كيف نصل إلى هدف الخلق من خلال تحديد الأولويات؟
كل ما في هذا العالم، سواء كان بإرادة أو دونها، يسير نحو هدف أو نتيجة محددة. هدف قد يكون قد تم تحديده بوعي أو نتيجةً لبعض القرارات أو الاختيارات. كما أشرنا في الدروس السابقة فإن الإنسان لم يُخلق عبثًا. وبالنسبة لنا نحن البشر، الذين نمثل محور الخلق بكوننا كائنات شاملة، هناك هدف يتم تحقيقه من خلال تحديد الأولويات، وهذا الهدف هو التشبّه بالله. هذا التشبّه يتطلب مقدمات، من أهمها إصلاح بنيتنا الوجودية.
هل تتفقون على أن بعض الأمور مترابطة بشكل وثيق لدرجة أن أحدها لا يتحقق دون الآخر؟ بمعنى آخر، هناك علاقة سببية أو ترابط بين هذه الأمور. على سبيل المثال، إذا أخذنا طبيبًا جراحًا ينجح في معظم عملياته الجراحية، فهذا ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة سنوات من التعليم والدراسة واكتساب الخبرة في مجاله. وعلى العكس، عندما يفشل مهندس في عمله، فهذا يعني إما أنه يفتقر إلى المعرفة والخبرة اللازمة، أو أنه لا يطبق ما تعلمه بشكل صحيح. وبالمثل، فإن الهدف من خلقنا يتطلب شروطًا ومتطلبات تتحقق من خلال تحديد الأولويات، والتي لا يمكننا الوصول إلى الهدف دون تنظيمها بشكل سليم. صحيح أن تحقيق هذه الشروط قد يستغرق وقتًا مختلفًا لكل شخص، لكنه أمر لا بد من حدوثه في النهاية.
تماما كما أن الماء لا يتجمد إلا إذا فقد حرارة معينة، أو أن الإنسان لا يستطيع الإنجاب قبل بلوغه الجسدي، فإننا أيضًا لن نصل إلى هدف خلقنا حتى نصلح نظام أبعاد وجودنا. بعبارة أخرى، الوصول إلى هدف الخلق (ما هو هدف خلق العالم؛ وما هو موقعنا في هذا العالم؟) هو قضاء يتشكل من خلال تنظيم صحيح لنظام المحبة، وهو نتيجة لتحديد الأولويات.

السير نحو هدف الخلق
نعلم أن ترتيب الأولويات وتنظيم نظام المحبة بشكل صحيح يعني وضع قوة ماوراء العقل على قمة جميع الميول والقوى. أي، عندما تكون جميع قراراتنا، واختياراتنا، وعلاقاتنا تحت سيطرة وإدارة بُعدنا الإنساني. سواء كان ذلك التخصص الذي نختاره، المكان الذي نعيش فيه، الشريك الذي نختاره، أو حتى أسلوب الحياة الذي ننسجم معه، جميع هذه الأمور يجب أن تكون متماشية مع متطلبات وتوجيهات بُعدنا الإنساني. في هذه الحالة، نصل إلى حالة التوازن الإنساني، وبما أننا وضعنا جميع الأمور تحت إدارة قوة ماوراء العقل، فإننا نتجه نحو تحقيق هدف خلقنا بشكل طبيعي.
في الواقع، كل قوة في وجودنا تسيطر على القوى الأخرى وتنظمها في سبيل الوصول إلى أهدافها وغاياتها. على سبيل المثال، إذا سيطرت قوة الخيال علينا، فإننا نقضي أغلب أوقاتنا في الخيال، ولا نملك صبرًا للعمل العلمي، أو عندما نكون مشغولين بالمشاهدة والاستماع، يكون خيالنا مشغولًا دائمًا.
من بين قوى وجودنا، إنّ قوة ماوراء العقل هي الوحيدة التي تحترم حقوق جميع القوى الأخرى بشكل كامل، و تضعنا في حالة التوازن الإنساني. وبما أنها مرتبطة بالكمال المطلق واللانهائية، فإنها توجهنا نحو تحقيق ميولها الخاصة، وهي الصفات والأسماء الإلهية التي تمثل الكمال المطلق. لذلك يمكننا القول إنه من خلال تحديد الأولويات وتنظيم نظام المحبة بشكل صحيح، فإننا نسير نحو تحقيق هدف خلقنا. وإذا جعلنا القوة ماوراء العقل في موقع السيطرة على وجودنا، فإننا، بغض النظر عن ديننا، نسير نحو هدف خلقنا.
