مفهوم التناسخ؛ هل تعود الأرواح إلى الدنيا بعد الموت؟

جدول المحتويات
استكشاف مفهوم التناسخ من منظور الفلسفة الإسلامية

استكشاف مفهوم التناسخ من منظور الفلسفة الإسلامية

ماذا تعرفون عن التناسخ؟ هل سمعتم بهذا المصطلح من قبل؟

إن موضوع الحياة بعد الموت كان ولا يزال أحد أكبر الألغاز وأكثرها تحديًا في مجال علم الإنسان والفلسفة والدين. هناك آراء مختلفة حول مصير الإنسان بعد الموت ويصور كل مذهب مصيرًا عنه اعتمادًا على التعريف الذي يقدمه للإنسان. يعتبر أتباع بعض المذاهب المادية الإنسان ككائن مادي تمامًا ويرون أن الروح جزء من دماغه، وبالتالي فهم يعتقدون أن الإنسان قابل للزوال، و يختفي تمامًا و يتحول إلى العدم مع موت جسمه. بينما تنكر بعض الأديان وخاصة الإسلام مفهوم العدم . فی النظرة الإسلامية، ليس الإنسان قابل للزوال أبدًا؛ بل هو كائن خالد ويرتبط خلوده بروحه. تنفصل روح الإنسان عن جسمه المادي عند الموت وعن عالم المادة بشكل عام وتستمر حياتها في عالم آخر يُسمى الآخرة.

هناك آراء أخرى تؤيّد خلود الإنسان وذاته غير المادية، ولكنهم يعتقدون أن هذا الخلود يحدث في الدنيا، وليس في الآخرة. تم تشكيل هذه المعتقدات على أساس نظرية تُعرف اصطلاحًا بـ “التناسخ“. هذه النظرية لها تاريخ طويل في المجتمعات البشرية ويعود أصلها إلى شبه القارة الهندية والأديان غير الإلهية مثل البوذية والهندوسية. وفقًا لهذه النظرية، عندما يموت الإنسان، تبقى روحه هنا في الدنيا بدلاً من الانتقال إلى الآخرة، وتستمر في حياتها في جسم آخر.

على الرغم من الاضطرابات غير المبررة في هذا الاعتقاد، لا يزال عدد كبير من الناس في جميع أنحاء العالم يعتقدون فيه، وتشكل مبادئ هذه النظرية، مثل قانون الكارما، أساسًا لتكوين العديد من الفرق والعقائد الجديدة. هذا المفهوم قد انتشر بشكل كبير، حتى أن العديد من الأشخاص يعتبرون مشاكلهم ناتجة عن الكارما ويسعون من خلالها إلى حل مشاكل حياتهم والوصول إلى السعادة والسكينة. نظرًا لهذه النقاط وكذلك إلى تحدي الإيمان الذي تقوم به هذه الفرق بنفي الحياة الأخروية، يبدو من الضروري أن نتناول مفهوم التناسخ في مقالات علم الإنسان وأسباب نفيه من وجهة نظر عقلانية.

ما هو التناسخ؟

التناسخ يعني انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر بعد الموت وعودتها مرة أخرى إلى الدنيا، ويوافق جميع مؤمني هذه النظرية، سواء في الديانة الهندوسية أو البوذية، على هذا المبدأ العام. ولكن لا يوجد هناك رأي يوضّح إلى أي جسم تنتقل الروح، والمراحل التي تمر بها وأين تنتهي في النهاية. يؤيّد البعض انتقال الروح الإنسانية إلى جسد بشري آخر فقط، بينما يدّعي البعض الآخر أن روح الإنسان قد تنتقل إلى جسم حيوان، أو نبات أو حتى جسم غير حي. بالاضافة إلى أن هناك من يعتقد أن الروح الإنسانية يمكنها التحول إلى كواكب سماوية أو ملائكة من خلال تحقيق مراحل الكمال.

وفقًا لهذا الاعتقاد، يعود الإنسان الذي كان صالحًا ونقيًّا في حياته السابقة بعد الموت مرة أخرى إلى الدنيا ليستمتع بثمار أعماله الصالحة من خلال التقدم في رتبته والولادة في صفوف الأثرياء وأمراء النبلاء وغيرهم، و من جهة أخرى فإن كل من كان يرتكب الظلم و المعاصي والخطايا في حياته السابقة، يعود إلى الحياة على هيئة شخص معوق أو فقير أو حتى حيوان أو نبات، ليدفع ثمن خطاياه. و من هذا المنطلق، فإن جميع الأغنياء والفقراء والمرضى هم كذلك نتيجة أعمالهم السابقة ولا يوجد هناك عامل آخر متورط في هذا الموضوع. يُسمى هذا النظام للجزاء والثواب في نظرية التناسخ،قانون الكارما“.

