محتوى الدورة
القضاء والقدر والاختيار
0/13
الابتلاء والامتحان في مسيرة الحياة
0/26
الأمراض الخفية للروح
0/15
معرفة الجنة والنار
0/22
النظرة الأبدية والاستعداد للآخرة
0/14
من الخيال إلى سلامة القلب
0/31
الإنسان محور الخلق
0/13
الإنسان، الخلق، والحياة الأبدية
حول الدرس

حجاب العادة؛ القاتل الصامت للشكر والنمو

هل حدث لك أن استيقظت يومًا، فالتقطت هاتفك، فتحت النافذة، أعددت الشاي، وبدأت يومك دون أن يخطر ببالك ولو للحظة واحدة مدى غرابة وجمال وإعجاز هذه الأفعال؟

• كيف تنظر إلى النعم والظواهر من حولك؟ هل تنظر بتساؤل وتأمل، أم بعين الاعتياد؟

• برأيك، ما الذي يجعل حتى أعجب الأحداث تصبح أمورًا مألوفة لدينا؟

• هل سبق لك أن تمكنت من التمعن في فاكهة قبل أن تأكلها؟ أن تنظر إليها جيدًا، تشمّ رائحتها، تتأمل لونها، ثم تتناولها بامتنان؟

لقد اعتدنا نحن البشر على رؤية النعم والظواهر الكونية بشكل يومي إلى درجة أننا غالبًا ما ننسى كم ينبغي أن نكون شاكرين. والحقيقة أن ما يمنعنا من رؤية الجمال والاستمتاع بالحياة هو حجابٌ كثيف يُسمّى حجاب العادة. هذا الحجاب هو ما يمنعنا من إدراك قيمة البصر، واللسان، والسمع، والتنفس، والتفكير، بل وحتى كوب ماء نشربه. فقط عندما نفقد إحدى هذه النعم، ندرك أي جوهرة ثمينة كنا نتجاهلها.

حتى الأطفال في يومنا هذا قد اعتادوا على رؤية الطائرات، والسيارات، والهواتف المحمولة، والإنترنت، ولم يعودوا يندهشوا منها كما في السابق، غافلين عن أن وراء هذه التقنيات جهودًا عظيمة، وعلومًا متراكمة، بل وأرواحَ أناسٍ ضحّوا من أجلها. ولكن، هل يمكننا أن نزيح حجاب العادة؟ هل يمكننا أن ننظر إلى الحياة من جديد بعينٍ نقيّة ومتجددة؟ قبل الوصول إلى الجواب، دعونا نستعرض بعضًا من أهم أمثلة حُجُب العادة في حياتنا.

تجليات حجاب العادة: نعمٌ فقدت بريقها

كما أسلفنا في المقدمة، يُعد حجاب العادة أحد أصعب العوائق في مسار نمو الإنسان وتكامله. هذا الحجاب يحول دون قدرتنا على إدراك المعارف بصورة صحيحة. ومن أبرز المصاديق التي اعتدناها وغالبًا ما نغفل عن الاستفادة الصحيحة منها هي الصلاة. فرغم أن الصلاة هي معراج المؤمن، وهي كالغذاء الإجباري الذي يجب أن نقدمه يوميًا إلى الجانب الإنساني من كياننا، فلا ينبغي لها أن تصبح تكرارًا مملًّا أو عادة آلية. لكن بسبب حجاب العادة، فإن علاقتنا بالصلاة غالبًا ما تبقى على مستوى لفظي وظاهري فقط، وهذا الارتباط السطحي يحرمنا من الطاقة والقوة الحقيقية التي تحملها الصلاة.

قد يؤدي حجاب العادة كذلك إلى نسيان عظمتنا الذاتية وعظمة الآخرين. وهذا الأمر قد يسبب أحيانًا ازدراء أو تحقير أفراد يتمتعون بمكانة عالية عند الله وأهل البيت عليهم السلام. إن وجود هذا الحجاب يحول دون أن يستفيد المرء أحيانًا من الحضور الروحي والمعنوي للمعصومين عليهم السلام، حتى لو عاش بجوارهم سنوات طويلة.[1] ويحجب هذا الاعتياد أيضًا عنا ألطاف الله، والأنبياء، والملائكة؛ فنصبح غير مبالين بالنِعَم من حولنا. فعلى سبيل المثال، قد نعتاد على تضحيات والدينا أو أزواجنا، فلا نراها، ولا نقدّرها حق قدرها. وفي بعض الأحيان، يتفاقم هذا الاعتياد إلى حد أن الله تعالى يرفع الحجاب عبر الابتلاء، ليوقظ الإنسان من غفلته ويعيده إلى درب الشكر والوعي. والآن، وقد تعرفنا إلى أبرز مظاهر حجاب العادة، حان الوقت لنبحث عن سبل تجاوزه.