نتيجة نظام المحبة السليم
أشرنا سابقًا في موضوع “القضاء والقدر” أننا عندما نختار قدرًا معينًا، فإن مجيء قضاء هذا القدر ونتيجته يصبح أمرًا لا مفر منه. هدف الخلق هو القضاء والنتيجة التي تتحقق من خلال تنظيم نظام المحبة السليم، والذي يأتي نتيجة لتحديد الأولويات بشكل صحيح. بمعنى أنه إذا كانت قوة ماوراء العقل هي الحاكمة في كياننا، فإننا من خلالها، وفي مختلف الظروف والمواقف، نبدأ تدريجيًا في اكتساب الأسماء والصفات الإلهية. أما إذا لم تسيطر قوة ماوراء العقل، فإن أي عمل خير نقوم به سيؤدي إلى الحصول على الثواب فقط دون أن يحدث نموًا أو تغييرًا حقيقيًا في كياننا في النهاية.
بعبارة أخرى، القوة ماوراء العقل وتنظيم نظام المحبة يوجهان حياتنا وأعمالنا نحو هدف واضح، ويقوداننا إلى ولادة سليمة وتشبّه بالخالق.
إن حياتنا لا تتوقف عن الحركة أبدًا، فهي دائمًا في حالة تدفق مستمر. في كل لحظة، نحن إما نخطو نحو ولادتنا السليمة وتقربنا من الله، أو نبتعد عنه باتخاذ مسار معاكس. فإما أننا نقترب يومًا بعد يوم من الله من خلال تحديد الأولويات وتنظيم نظام المحبة، أو أننا نُصبح أسرى للرغبات الدنيا في كياننا، ونبتعد عن هدف خلقنا مع كل قرار أو اختيار نقوم به.
عندما تكون قراراتنا واختياراتنا غير متوافقة مع قوة ماوراء العقل، فإنها سوف تدفعنا نحو تلبية احتياجات ورغبات الجوانب الأدنى من كياننا بدلاً من أن تقودنا نحو هدف الخلق. وبما أن هذه الرغبات لا تساهم في سعادتنا الأبدية، فإنها تعمل فقط كحجاب يُثقل نفوسنا.
لذلك يمكننا القول إن كل معرفة بالنفس أو علم للإنسان أو أي علم لا يساهم في إصلاح نظام المحبة لدينا، ليس سوى مضيعة للوقت، بل قد يُعيق طريقنا إلى الله ويزيد من صعوبة العودة إليه.
عندما تكون الأبعاد الدنيا لوجودنا هي المسيطرة على أنفسنا، يصبح وعاء وجودنا صغيرًا وضئيلًا بقدر سيطرتها. من الطبيعي أن النفس التي تنشغل باستمرار بتغيير الأثاث أو تحسين مواصفات سيارتها لن تترك مجالًا للتشبه بأخلاق الله أو لاكتساب أسمائه وصفاته. إن قوة ماوراء العقل وحدها تمتلك القدرة على هذا التشبه، وإذا أصبحت هي الحاكمة، فإنها قادرة على تجسيد جميع أسماء وصفات الله في ذاتها.
الفرق بين قوة ماوراء العقل وبين الأبعاد الأخرى لوجودنا يشبه الفرق بين المحيط وكأس صغيرة. مهما حاولنا، لا يمكن لكأس صغيرة أن تحتوي على سعة غير محدودة. وبناءً على ذلك، فإن انتظار تحقق الأسماء والصفات الإلهية والوصول إلى هدف الخلق في وجود يدار بغير القوة ماوراء العقل هو تصور مستحيل.
في هذا الدرس تناولنا العلاقة بين نظام المحبة ونتيجة تحديد الأولويات مع هدف الخلق. وذكرنا أن هدف الخلق والتشبه بالله أمر يتحقق فقط في حال سيادة قوة ماوراء العقل. أما في حال غياب هذه السيادة، فلن نصل إلى نتيجة صحيحة في هندسة الأولويات، وستكون جميع أفعالنا وقراراتنا واختياراتنا بلا جدوى، مما يزيدنا بعدًا عن هدف خلقنا.
إلى أي حد تعتبر نفسك قريبين من تحقيق هدف خلقك؟ وهل بذلت جهداً في تحسين وتنظيم نظام محبتك؟