مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
منظومة الهداية في القرآن الكريم
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

من هو المؤمن؟ وكيف يؤثر تعريف المؤمن في حياتنا في الدنيا والآخرة؟

يُعدّ مفهوم «المؤمن» من المفاهيم التي لا يكاد المرء يعيش في مجتمع إسلامي إلا ويصادفها في حياته اليومية. غير أن هذا المفهوم، شأنه شأن كثير من المفاهيم الدينية، اكتسب في العرف الاجتماعي دلالة تختلف عن معناه الدقيق في الدين.

ومن هنا، يشيع الخلط لدى كثيرين في تحديد من هو المؤمن حقًا؛ إذ يميل كثيرون إلى اعتبار كل من يلتزم بالأحكام الشرعية فحسب، أو يتخذ مظهرًا دينيًا، على أنه إنسان مؤمن. في حين أن مفهوم الإيمان في المنظور الإلهي يتجاوز هذه المظاهر والسلوكيات الظاهرة. فالمؤمن، وفقًا لهذا المنظور، يحتل منزلة خاصة لا يشترك فيها مع سائر فئات الناس، إذ ينفرد بامتلاك المقوّمات والخصائص التي تجعله إنسانًا حقيقيًا بالمعنى الأصيل للكلمة.

في الحقيقة، لا يطلق الله صفة الإنسان بالمعنى الحقيقي إلا على المؤمن؛ فالإنسان كائنٌ قادر على سلوك مدارج الكمال والارتقاء فيها حتى يبلغ مرتبة اللانهاية، غير أن استحقاقه لاسم «الإنسان» يقتضي توافر حدٍّ أدنى من المقوّمات، وهي بعينها الخصائص التي يتّصف بها المؤمن الحقيقي. ومن هنا، تكتسب معرفة المؤمن وتعريفه تعريفًا صحيحًا أهمية مضاعفة؛ لأننا حين نفهم من هو المؤمن حقًا، نكون قد تعرّفنا في الوقت نفسه إلى التعريف الدقيق والمنضبط للإنسان.

وكما أشرنا في مباحث سابقة، فإن بنية الوجود بأسرها تقوم على أسس وقواعد رياضية. ومن الطبيعي، بناءً على ذلك، ألّا يخرج الإنسان عن هذه القاعدة، بل إن الإنسان المؤمن، بوصفه المحور الأهم في هذا الوجود، يخضع بدوره لنظام دقيق وتعريف محدّد تحكمه قواعد واضحة.

ومن البديهي أن الوصول إلى تعريف صحيح للمؤمن يتطلب، قبل كل شيء، فهمًا دقيقًا لمفهوم الإيمان. فكلمة «الإيمان» مشتقّة من الجذر اللغوي «أَمِنَ»، وتحمل معنى السكينة وطمأنينة القلب وانتفاء الخوف. ويرى الإمام الخميني (رحمه الله) أن الإيمان هو علمٌ لا يقتصر على تصديق العقل به، بل يتجاوز ذلك إلى أن يتقبّله القلب ويتّحد معه.[1] ومن المهم درك أن الإيمان ليس أمرًا خياليًا أو مجرّد وهم، بل هو حقيقة راسخة في كيان المؤمن، تتجلّى في أفعاله وتترك آثارًا شتّى في مختلف جوانب حياته.

تعريف المؤمن

كما سبقت الإشارة، فإن المؤمنين وحدهم، من بين مختلف أصناف البشر، هم الذين يمتلكون حقيقة الإنسان في باطنهم، ولا يقعون، كسائر الناس، في خسرانٍ متواصل واستنزافٍ لرصيدهم الإنساني الأصيل. فالمؤمن، بفضل إيمانه الحقيقي، يتخذ لحياته معايير خاصة، وينتقي لنفسه مسارًا واضحًا يقوده إلى السعادة في الدنيا والآخرة. إن حياة المؤمن قائمة على تخطيط محكم وهندسة دقيقة، تتحدد معالمها في ضوء الغاية التي خُلق من أجلها، والمراحل المختلفة التي يمر بها خلال حياته. فالمؤمن يعرف ربّه وإلهه، ويسير في طريق تحقيق الغاية من الخلق، مستنيرًا بمعرفته بمنشئه، وبالمقام الذي يقيم فيه في هذه الدنيا، وبالمصير الذي ينتهي إليه في نهاية المطاف.

