أين عدالة الله؟! أشكّ في عدالة الله!

جدول المحتويات
كيف يُمكن التوفيق بين الواقع المرير من الظلم والتمييز في الدنيا، وبين عدالة الله تعالى؟

كيف يتوافق كلّ هذا الظلم في العالم مع عدالة الله؟

أين عدالة الله؟ إذا كان الله عادلاً، فكيف نفسّر التفاوت الظاهر بين عباده؟ لماذا يُولد بعض الناس في رغدٍ ونعيم، وآخرون في شقاءٍ وعناء؟ ولماذا يولد بعضهم في أُسرٍ مؤمنة مستقيمة، بينما يولد غيرهم في بيئات فاسدة مهمَلة؟ ما ذنبُ من وُلد في بيتٍ موبوء؟ وكيف سيحاسبه الله وقد لم يكن له أدنى خيار في اختيار عائلته أو بيئته؟ أليس من حقّه أن يحتجّ يوم القيامة ويعتبر الله مسؤولاً عمّا آلت إليه حياته؟ فكيف يُمكن التوفيق بين هذا الواقع المرير، وبين عدالة الله تعالى؟

في الدروس السابقة، تحدّثنا عن قاعدةٍ جوهرية تُدعى “قاعدة الكسب“. ومفادها أن كلّ ما نتعامل معه في حياتنا اليومية _ من الأدوات والمقتنيات، إلى من نرافقهم ونصاحبهم، إلى ما نراه ونسمعه ونفكّر فيه ونقوله _ إنّما كلها تتلقّاه وتكتسبه نفوسنا. وتبعاً لهذه القاعدة، أكدنا أن هيئتنا عند البعث، وشكلنا الظاهري، ومكانتنا في الآخرة، ما هي إلا ثمرة لما اكتسبناه في الدنيا. بناءً على هذا، ينقسم الناس في الآخرة إلى فئتين:

الفئة الأولى: من امتلأت حياتهم بالكسب الطيب والعمل الصالح النوراني، فيُجزَون بالجنة.

الفئة الثانية: من غرقوا في الكسب الفاسد والعمل السيّئ، فينتهون إلى النار.

لكن هنا ينبثق سؤال شديد الأهمية، يُعدّ من أكثر الشبهات تداولاً حول عدالة الله:

أليس الكثير من “كسب الإنسان” خارجٌ عن إرادته؟ ألا يجد البعض نفسه قسرًا في بيئةٍ مليئة بالكسب النقيّ، وآخر في بيئة موبوءة بالكسب الملوّث، دون أن يكون له خيار؟ فمثلاً، من يولد في بيتٍ مؤمن، يفتح عينيه على أجواءٍ طاهرة، تتهيّأ له أرضيّة نقية للمعرفة والإيمان والعمل الصالح. وعلى النقيض، من يولد في بيتٍ فاسق، يكون منذ الطفولة محاطًا بمشاهد وأصوات وأطعمة وأجواء ملوثة… فهل من العدالة أن يدخل الأول الجنّة، مع أنه لم يسعَ لذلك بجهده، ويُطرح الثاني في النار، مع أنّه لم يختر تلك البيئة؟! أين العدل في هذا؟!

رغم أنّ ظاهر هذا الكلام سؤال، إلا أنّ باطنه يحمل عدداً من الإشكالات والتساؤلات المتشابكة. ولو تبيّنت لنا الأجوبة عنها، لزال هذا الإشكال من جذوره. فيما يلي، سنخوض في تلك النقاط ونكشف عنها الستار، حتى يتضح وجه عدالة الله تعالى بجلاء.

التفريق بين العدل والمساواة

أحد أبرز الإشكالات التي لا بدّ من توضيحها يتعلّق بمفهوم عدالة الله. فعادةً ما يُساوي الذين يتحدّثون عن التمييز في الخلق بين العدالة الإلهية والمساواة، ويظنّون أنّ الله لا يُعدّ عادلاً إلّا إذا منح جميع البشر النِعم والممتلكات بشكلٍ متساوٍ، وأنّه إن فَرّق بينهم من هذه الناحية، فقد ظلم بعضهم.

بيد أنّ هذا التصوّر خاطئ. فليس كل عدلٍ مساواة. العدل الحقيقي هو أن يُمنَح كل موجود بحسب قدرته واستعداده. فإن تساوى اثنان في القابلية والاستعداد، فإن عدل الله يقتضي أن يُعاملا بالمثل، لكن إن اختلفا، فالعدل لا يعني إعطاءهما القدر نفسه، بل إعطاء كلٍّ منهما بقدر ما يطيق ويستحق.

