مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

عندما لا تبلغ الجهود غايتها: دراسة مسألة خيانة النخبة في تاريخ الانتظار

جدول المحتويات
من ضياع الاتجاه إلى تأخّر الظهور: تحليل دور النخبة في مسار الدولة الكريمة

من ضياع الاتجاه إلى تأخّر الظهور: تحليل دور النخبة في مسار الدولة الكريمة

يبرز في أدبيات الانتظار الشيعي سؤالٌ محوريّ طالما شغل الباحثين: ما سرّ عدم تهيّؤ الشروط الاجتماعية لقيام حاكمية الإمام المعصوم، رغم قرون طويلة انقضت على عصر الغيبة؟ فإذا كان الظهورُ الموعود يمثّل تجلّي الغاية الكاملة من خلق الإنسان، وإقامة العدل في ربوع الأرض، فإنّ تأخّره لا يمكن اختزاله في كونه مسألةً تاريخيةً أو زمنيةً فحسب؛ بل هو شاهدٌ على وجود عائقٍ عميقٍ نشأ في مسار حركة المجتمع الإنساني نحو هذه الغاية.

في هذا الإطار، يغدو الحديث عن «خيانة النخبة» ليس حكماً انفعاليّاً أو مقاربة ذات طابع سياسي، بل محاولة للاقتراب من أحد العوامل الأساسية التي أسهمت في نشوء هذا العائق وتأبيده عبر التاريخ.

ولإدراك خطورة هذا العامل، ينبغي الرجوع أولاً إلى الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها؛ فالرؤية التوحيدية تؤكد أنّ الإنسان مخلوق لبلوغ القرب الإلهي، وأنّ هذا المسار لا يكتمل إلا في ظلّ الهداية الإلهية وتجسّدها الكامل في ولاية الإمام المعصوم. وتجسيد هذه الهداية في بنية المجتمع يتطلب حاكميّة قادرة على توجيه الإنسان في مختلف شؤون حياته نحو تلك الغاية العليا؛ وهي الحاكميّة التي تصفها النصوص الدينية بـ«الدولة الكريمة». ومن ثمّ، فإن تأخّر قيامها يعني أنّ البيئة الاجتماعية القادرة على حمل هذا المشروع لم تُستوفَ شروطها بعد.

وهنا يبرز موقع «النخبة». فهي ـ بما تمتلكه من رصيد علميّ أو موقع اجتماعي أو سلطة إدارية ـ تمثل العنصر الأكثر قدرة على توجيه الوعي الجماعي ورسم المسار العام لحركة المجتمع. ومن الطبيعي المتوقع من هذه الفئة أن توفّر القيادة الفكرية والاجتماعية القادرة على دفع المجتمع نحو أهدافه الإلهية، واستثمار طاقاته التاريخية في سبيل تمهيد الطريق لحاكمية الحق. غير أنّ هذه القدرة نفسها تتحوّل إلى معوّق خطير عندما تنحرف عن اتجاهها الصحيح، أو تُستثمر في مسارات متناقضة مع غاية الهداية. فحينئذٍ لا تقتصر النتائج على تعطيل جزء من طاقات المجتمع، بل يُهدر رصيده التاريخي كله، ويبتعد عن اللحظة التي يُفترض أن تتقاطع فيها الإرادة الإنسانية مع الوعد الإلهي.

من هذا المنطلق، يمكن فهمُ سبب استعمال مصطلح «خيانة النخبة». فالمقصود بالخيانة هنا ليس الوقوع في خطأ فردي أو زلّة عابرة، بل الإخلال بالوظيفة الجوهرية التي أُنيطت بهذه الفئة. فالمشكلة ليست في أنّ الظهور قد تأخّر فحسب، بل في أنّ حياة الإنسان، في غياب الإمام الحاضر الحاكم، تنحرف عن مسارها الحقيقي. وبهذا المنظور، تصبح خيانة النخبة عاملاً لا يُبطئ حركة التاريخ فحسب، بل يوقفها في برزخٍ طويلٍ مُرهِق، بدل أن يُيسّر تقدّمها نحو غايتها.