من وجهة نظر المؤمنين بالكارما، يتم إعطاء جزاء الأعمال وثوابها في الدنيا ولا توجد جنة ولا نار كما يقال في الديانات التوحيدية. الجنة هي نعيم الدنيا والنار هي عذاب المشاكل والأمراض. تستمر الدورة الروح بين هذه الجنات والنيران إلى الأبد ولا سبيل للهروب منها، ما لم يصل الشخص إلى أعلى درجة من الكمال، التي تُعرف في البوذية بـ “النيرفانا” وفي الهندوسية بـ “برهمان”، في هذه الحالة فقط يتحرر الشخص من الدورة التناسخ ويحقق النجاة.

هل التناسخ مقبول من الناحية العقلية؟

تعاني هذه النظرية من عيوب كبيرة من الناحية الفلسفية والعقلية، وسنذكر فيما يلي أهم الأسباب التي تجعلها غير صالحة.

السبب الأول؛ لا يمكن لجسد أن يحتوي على روحين

كما ذكرنا سابقًا، العامل الرئيسي لوجود الكائنات الحية مثل النباتات والحيوانات والبشر هو الروح أو النفس. لذلك فإن جميع الكائنات الحية لها روح ولا يوجد إنسان أو حيوان أو نبات بدون روح. وبناءً على هذه النقطة، في حال حدوث التناسخ ودخول روح كائن في جسد كائن آخر، سيكون الجسم المضيف يحتوي على روحين أو نفسين وهذا أمر مستحيل. لأن الروح مسؤولة عن إدارة وتنظيم الجسم، وإذا كان هناك روحين في جسد واحد، سيحدث تداخل في وظائفهما وسيتعرض الجسم للفوضى.

بالإضافة إلى ذلك، يشعر كل شخص خلال حياته بوحدة الهوية في داخله و “الأنا “ليست أكثر من شخص واحد من البداية إلى النهاية. هذه وحدة الشخصية تعكس فرادة النفس.

من الضروري أن نشير هنا إلى نقطة، وهي أن بعض الأشخاص يعانون أحيانًا بسبب التجارب الصعبة التي مروا بها أو استهلاك بعض العقاقير والمواد النفسية، من تقلبات شديدة في المزاج والعواطف والسلوك، مما يجعلهم يشعرون بوجود هويات أو شخصيات متعددة داخلهم. هذا الاضطراب النادر المعروف باسم اضطراب الهوية التفارقي، هو نوع من الأمراض النفسية المعقدة ولا يرتبط بالموضوع الذي نناقشه. يمتلك هؤلاء الأشخاص في الواقع هوية مثل باقي أفراد المجتمع، ولكنهم يعتقدون أنهم يملكون هويات متعددة، بسبب اضطراب في عملية تخيلهم وواهمتهم.

السبب الثاني؛ من المستحيل الانتقال من القوة إلى الفعل

سبق وشرحنا في مقالة سابقة فكرة القوة والفعل، أن العالم ليس ثابتًا وإنما هو في تغيير و تحول دائم. تسعى هذه التغييرات نحو الكمال؛ أي أن كائنات العالم تتطور دائمًا من مرحلة إلى مرحلة أعلى وتحقق كمالاتها الكاملة. ذكرنا أيضاً أنه عندما يخرج شيئًا من حالة القوة ويصل إلى الفعلية، فلا يمكنه العودة مرة أخرى للقوة. على سبيل المثال، بمجرد أن يتحول النطفة داخل البويضة إلى دجاجة، فإنه لا يستطيع العودة إلى مرحلة النطفة، تماما كحبة القمح التي لا يمكنها العودة إلى مرحلة البذرة.

وهكذا هو الحال بالنسبة إلى الروح أو النفس الإنسانية خلال مراحل نموها وتطورها، فهي تتجاوز النفس النباتية والنفس الحيوانية وتنشط قدراتها الإدراكية تدريجياً خلال حياة الإنسان. لذلك فعندما يموت شخص ما، فإن نفسه  ليست تلك التي كان يملكها بالقوة منذ بداية حياته،  بل هي نفس تطورت ووصلت إلى مرحلة الفعلية. عندما تصل الروح إلى المرحلة الفعلية، حتى وإن كانت هذه الفعلية ضئيلة، من المستحيل أن تعود مرة أخرى إلى مرحلة القوة. وبالتالي، فإن من غير الممكن أن تنتقل روح إنسان بالغ تجاوز مراحل النفس النباتية والحيوانية وتفتحت الكمالات العديدة لديه، إلى جنين لا يزال في مرحلة القوة، أو إلى نبات أو حيوان في مراحل تطورية أدنى. حتى من الصعب أن تنتقل روح رضيع عمره يومين إلى جنين في الرحم، لأن الجنين يتواجد في مراحل تطورية أدنى.