مع أن المؤمن، باختياره نمط حياة إلهيًا، يضع نفسه ضمن إطار من القوانين والضوابط المحدّدة، فإن هذه القيود المفروضة على جوانبه الطبيعية ليست إلا جسرًا يعبر به نحو الكمال المطلق واللانهاية.

ومن الطبيعي أن اختيار طريق الإيمان والسير فيه لا ينسجم مع كل أنماط الحياة؛ فليس بوسعنا أن نتصرف في قراراتنا واختياراتنا وتوجّهاتنا الفكرية بحرية مطلقة ودون أي قيد، ثم نتوهّم، في نهاية المطاف، أننا مؤمنون وأننا نمتلك الإيمان حقًا. فالإيمان له معاييره ومقوّماته الخاصة، كما يمكن الاستدلال على تحققه من خلال آثاره ونتائجه التي تترتب على وجوده في حياة الإنسان. ومن ثمّ، فإن مجرّد اتخاذ مظهر ديني أو ممارسة أعمال ذات طابع مقدّس، وإن كان ذلك يستحضر في أذهان عامة الناس صورة الإنسان المؤمن، لا يعني بالضرورة أن صاحبه يمتلك إيمانًا حقيقيًا.

إن مقياس إيماننا يتحدّد بمدى تشبّهنا بالله. ولكي نحيا حياة المؤمنين، لا بدّ لنا من إعادة ترتيب منظومة المحبّة في نفوسنا، ولا نستطيع أن نسلك طريق التشبّه بالله وبلوغ الغاية من خلقنا على الوجه الصحيح إلا إذا جعلنا حبّ الله، وحبّ ممثّليه، أي أهل البيت عليهم السلام، والجهاد في سبيله، في مقدّمة أولويات حياتنا، وضبطنا شؤون حياتنا، بما فيها ما ينبغي فعله وما ينبغي اجتنابه، وفقًا لإرادة الله ومشيئته.

وبما أنّ الإيمان حقيقة قائمة في ذات الإنسان، فإن السير في طريقه لا بدّ أن يترك آثارًا ملموسة تتجلّى في وجودنا وسلوكنا. وسنتناول هذه الآثار بالتفصيل في قسم مستقل بعنوان «آثار الإيمان».

من الذي لا يُعَدّ مؤمنًا؟

لعلّ معرفة من لا يُعَدّ مؤمنًا ولا يمتلك الإيمان الحقيقي لا تقلّ أهمية عن معرفة صفات المؤمن بوصفه الإنسان الحقيقي؛ ولا سيما حين تتخذ المسألة بُعدًا اجتماعيًا، وتصبح تصرّفات بعض المتظاهرين بالإيمان أساسًا يُحكَم من خلاله على الإسلام وحقيقة الدين. إن المؤمن، بما يضعه لحياته من أهداف بعيدة المدى، وما يبذله من سعيٍ للتشبّه بالله في حياته، لا يكتفي بمراقبة أخلاقه وسلوكه والحرص على تهذيبهما، بل يزداد يومًا بعد يوم رحمةً وبهجةً وسكينةً. وهذه البهجة والطمأنينة هما، في الحقيقة، ثمرة صلته بالله وامتلاكه الإيمان الحقيقي.

وبناءً على ذلك، وإن كان المؤمن قد يقع في الخطأ أو يرتكب بعض الهفوات، فإن الإيمان لا ينسجم مع سوء الخلق، والحقد، وإضمار الشر للآخرين، وما شابه ذلك من الصفات. فالمؤمن لا ينعم بالسكينة في حياته الشخصية فحسب، بل يسعى أيضًا إلى أن يكون مصدرًا للطمأنينة والأمان لمن حوله، فلا يُخشى من جانبه اعتداءٌ على النفس أو المال أو العِرض. ويضع هذا الأمر بين أيدينا معيارًا واضحًا وميسّرًا للاستدلال على مدى تحقق الإيمان في أنفسنا؛ معيارًا لا يتوقف على المظهر الخارجي أو الادعاءات، بل يرتبط بما يفيض عنّا من محبة وفرح وسكينة، وبما تتركه هذه المعاني من أثر في حياتنا وفي حياة الآخرين.