ومن ثمّ، فإنّ دراسة هذه الظاهرة لا تقتصر على تحليل سلوكٍ اجتماعيٍّ بعينه، بل هي إعادة قراءةٍ لأزمةٍ إنسانيّةٍ عميقة، تتجاوز ظاهر الأحداث لتلامس جوهر الإنسان، وترسم في نهايتها ملامح المصير الذي ينتظرنا جميعاً.

نسبة هدف الخلق بخيانة النخبة

تقرّر في مباحث سابقة أنّ الغاية من خلق الإنسان هي بلوغ مقام «التشبّه بصفات الله تعالى»؛ وهو سيرٌ وجوديّ يبلغ فيه الإنسان مرتبةً تتجلّى خلالها صفات الله الحسنى في حياته وسلوكه. غير أنّ إدراك هذه الغاية لا يتمّ إلا باتّباع المسار الذي رسمه الوحي، وهو مسار يبلغ ذروته في قوله تعالى: «إيّاك نعبد وإيّاك نستعين». فبهذه الثنائية المتمثّلة في العبودية والاستعانة يتحدّد الإطار الوجودي لحركة الإنسان نحو الكمال.

ومقتضى هذا الفهم أنّ السلوك إلى الله ليس طريقاً ممهّداً؛ فهو محفوفٌ بموانع وابتلاءات، حيث يقف شياطينُ الإنس والجنّ على جانبيه، يثبّطون السالكين ويشوّشون عليهم وجهة النظر. ومن خلال هذه المواجهة يتجلّى للإنسان معنى «لا حول ولا قوّة إلا بالله» و «لا مؤثّر في الوجود إلا الله» حتى يبلغ مقام «شهادة النفس»، أي الشهادة القلبية بأنّ القدرة المطلقة في الكون لله وحده، لا شريك له.

أمّا إذا مال الإنسان أو المجتمع عن هذا المسار القويم، فإنّ طريق الكمال يغدو مستغلقاً، والمقصد يتباعد، مهما بلغت الجهود وكثرت المساعي. فالحركة التي تفقد اتّجاهها تفقد ثمرتها أيضاً، وهنا يبرز مفهوم «خيانة النخبة». إذ إنّ الذين أُنيطت بهم مهمّة الهداية والتوجيه، سواء على المستوى الفكري أو الإداري، إذا انحرفوا عن خطّ الحقّ وأمالوا الناس عن مقصدهم الأصلي، فإنّهم في الحقيقة يعطّلون السير إلى الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، ويجعلون المجتمع بأسره رهين تيهٍ وجوديّ يستحيل معه تحقّق الهدف الإلهيّ في الحياة الاجتماعية.

مكانة الإمام المهدي في تقييم خيانة النخبة

إنّ بلوغ الهدف من الخلق يقتضي أن تنتظم حياة الإنسان وفق توجيهات مربٍّ معصومٍ والمتقدمٍ بالهداية الإلهية، ليبقى هو والأجيال اللاحقة في مأمنٍ من الانحراف والضرر. فإذا غاب هذا الانتظام، أمكن للأعمال التي تبدو دينية في ظاهرها أن تنحرف عن مسارها الأصلي وإن حافظت على شعاراتها.

وفي هذا الإطار، تتحقّق خيانةُ النخبة حين يعمد أصحاب المكانة الاجتماعية إلى اتخاذ قراراتهم وإجراءاتهم بمعزل عن هذا المعيار. فعندما تنفصل الحركة العلمية أو الإدارية أو الثقافية عن محور الاتّباع للإمام المهدي، وهو المعصوم المختصّ بهداية هذا العصر، تفقد الجهود، مهما اتّسعت، اتجاهها الحقيقي، وتتحوّل إلى طاقة بلا بوصلة، يمكن أن تُفضي إلى أضرار اجتماعية عميقة.