كيف نعود لنرى بعيون الأطفال؟ | كسر حجاب العادة بنظرة متجددة

الخطوة الأولى نحو البصيرة الحقيقية تبدأ من نزع نظارة تُظهر لنا أحداث العالم مألوفة وعادية. علينا أن ننظر إلى العالم كما ينظر إليه الأطفال، وأن نعدّ كل شيء جديدًا لم نره من قبل. فالأطفال يملكون نظرة ملؤها التساؤل والدهشة لكل ما حولهم، لأن كل شيء بالنسبة لهم يُرى لأول مرة، ولا وجود لما يُدعى “المألوف” أو  الروتيني. إن أردنا أن نزيح حجاب العادة عن أعيننا، علينا أن ننظر إلى كل شيء بعينٍ جديدة، لا بعين التكرار. تماما كما يفعل طالب الطب حين يجلس إلى مقعده أو يدخل إلى قاعة التشريح، وهو يعلم يقينًا أنه أمام علم دقيق معقّد، لا مجال فيه للبس أو الإهمال. وهناك أمثلة لا تُعدّ لممارسة هذه الرؤية الجديدة، منها التأمل في تفاصيل كل شيء خلقه الله؛ كأن ننظر إلى طفل صغير، ونستحضر ماضيه، وكيف كان نطفة صغيرة ثم تحول إلى كائن مليء اللطافة والرقة والجمال وتعدد الانفعالات.

من وسائل أخرى لكسر هذا الحجاب، التفكر في مفاهيم الآخرة، والقيامة، والجنة، ونعيمها؛ فمثلا عندما نتأمل في لون فاكهة، ورائحتها، ونواتها، وجمالها، سنُدرك حكمة الخالق. أما في ظل حجاب العادة، فإن أعيننا تعجز عن رؤية كل هذا الجمال. إن النظرة الدقيقة النابعة من التأمل لا من الاعتياد، توقظ الانبهار في قلوبنا، وتجعلنا نخرّ ساجدين. فالله تعالى خلق كل مشهد من مشاهد هذا الكون حبًّا بنا، ومن أجلنا، فليس من اللائق أن نمرّ عليها مرور الكرام. عندما نتأمل في زهرة وأوراقها، ونستشعر كيف شكّلتها يد الملائكة بتأنٍ وإبداع، نُدرك قيمتنا الحقيقية أكثر، ونفهم كم نحن أعزاء ومحبوبون عند الله، إذ خلق هذا الكون كله من أجلنا. إن التفكر ليرفعنا إلى أعلى مراتب الكمال، ولو لم يتجاوز ذلك خمس دقيقة. فمجرد أن تمسك بفاكهة بيدك، وتتأمل في لونها، وطعمها، ورائحتها، وهندستها، وخصائصها وتأثيرها، وتفكر في قدرة الله وجماله وحكمته، فإن ذلك بحد ذاته قد يُعادل سنوات من العبادة، ويُحدث في النفس أثرًا عميقًا يفوق كل صلاةٍ خالية من الروح.

الشكر مفتاح تحرير الوعي من قيود العادة و رؤية الجمال من جديد

إن إزالة حجاب العادة الذي يحجبنا عن رؤية نعم الله من حولنا يتطلب منا أن نركز على الشكر والامتنان. كثير من المصاعب التي نمر بها في حياتنا، من أمراض ومحن وسوء خلق وتوترات، قد تكون نتيجة لعدم تقديرنا وشكرنا لله سبحانه على نعمه التي لا تُحصى. كم مرة نجلس إلى مائدة الطعام دون أن يخطر ببالنا للحظة من هو مصدر هذه النعمة؟ وكم منا يتذكر آخر مرة قال فيها “الحمد لله رب العالمين” بعد شرب الماء؟ مع أن عملية الشرب نفسها، نعمة عظيمة قد لا ندرك قيمتها الحقيقية. قد لا تُصدق، لكن الماء، بهذه السلاسة والليونة، لا يمرّ بسهولة من حنجرة بعض المرضى، خصوصًا المصابين بالسرطان.

لو أزحنا الستار عن أعيننا، وتأملنا في كل نعمة وهبنا الله إياها، لسوف نغوص في بحرٍ من النور والمعرفة والقوة والتسارع في التقدم. وقد يقوم الله أحيانًا في تغيير نظام حياتنا المألوف لكي لا يهيمن علينا الاعتياد، وننتبه لما نملكه من نعم لا تُقدّر بثمن.

تناولنا في هذا الدرس مفهوم حجاب العادة، واستعرضنا بعضًا من تجلياته في حياتنا. ثم قدمنا حلين رئيسيين لتجاوز هذا الحجاب الذي قد يحجب عنا رؤية الحقائق. لإبصار الحقيقة وتفتّح بصيرتنا، لا بد لنا من المداومة على التأمل الواعي، والتفكر العميق، ودوام الشكر والامتنان. إن إزاحة حجاب العادة ليس سوى تمرين مستمر ودائم، يتطلب منا اليقظة والاجتهاد

ما رأيك أنت؟ ما الوسائل الأخرى التي يمكن أن تعيننا في هذا الطريق؟


[1]  قال النبي  (صلی الله علیه و آله و سلّم): «أزهَدُ النّاس في العالِم، أهلُهُ و جيرانُه؛ أي: إنّ أقلّ الناس رغبةً في العالم هم أهله وجيرانه.» (كنز العمّال، ج ١٦، ص ١١٣)