قراءة تعريف المؤمن في ضوء سورة العصر

يحدّد الله تعالى في سورة العصر صفات الإنسان الحقيقي والمؤمن، ويمكن تصنيفها إلى فئتين: صفات فردية وأخرى اجتماعية. فعلى الصعيد الفردي، يُعَدّ العمل الصالح أحد أبرز مقوّمات المؤمن؛ وهو العمل الذي يؤهّلنا لبلوغ مرتبة الإنسان الكامل، ويكسبنا القدرة والاستعداد، ويجعلنا أكثر تشبّهًا بالله.

وبالنظر إلى حقيقة المؤمن، والغاية التي يسعى إلى بلوغها، والطريق الذي ينبغي له أن يسلكه لتحقيقها، فإن العمل الصالح يُعَدّ جزءًا لا يتجزّأ من حياة المؤمن الحقيقي، ومقوّمًا لا غنى له عنه. فالسير في طريق التشبّه بالله لا يمكن أن يتحقّق من دون انتهاج نمط حياة إلهي يقوم على العمل الصالح.

غير أن امتلاك الحقيقة الإنسانية والعمل الصالح يمتدّان ليشملا جوانب واسعة من حياتنا، ولا يقتصران على مسارنا الفردي وسعادتنا الشخصية. فالمؤمن تقع على عاتقه أيضًا مسؤوليات اجتماعية جسيمة، تسهم في صون المجتمع وتهيئة البيئة التي تتيح لأفراده النمو والارتقاء إلى مراتب الكمال الإنساني.

ومن هنا، فإن جانبًا من صفات المؤمن يرتبط بما ينبغي أن يثمره وجوده من آثار نورانية في المجتمع؛ فلا ينشغل المؤمن بإصلاح نفسه ويغفل عن إصلاح المجتمع، بل يحرص إلى جانب تزكية ذاته على الدعوة إلى الحق والتواصي بالصبر. فغفلة المؤمن عن مسؤولياته الاجتماعية، شأنها شأن التفريط في واجباته الفردية، تنعكس على سعادته ومصيره الأبدي.

ويُعدّ الحق المعيار الذي تُصان به سلامة المجتمع، كما أن قبول أعمالنا يرتبط بمدى توافقها مع هذا المعيار. وعلى الرغم من أن الالتزام بالحق قد يكون شاقًا على النفس، بل قد يبدو مريرًا أحيانًا، لما ينطوي عليه من تعارض مع النزعات الحيوانية الكامنة فيها، فإن إدراكنا أن غياب الحق يفسح المجال أمام الباطل للنمو والانتشار يوضّح لنا ضرورة التواصي بالحق والثبات عليه، والصبر على ما يقتضيه الالتزام به من مشقّة.

إن فهم حقيقة المؤمن وإدراك المنزلة التي يحتلّها عند الله تعالى يؤديان دورًا حاسمًا في تحقيق سعادتنا في الحياة الدنيا والآخرة. فالمؤمن، بفضل ما يمتلكه من إيمان، ينأى بنفسه عن تبنّي نمط حياة تحكمه الحرية المطلقة من دون ضوابط أو التزامات، ويوجّه اختياراته وسلوكه بما ينسجم مع غاية تفضي به في نهاية المطاف إلى السعادة الحقيقية. كما لا تقتصر مسؤوليات المؤمن على شؤونه الفردية والخاصة، بل تمتدّ لتشمل القضايا الاجتماعية وما تقتضيه من واجبات تجاه المجتمع. ومن هنا، يدرج الله تعالى التواصي بالحق والتواصي بالصبر، إلى جانب الإيمان والعمل الصالح، ضمن الخصائص التي تميّز المؤمن والإنسان الحقيقي.

 

[1] . الخميني، روح الله، التقريرات الفلسفیة للإمام الخميني، ج 3، ص 342، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1385هـ ش.

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.