إنّ علاقة الإنسان بأهل البيت عليهم السلام، ليست ارتباطاً عاطفياً أو تاريخياً فحسب، بل هي هداية وعلاقة وجودية، وقطعُها يعني عملياً تعطيل أهمّ صلةٍ هاديةٍ في مسيرة الإنسان. ومن هذا المنظور، لا تنحصر خيانة النخبة في ترك وظيفة إدارية أو واجب اجتماعي، بل قد تتجلّى في قطع الصلة العملية بتعاليم أهل البيت. وعندما تُستبعَد هذه الهداية عن قرارات وتوجّهات كبرى، ينحرف المجتمع تدريجياً عن مساره الإلهي، حتى وإن حافظ على مظاهر التدين وشعائره؛ إذ إنّ اتجاه الحركة هو الذي يُحدّد حقيقتها لا ظاهرها. ومن هنا يتضح أنّ المسألة ليست قضية سياسية فحسب، بل قضية وجودية، لأنّ حضور الإمام المعصوم يعني اكتمال التجلي الإلهي في البنية الاجتماعية.

وكلّ من يساهم في تعطيل هذا الحضور أو إبعاده يقع تحت اللعن الإلهي. وقد دلّت زيارة عاشوراء على أنّ اللعن يتوجّه إلى طائفتين: قتلةِ أهل البيت، والذين سلبوا حقّهم ومقامهم. فإذا قصّر أصحاب النفوذ الاجتماعي عن السعي في سبيل حاكميّة الحق، كانوا في الواقع شركاء في استمرار الحالة التي تصفها الزيارة بـ«المصيبة العظمى». وهذا ما يكشف أنّ الخيانة هنا ليست خطأ فردياً عابراً، بل فعلاً ذا تبعات تاريخية وحضارية.

علامات خيانة النخبة في المجال الاجتماعي

  • العلامة الأولى: غياب البوصلة عن الجهود المبذولة: فما أكثر الجهود التي تُبذل في ميادين شتى، لكنها إذا ما افتقرت إلى الارتباط بهدف تحقيق دولة الحق وظهورها، ظلت بلا اتجاه أصيل.
  • العلامة الثانية: الإهمال في الاستعداد للقاء الإمام المهدي(ع): فبحسب توجيهات الإمام الخميني، ينبغي لكلّ مسؤولٍ ولكل فردٍ من أفراد المجتمع أن يُعِدّ نفسه لمثل هذا اللقاء والحضور. فإذا تولّى مدير أو قائد موقعه دون أن يحمل هذا الوعي والاستعداد، انقلب موقعه، من حيث لا يشعر، إلى صورةٍ من صور الخيانة.
  • العلامة الثالثة: الانحراف عن الأهداف الكبرى للإسلام: فخدمة الناس وانتظار الفرج ليسا أمرين منفصلين. بل إن الخدمة بلا انتظار، والانتظار بلا خدمة، كلاهما انحراف. وعندما تقتصر نخبة المجتمع اهتمامها على القضايا المادية وتتناسى الهدف الأسمى – أي تحقيق السيادة العالمية للإسلام – فإن المجتمع يبتعد عن مساره الحقيقي.

العواقب التاريخية لخيانة النخبة

من أبرز عواقب تنجم عن خيانة النخبة، ذلك التأخير الطويل في تحقق ظهور الإمام المهدي عليه السلام. فقد كان التأخير الذي دام أكثر من ألف سنة في الظهور نتيجةَ جهودٍ غيرِ موجهةٍ من العلماء والنخب. إذ أن توجيه أنشطة نخبة المجتمع قادر على تأثير مباشر في المسار التاريخي لتحقيق الوعد الإلهي.

ومن عواقب هذه الخيانة، استمرار معاناة غياب الإمام عن موقع الحاكمية. فعندما يعجز المجتمع عن توفير الشروط اللازمة لقيام دولة الحقّ، تبقى هذه الحالة مستمرة، وتظهر انعكاساتها في مختلف البُنى الاجتماعية. ويُضاف إلى ذلك أنّ الخصوم يعملون بلا توقّف على وضع الخطط وتفعيل البرامج في مدنٍ ومناطق شتى خدمةً لأهدافهم. وفي حال افتقار النخبة إلى رؤية واضحة، تتضاءل قدرتهم على مواجهة تلك المخططات مواجهةً فعّالة.

