محتوى الدورة
القضاء والقدر والاختيار
0/13
الابتلاء والامتحان في مسيرة الحياة
0/26
الأمراض الخفية للروح
0/15
معرفة الجنة والنار
0/22
النظرة الأبدية والاستعداد للآخرة
0/14
من الخيال إلى سلامة القلب
0/31
الإنسان محور الخلق
0/13
الإنسان، الخلق، والحياة الأبدية
حول الدرس

ما العلاقة بين ميزان القيامة واكتساب القلب السليم؟

إلى أيّ مدى تهتم بسلامة روحك؟ وهل يوجد مقياس ومعيار ثابت يمكننا به قياس سلامة القلب والروح؟

ما هو الميزان في يوم القيامة، وبأيّ معايير تُقاس سلامة أرواحنا وقلوبنا؟

غالبًا ما نقوم في حياتنا الدنيوية، ولو مرة في السنة على الأقل، بفحص مؤشرات الصحة الجسدية لدينا؛ فنقوم مثلًا بقياس الوزن، وتحليل نسب الهرمونات، والفسفور، والحديد، والكالسيوم، وغيرها من العناصر في أجسادنا، ونحرص على ألّا تخرج عن معدلاتها الطبيعية والمحددة. والسبب في ذلك هو الأهمية التي نوليها لصحة أجسادنا؛ فجسد الإنسان هو الأداة الأهمّ التي یحيا بها في هذه الدنيا، وإذا ما أصابه خلل أو مرض، اختلّت كل خططه للنمو والتقدّم، وقد یُحرَم من كثير من لذّات الحياة. نحن نعلم هذه الحقيقة، ولذلك نبذل قصاری جهدنا للمحافظة على هذه الأداة الحيوية.

أما في الآخرة، فلن يكون الجسد المادي هو أداة الحياة، بل القلب أو الروح، والعناية بسلامة هذه الروح أهمّ بكثير من العناية بالجسد. إن عمرنا في الدنيا لا يتجاوز في أفضل الحالات ثمانين إلى مئة عام، وحتى لو وُلِدنا بأجساد مريضة أو ناقصة، فسيأتي يوم يضطجع فيه هذا الجسد التراب، وتُنسى آلامه ومعاناته. لكن ماذا عن الروح؟ ما عمرها؟ أهو ألف سنة؟ أم مليون؟ أم مليار؟ الجواب: لا شيء من هذا! بل إن عمرها بعمر الله، ولا موت لها. ولذلك من وُلِد إلى الآخرة بروح مريضة وقلب سقيم، لن يكون أمامه سوى تحمّل عذاب مرير لا يُعلَم كم سيطول، ربما آلاف أو ملايين السنين.

وكما أن تقييم صحة الجسد في الدنيا له موازين ومقاييس محددة، فإن تقييم سلامة القلب والروح في الآخرة كذلك له موازينه ومعاييره. إن قلب الإنسان هو رأسماله الوحيد في الآخرة، ولهذا علينا أن نعرف هذه الموازين الأخروية التي سيُقاس بها القلب، لنتمكّن من مراعاتها في الدنيا. عندما ندرك هذه الموازين، لن نقع في الإفراط أو التفريط، وستتوجّه اختياراتنا، وعلاقاتنا، وأفكارنا، وسلوكياتنا كلها نحو غاية أبدية وآخروية. ولكن، ما هو الميزان في يوم القيامة؟

ميزان يوم القيامة هو “الحق”

إنّ ما يخضع للحساب في الآخرة ليس العُمر، ولا الجنس، ولا الدرجات العلمية، ولا حتى كَثرة العبادات؛ بل الذي يُوضَع في ميزان القيامة هو القلب والروح. كما أشرنا من قبل، فإن خلاصة جميع أعمالنا – سواء كانت صالحة أو سيئة – تصبّ في نهاية المطاف في القلب، وتُشكّل بنيته النهائية. ثم يُولَد هذا القلب إلى الآخرة في صورةٍ من صور الولادات الست: السليم، المريض، الناقص، وغير ذلك.

وهنا تتجلّى أهمية معرفة “الميزان” في يوم القيامة؛ فطالما لم نُدرِك ماهيّة هذا الميزان الأخروي، ولم نعرف ما هي الأعمال المتوافقة مع طبيعة الحياة الأخروية والجنة، فلن نستطيع أن نكيف أنفسنا وفقاً لها. ولهذا، قد نرتكب أفعالاً تبدو في ظاهرها حسنة ومقدسة، لكنها تتعارض مع ظروف الحياة في الجنة، مما يعود علينا بالضرر في نهاية المطاف. فعلى سبيل المثال، هناك من يحرص على المشاركة في المراسم والمناسك الدينية كحضور مجالس زيارة عاشوراء وصلاة الجمعة وزيارة أهل البيت(عليهم السلام) وما شابهها تحت أي ظرف، متصورين أن حضور هذه المجالس يكسبهم الأجر والثواب الأخروي. بيد أن عائلاتهم وأبناءهم قد يكونون في أمس الحاجة إلى وجودهم في المنزل في تلك اللحظة. وفي مثل هذه الحالات، تكون تلبية احتياجات الأسرة أولى، ولا ينبغي تفضيل الأعمال المستحبة عليها. لكن هذا لا يدركه إلا من يعرف الموازين ويُميّز الأولويات. إن امتلاك العلم والمعلومات دون معرفة الميزان في القيامة والآخرة، لا يوصلنا إلى الغاية فحسب، بل قد يُفسد قلوبنا ويُضلّنا عن الصراط المستقيم ويوقعنا في الفسق والانحراف.