السبب الثالث؛ لا يتذكر أحد حياته السابقة

عندما يتحدث أتباع الديانتين الهندوسية والبوذية عن تبادل الروح بين أجساد مختلفة، فإنهم في الواقع يقبلون على أن جوهر كل الأفكار والأعمال والمشاعر هو الروح وليس الجسم. هذه الروح هي التي ترتكب الخطايا أو تقوم بالأعمال الصالحة. الروح هي التي تعاني أو تستمتع، الروح هي التي تعاقب أو تأخذ الثواب، وباختصار، الروح هي التي تجرب الحياة. وبهذه الصفات، لو كان التناسخ حقيقة، فقد عاش كل واحد منا مئات السنين في الدنيا وخضع لمئات الآلاف من التجارب السعيدة والحزينة، فلماذا لا يتذكر أي منا هذه التجارب؟ لماذا تكون أبعد ذكرياتنا مرتبطة بالوقت الذي كنا فيه في هذا الجسم في الدنيا؟ كيف يمكننا أن ننسى الحياة السابقة؟ بينما مفهوم التناسخ بطبيعته يجعل من غير المعقول أن تعاني الروح من النسيان.

هذه الأسباب وأسباب أخرى تظهر بوضوح أن حدوث التناسخ وفقًا للتعاريف التي تقدمها البوذية والهندوسية وبعض الطوائف الأخرى، ليس معقولا من الناحية العقلية ولا يقبله الإسلام أبداً.

التفاوت بين التناسخ الملكي والملكوتي

ما تحدثنا عنه حتى الآن  يعرف بـ “التناسخ الملكي”. هناك نوع آخر يسمى “التناسخ الملكوتي”، وهو موضوع ليس بجديد وسبق أن تناولناه في مناقشات المكتسبات النفسية وتجسم الأعمال. التناسخ الملكوتي يعني أن الأشكال الباطنية لأعمالنا في عالم الآخرة تتجسد على شكل “جسد مثالي” في البرزخ و “جسد القيامة” في القيامة.

بعبارة أخرى فإن نفس كل واحد منا، بناءً على معتقداته وأفكاره و نواياه و سلوكياته التي كانت لديه في الدنيا، يخلق جسدًا مثاليًا متناسبًا مع البرزخ بالإضافة إلى جسد القيامة متناسبًا معها و يتجسم بذلك الشخص.  لذا، فإن التناسخ الملكوتي يختلف عن التناسخ الملكي في عدة نواحٍ:

  • أولاً، تخرج الروح الإنسانية بعد الموت بالكامل من عالم الدنيا وتنتقل إلى عالم آخر يسمى البرزخ أو الملكوت.
  • ثانيًا، لا تدخل الروح أجساد كائنات أخرى، بل تخلق نفسها بدنًا وفقًا للظروف الجديدة التي تجد نفسها فيها.
  • ثالثًا، لا يتم إعطاء الناس مكافأة أو عقاب في الدنيا، بل تتجلى أعمال كل شخص في الآخرة على شكل جنة أو النار، ويُحشر كل شخص مع أعماله الدنيوية.

بشكل عام، يؤدي الاعتقاد بالتناسخ وقانون الكارما إلى تشكيل أنظمة اجتماعية غير عادلة في الدنيا ويبرر ثقافة الظلم والتسامح به. من يتمتع بالرفاهية والراحة، يعتبر نفسه مستحقًا لهذه الرفاهية ويفتخر بها، بينما ليس لديه أي ذكريات عن أعماله الصالحة في الماضي! ويرى الفقراء والمساكين أنفسهم مستحقين للعذاب بسبب خطايا لم يرتكبوها أبدًا ولا يملكون أي ذكريات عن ارتكابها!

يختلف هذا الاعتقاد تمامًا عما يذكر في الإسلام تحت اسم عقوبة ومكافأة الأعمال. نتذكر جميع أعمالنا الصالحة والسيئة في البرزخ والقيامة وفقًا لتعاليم الإسلام، حتى أننا نرى الأعمال أمامنا وكأننا نقوم بها في تلك اللحظة. إن محكمة القيامة تعقد داخل أنفسنا، ونحن الشاهد والقاضي والمتهم في الوقت نفسه. كما أن أفعال كل واحد منا هي التي تُشكّل أنفسنا، وبناءً على ما بنيناه فإننا إما أن ننسجم مع ظروف الحياة الأخروية ونكون أهلاً للاستفادة من فرصها، أو أننا لا نتوافق مع ظروف الآخرة ولن يكون لدينا القدرة على الاستفادة من إمكانياتها. والآن أيهما أكثر عقلانية وعدالة برأيك؟ التناسخ الملكي أم الملكوتي؟!

في الدروس القادمة، سنتحدث بشكل أكثر تفصيلًا عن مفهوم الكارما والاختلافات الأساسية بينه وبين نظام القضاء والقدر والفعل وردّة الفعل.

اكتب رأيك