لتوضيح مفهوم العدالة، دعونا نتخيل لإناءين للماء، سعة كل منهما عشرة لترات. لو ملأنا أحدهما كاملاً، وملأنا الآخر إلى النصف فقط، فهل نكون قد أنصفنا؟ قطعاً لا، لأن الإناء الثاني كان يستحق مثل الأول، لكننا حرَمناه حقّه. أمّا لو كان أحد الإناءين يسع عشرة لترات، والآخر خمسة، وملأنا كلاً منهما حتى امتلأ، فإنّنا نكون قد عدلنا، مع أنّ الكميّة مختلفة. التفاوت هنا لا يرجع إلى ظلمٍ منّا، بل إلى اختلافٍ جوهري في قابليّة الإناءين.

ومثالٌ آخر: هل من العدل في صفّ دراسيّ أن يُمنح جميع الطلاب الدرجة ذاتها؟ العدل أن يُمنح كلّ طالب ما يستحقّه بناءً على اجتهاده ومعرفته، وأيّ توزيع خلاف ذلك هو ظلم.[1]

على هذا الأساس، لا تقوم عدالة الله على أن يهبَ لجميع الناس إمكانات مادية، ونباتية، وحيوانية وعقلية متطابقة. بل يتجلّى عدله في أمرين: أوّلاً، أن يمنح كل إنسان بحسب قابليّته واستعداده؛ وثانياً، أن لا يكلّفه إلّا بما يطيق.

وهنا تكمن نقطة في غاية الأهمية، حين يُحاسب الله الناس، يأخذ في اعتباره كلّ ظروفهم، من قدرات ظاهرة وخفية، إلى مؤثرات وراثية وبيئية، ولا يطالب أحداً بما يتجاوز طاقته. فمن كان نصيبه القليلَ من الإمكانات، فإنّ الله يطالبه بالقليل، ومن حظي بالكثير، يُنتظر منه الكثير. ولهذا، قد يكون الفعل نفسه مقبولاً وممدوحاً عند إنسان، ومرفوضاً ومذموماً عند آخر، بحسب اختلاف موقع كلٍّ منهما واستعداده.

بالإضافة إلى ذلك فإن العدل الإلهي لا يظهر فقط في توزيع النِعم والمواهب، بل يشمل أيضاً توزيع البلاء والابتلاء. فكما أنّ الله يراعي قدرات الناس في العطاء، فإنّه يراعيها أيضاً حين يُقدّر عليهم المحن والشدائد. ولذلك نجد أن أشدّ الناس بلاءً عبر التاريخ هم الأنبياء وأهل البيت(عليهم السلام)، لأنّهم كانوا يمتلكون سعة وجودية أكبر و أوسع، وهي بلاءات تفوق الوصف، ولو نزل أقلّها على أحدنا لما صمد لحظة.

فإذا أردنا أن نفهم عدالة الله، علينا أولاً أن ننظر في حياة الإنسان من جميع جوانبها، وثانياً أن لا نغفل عن حقيقة أنّنا خُلِقنا لحياةٍ أبديّة، وأنّ الآخرة امتدادٌ لا ينفصل عن الدنيا. فكلّ نقصٍ أو حرمانٍ في هذه الحياة، سيُعوَّض هناك بأكمل وجه وأتمّه.

ثمّة ملاحظة أخيرة في غاية الأهميّة، تتعلّق بتوزيع “استعدادات ماوراء عقلية” بين الناس _ ويعد جانب ماوراء العقل جوهر النقاش في مسألة عدالة الله. إذ إنّ الغاية من وجودنا في هذه الدنيا هي بهدف تنمية هذا الجانب، و كل ما يُعتبر مهمًا من جوانب أخرى للكيان الإنساني، إنما يأخذ قيمته من كونه يخدم هذا الهدف، لا لأنه غاية بحد ذاته. بعبارة أخرى، نحن لم نُخلق لنصبح أطباءً أو مهندسين أو أثرياء أو مشاهير، ولا بسبب الترقي في الوظائف، ولا تحصيل الشهادات، ولا الزواج، ولا تكوين الأسرة، ولا جمع المال أو المكانة الاجتماعية، رغم أنّ لهذه الأمور كلّها قيمة و نورانية، لكنها ليست الهدف في ذاتها. ما يستحق العناية هو ذلك البعد ماوراء العقلي الذي يجعلنا قادرين على التشبّه بصفات الخالق، وقد تساوى فيه الناس جميعًا، فكلّ منا متساوون في حمل الخلافة الإلهية، وبوسع الجميع الإرتقاء إليها.

