحس والخيال والوهم والعقل هو أن القلب يتمتع بالقوة والسرعة. فالحواس والخيال والوهم والعقلُ هي مُحرّكاتٌ للعمل، وليست أدوات. لا يمكننا تحويل أعمالنا إلى ثروة حقيقية وأدوات إلاّ بالتكرار والمداومة على القيام بها. يساعد التكرار والمثابرة على تحرك القلب ويؤديان في النهاية إلى اكتساب الثروات، أما الفعل الذي لم يُكتسب ولم يتحول إلى ملكات، يبقى ثابتا على حد الثواب ويمكنه أن يضيع بسهولة. مع ذلك فإن الحركة المباشرة بالقلب تخلق فينا ملكات  وأدوات لا تضيع بسهولة.

لا يمكننا أن ندرك الفرق بين القلب وسائر قوى النفس إلا عندما نفهم الفرق بين الأداة والعمل. لنتخيل لحظةً أننا نستعد لرحلةٍ في جبالٍ بمفردنا، على الرغم من كمِّ الإمدادات والأطعمة التي نحملها لتدعمنا في الطريق، ستنضب أخيراً كلها.  ولكن إذا كانت لدينا أدوات للصيد وإعداد الطعام، فلا داعي للقلق بشأن ذلك أبداً. وهكذا هو الحال في رحلتنا نحو الآخرة، يُؤدّي العمل بالقلب إلى تهيئة الأدوات، بينما أعمالُ قوى النفس الأخرى، إذا لمْ تُؤدّ إلى تحريك القلب، فإنّها تُوفّر لنا طعامًا موقتًا فقط.

العلاقة بين التفكّر وسرعة القلب

إن البنية الفطرية للقلب وطبيعته مخلوقة بحيث أنها تحتاج إلى وقود للتسرع نحو المحبوب، ولايتم تأمين هذا الوقود إلا من خلال التفكّر.  إن قوة التفكّر هي التي تُميّزنا عن الكائنات الأخرى، والتفكيرُ السليم يمكن أنْ يحدث تحوّلًا في قلوبنا. بعبارة أخرى، فإن النتيجة التي قد تتطلب منا سنوات من الممارسة و الجهود لتحقيقها في أنفسنا، قد يتسنى لنا أن نحققها بسرعة أكبر من خلال التفكر. تصور شخص يود أن يقلل تعلقه بالدنيا من خلال القيام بتمارين روحية مختلفة، بينما يستطيع شخصٌ آخر تحقيق نفس النتيجة في قلبه بالتفكير في فناء الدنيا وبقاء الآخرة.

يوجد أمامنا طريق طويل جدًا لنقطعه للوصول إلى هدف الخلقة والتشبه بالله واكتساب الأسماء والصفات الإلهية. إذا نظرنا إلى الأمر بواقعية فإن فرصة العالم القصيرة لا توفر لنا الوقت اللازم لاكتساب جميع الأسماء الإلهية من خلال الممارسة والتكرار، وقد لا نواجه الظروف والسياقات اللازمة لاكتساب الصفات خلال فترة حياتنا، أو أن عدد المرات التي نواجه فيها هذه المواقف لا تكفي لكسب اسم وتحويله إلى أصل وملكة.

هنا تبرز الحاجة إلى وجود خالق مدبر على درايةٍ تامّةٍ بجميع ظروفنا وخصائصنا الوجودية أكثر منْ أيّ وقت مضى، فهو الذي قد وهبنا قلباً يعمل بغض النظر عن جميع الحسابات المادية والدنيوية ويقطع طريق يستغرق عدة عقود في غضون دقيقة قصيرة. القلب هو الأداة الأسرع ولا يحتاج إلى ميدانٍ للعمل أو شروطٍ لتحضير المقدّمات للوصول إلى الهدف واكتساب الملكات. إذ يتحرّك قبلَ توفّر أيٍّ منْ هذه الشروط، ويُوصلُ نفسَه إلى المقصد بالتفكير. بالنسبة إلى القلب الذي وصل إلى الرحمة والغفران وستر العيوب وما إلى ذلك من خلال التفكر، إذا تسنت له الفرص و الظروف فإنه لن يتهاون عن إبراز هذه الأسماء بالتأكيد.

قلبٌ من سنخ الله

بالإضافة إلى كل ما ذكرناه فإن القلب هو من سنخ الله، وإذا كان في حالة طبيعية ومتوازنة فإنه يسعى للوصول إلى محبوبه. وكما تعلمنا في المقالات السابقة فإن كل قوة من قوانا تحاول الوصول إلى محبوبها وتتمتع بالسكينة إلى جانبه. وبطبيعة الحال، إذا كان القلب منسجما مع الله، فإنه ينقاد بسهولة ولن يقاوم أبدا في الإسراع في ذلك الطريق.

تماما كما تم تصميم سيارة السباق للسباق، فإن قلوبنا تملك قدرة بالقوة على القيام بأعمال عظيمة بسرعة عالية وعلى نطاق لا نهائي. إذا ملأنا قلوبنا بالمحبوبات الحسية والخيالية والوهمية و العقلية، فإنّنا لا نُبعدها فقط عن الهدف الذي خُلقتْ من أجله، بل إنّنا نُنزلُ منزلتها منْ اللانهاية إلى أدنى المستويات المادية. تماما كما نستخدم سيارة صُمّمتْ للمشاركةِ في بطولاتِ العالمِ لِحملِ الأثقال ونقل البضائع. يملك كل إنسان قلب وهو أسرعُ أداةٍ للسير نحوَ الآخرة إلّا أنّ القليل منهم فقط يستخدمون هذه الأداة القوية، هؤلاء الذين ليس يدركون مقامهم كإنسان فحسب بل إنّهم قد يعرفون محدوديةَ فرصِهم في رحم الدنيا وعظمةَ الأبديةِ التي تنتظرهم في الآخرة.

تناولنا في هذا الدرس وظيفة القلب بوصفه أسرع أداة للانتقال والحركة نحو الآخرة. ذكرنا أن سعادتنا في الآخرة تعتمد على اكتساب النور في الدنيا، كما أن التحرك بالقلب يؤدي مباشرة إلى الوصول إلى الصيرورة و يخلق فينا النور و المَلَكات. بينما يؤدّي التحرك بالقوى الأخرى إلى العمل وهو يحتاج إلى التكرار والاستمرار لتحويله إلى ثروة دائمة والملكات.

إنّ عمرنا القصير في هذه الدنيا لا يمنحنا الوقت الكافي لاكتساب كل أسماء الله وصفاته، ولذا فإن أفضل طريقة لتحقيق الهدف المنشود هي التفكير في تحريك قلوبنا. ونظرًا لأن قلوبنا متوافقة مع الله، فإنها لا تشكل بطبيعتها عائقًا في طريق الوصول إلى الله، و يعتبر القلب من بين كافة الطرق المتاحة لنا إلى الله، أسرع أداة ووسيلة تقود بنا نحو الآخرة.

هل تستخدم أنت أيضا القلب باعتباره اسرع أداة للوصول إلى السعادة الأبدية؟ شاركنا تجاربك في هذا الصدد.