وفقاً لآيات القرآن الكريم، فإن المعيار والميزان في يوم القيامة هو الحق. [1] أي أن ما يوزن في ميزان القيامة هو مقدار الحق الذي استقر في قلوبنا وأرواحنا. فالقلب الذي يدخل البرزخ خاليًا من الحق، كمولود جاء إلى الدنيا بجسد ناقص ومشوَّه؛ أما القلب المملوء بالحق، فهو قلب يولد ولادةً صحيحة، ويتهيّأ لحياة طيبة ومليئة بالرضا.[2] وقد سبق لنا الحديث باستفاضة عن ماهية الحق ومصاديقه، وبيّنا أن أعلى مصاديق الحق هي الله سبحانه وتعالى، والقرآن الكريم، والمعصومون عليهم السلام. ويمكن الرجوع إلى ذلك المبحث للتذكير والتفصيل. ولكن، دعونا نتأمل في علامة امتلاء القلب والروح بالحق، وكيف يمكننا في هذه الدنيا، وقبل الممات، أن نتبين مدى توافق قلوبنا مع الحق؟

معرفة موازين “الحق” لاكتساب قلب سليم

وفقاً لقاعدة “النسبة”، فإن العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه العلاقة بين رحم الأم والدنيا. فكما يُستدل من طبيعة ولادة المولود على مدى صحة واعتناء فترة حمل الأم، فإن طبيعة ولادتنا إلى الآخرة تدل بدورها على مدى ارتباط قلوبنا وأرواحنا بالحق. والحق في الدنيا يعني توافق أعضاء جنين الإنسان مع الظروف الحياتية للدنيا؛ وبالمثل، فإن الحق في الآخرة يمثّل في ولادة سليمة وتمتع بقلب سليم. ووفقاً للآيات والروايات، فإنه في يوم القيامة خمسون موقفاً أو محطة، يُنظر في كل منها في أحد أعمال الإنسان؛ ففي كل محطة، يُقاس أحد الأعمال ويُبحث مدى مطابقته للحق.

إن لكل عملٍ من الأعمال موازينه الخاصة وتفاصيله الدقيقة. فمثلاً، للصلاة جملة من الموازين والمعايير الدقيقة التي تمثل شروط صحتها، وقد أشير إليها في الرسائل العلمية والأحكام الشرعية. وإلى جانب الصحة، توجد موازين أخرى تمثل شروط قبول الصلاة، وإذا لم تُراعَ، فإن الصلاة لا تُقبل. ومن هذه الشروط حسن المعاملة مع الأهل؛ وكما ورد في الروايات، فإن صلاة الشخص الذي يُسيء معاملة أهله لا تُقبل، حتى وإن كانت صحيحة من حيث الأداء الظاهري.[3] ومن المواقف المهمة جدًا في القيامة، الموقف الذي يُسأل فيه كل مسلم عن علاقته القلبية والعملية بإمام زمانه، وهو بالنسبة إلينا الإمام المهدي(عجّل الله فرجه الشريف). يُسأل في ذلك الموقف، كلّ واحدٍ منّا كأبناء له: هل أدّينا التزاماتنا تجاهه في حياتنا الدنيا؟ هل نظّمنا أسلوب حياتنا بما يزيل الموانع أمام ظهوره؟ وهكذا الحال في كل المواقف الأخرى؛ تُفحَص الأعمال ويُنظر في مدى ارتباطها بالحق. ويمكننا أن نعرف مدى امتلاء قلوبنا بالحق من خلال مستوى السكينة والرحمة والسرور الحقيقي في حياتنا. فمثلًا، من يغضب بسرعة، أو يعيش في قلق دائم على الدنيا، واضحٌ أن موازينه خفيفة، وأن قلبه لم يُشبَع بالحق؛ تمامًا كما أن من يعاني من نقص الكالسيوم، تكفيه ضربةٌ بسيطة ليُصاب بكسر.

وقد بيّن الله تعالى في سورة العصر الحدّ الأدنى من الموازين المطلوبة لاكتساب قلب سليم، وهي موازين تتفرّع عنها تفاصيل دقيقة، تشمل: النيّة الطيّبة، والعمل الصالح، وحسن الخلق، واجتناب المعاصي، والأنس بالقرآن والصلاة، والجهاد بالمال والنفس، وغيرها من الموازين التي ينبغي أن نبني أسلوب حياتنا على أساسها.

في هذا المقال، تحدثنا عن ميزان يوم القيامة، وعن ضرورة التوافق معه لاكتساب قلب سليم والولادة السليمة إلى الآخرة، كما تعرّفنا على بعض الموازين وتفاصيلها الدقيقة.

فماذا عنكم أنتم؟ ما هي الموازين التي تعرفونها؟ يسعدنا أن نطّلع على آرائكم وملاحظاتكم القيّمة.


[1] سورة الأعراف، الآية 8.

[2] سورة القارعة، الآيات 6 و 7

[3] قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «مَن كانَ لَهُ امرأةٌ تُؤذِيهِ لم يَقْبَلِ اللهُ صلاتَها ولا حَسَنَةً مِن عَمَلِها حتّى تُعِينَهُ وتُرضِيَهُ وإن صامَتِ الدَّهْرَ… وعلى الرَّجُلِ مِثلُ ذلكَ الوِزْرِ والعَذابِ إذا كانَ لَها مُؤذِيًا ظالمًا؛ كل من كان لديه زوجة تؤذيه، فإن الله لا يقبل صلاة تلك المرأة ولا عملها الصالح، حتى تعينه وتُرضيه، حتى وإن صامت الدهر. وكذلك الرجل إذا آذى زوجته وظلمها، فإنه يتحمل نفس الوزر والعذاب.» (وسائل الشيعة، 1/116/14)