ليس كل كمال نعمة

يمكن تشبيه اختلاف مواقع الناس في هذه الدنيا بحال المتسابقين في ميدان سباق الجري. فهذا الميدان، كما هو معروف، بيضويّ الشكل، وقد قُسّم إلى عدّة مسارات بحيث يكون محيطه الداخلي أقصر من الخارجي. ولكي يتحقّق العدل، يُوضع كل متسابق في موقعٍ متقدّم أو متأخّر بحسب المسافة التي سيقطعها، فيُقدَّم من كان في المسار الخارجي قليلاً، ويؤخَّر من كان في الداخلي. وهكذا، حين يصل الجميع إلى أوّل منعطف، تتساوى مواقعهم تماماً، ويقطعون بعد ذلك المسافة ذاتها، وتتحقّق العدالة بين الجميع.

وعليه، لا أهمية لموضعنا الحالي، ولا لكوننا أقلّ أو أكثر كمالًا من غيرنا. ما يهمّ هو مدى سَعينا وجهدنا، فإن بذل كلّ واحد منّا جهده في موقعه بما يملكه من إمكانات قليلة أو كثيرة، فإنّنا سنصل إلى مكانتنا الحقيقية عند أوّل منعطف من هذا الميدان.

وهنا نصل إلى نقطة مهمّة: الكمالات والوفرة في النعم ليست دائماً خيرًا. ليس من المسلّم به أنّ من وُلد في بيتٍ مؤمن، أو أوتي ثراءً وفيراً، أو حاز عقلاً راجحاً، سيكون أقرب إلى الله، أو أقدر على السعادة، أو أهدأ بالًا. بل كثيراً ما تكون هذه الكمالات نفسها حُجباً، وسبلاً للغفلة، ومزالق تُبعد الإنسان عن الله بدل أن تقرّبه إليه. وكلّما عظُمت النعمة، اشتدّ خطرها.

ولا فرق في ذلك بين كمالات ظاهرة ماديّة، وبين كمالات ذات صبغة دينية، كلباس رجل الدين، أو القيام بالجهاد، أو التردّد على المساجد، أو الانخراط في الشعائر. فقد تجرّنا هذه المظاهر — إن لم نحسن استعمالها — إلى الغرور والعُجب والتعلّق بالشكل دون الجوهر، تماماً كما تجرّنا المعاصي إلى البعد عن الله.

ثمّ لا يصحّ أن نظنّ، لمجرّد أن الله أعطى فلاناً ومنع آخر، أنّه أكرم الأوّل وأهان الثاني. فالنعمة كالبلاء، وسيلة للاختبار[2]، بل، وكم من مرةٍ كان الامتحان بالنعمة أشدّ وأدقّ من الامتحان بالمصيبة. فالكمالات العالية والنِعَم الكثيرة، تشبه سيارة فاخرة ذات تقنيات عالية: إن جهل السائق طريقة استخدامها، أتلفها وأهلك نفسه ومن معه.

وبناءً على كلّ ما تقدّم، صحيح أن الناس غير متساوين في التمتع بالنِعَم والكمالات الدنيوية، إلا أنّ ذلك لا يناقض عدالة الله، لأنّ الله لا يطالب العبد إلا بما لديه من القدرات. ومع ذلك، هذه الحقيقة لا تعني الرضا بالكسل والتقاعس، بل تدعونا جميعًا إلى السعي لتحسين أحوالنا، ماديّةً كانت أو معنوية. لكن في الوقت نفسه، علينا ألّا نظنّ أن قربنا من الله مشروط بأن نكون في موضع غيرنا، أو نملك ما يملكون. إن الله يفتح لكلّ إنسان أبواب الترقي والتقرب، في الموضع الذي هو فيه، وبحسب قدرته واستعداده.

ما علينا إلا أن نثق بحكمة الله في تدبيرنا، وأن نؤدّي أدوارنا بأمانة، حيث وضعنا، ومع ما آتانا. والحقّ أن العدل الحقيقي يكمن في الميدان الأعلى من الوجود، وهو البُعد ماوراء العقلي _ذاك البعد الإلهي الذي نُفخ في أرواحنا _ وفي هذا البُعد، نحن جميعًا متساوون، ولا يتفوق أحد على الآخر.


[1] آثار الشهيد المطهري، ج1، ص 126

[2] سورة الفجر، آيتان 15 و16.

اكتب رأيك