ولا تنقضي خيانةُ النخبة إلا حين تتّجه النشاطات الاجتماعية اتجاهاً صريحاً نحو إقامة الدولة الكريمة. فهذه الوجهة ينبغي أن تحضر في مختلف مفاصل الحياة الفردية والجماعية: من التخطيط العلمي إلى الإدارة الاجتماعية وصنع القرارات السياسية.

وعندئذٍ يتحوّل انتظار الفرج من حالةٍ ذهنية أو دعاء مجرّد إلى برنامجٍ عمليّ لإدارة شؤون الحياة. فالمجتمع الذي تنتظم فيه الجهود ضمن هدف الظهور، يسير تدريجياً في طريق تحقيق الوعد الإلهي.

إن مفهوم خيانة النخبة يعني الخروج عن مسار الهدى الإلهي على المستوى الاجتماعي، وهو خروج يتجلى في صورة انعدام توجيه الأنشطة، والغفلة عن محورية الإمام المهدي، والابتعاد عن أهداف “الدولة الكريمة”. وهذه الخيانة ليست مجرد خطأ فردي، بل تُعد عاملاً مؤثراً في تأخير تحقيق الوعد الإلهي.

إنّ مسؤولية نخبة المجتمع لا تقتصر على القيام بأنشطةٍ واسعةٍ ومكثّفة، بل إنّ الأهمّ من ذلك هو تحديد الوجهة الصحيحة لهذه الأنشطة. فحينما ترتبط الجهودُ العلمية والإدارية والاجتماعية بمحور الإمام المنتظَر، وتتّجه نحو تحقيق حاكمية الحق، تكتسب حركةُ المجتمع معناها الحقيقي وتستقيم في مسارها. أمّا إذا انفصلت هذه الجهود عن ذلك المحور، فإنّ كثرتها مهما بلغت، قد تظلّ بعيدةً عن الغاية الأساسية، وتنحرف عن المقصد الذي وُجدت لأجله.

لذا فالقضية الأساسية في تحليل خيانة النخبة ليست نقص الجهد، بل غياب التوجيه الإلهي في تلك الجهود، وهو توجيه ينبغي أن يتشكل في الارتباط بأهل البيت(ع)، والاستعداد للظهور، والسعي لتحقيق “الدولة الكريمة”.

خلاصة

إذا كان الهدف من خلق الإنسان هو بلوغ القرب الإلهي، وإذا كان تحقّق هذا المسار على الصعيد الاجتماعي مشروطًا بقيام حاكمية الإمام المعصوم، فإنّ مسألة تأخّر تشكّل هذه الحاكمية لا تعود مسألةً هامشية أو تاريخية فحسب. وفي هذا الأفق، فإنّ كلّ عاملٍ يُبعِد حركة المجتمع عن هذه الغاية، إنّما يقف—في الحقيقة—في مواجهة تحقّق الهدف من خلق الإنسان. ومن هنا يتّضح لماذا يتجاوز الحديث عن «خيانة النخبة» حدود كونه نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا، ليغدو بحثًا في قضيةٍ تمسّ جوهر المصير الإنساني بأسره.

فالنخبة في أي مجتمع يمتلكون القدرة على التوجيه؛ يمكنهم أن يجمعوا الجهود المتفرقة في مسار واحد، وأن يوجهوا الطاقات التاريخية نحو غاية كبرى. ولكن إذا استُخدمت هذه القوة نفسها في غير اتجاه ولاية الله، فإن النتيجة لن تكون سوى تبديد الفرص التاريخية. وعندئذ، قد يعمل المجتمع سنين طويلة، ويحقق تقدماً وربما إنجازات عظيمة، لكنه لما لم تكن حركته في فلكها الأصلي، فلن يستطيع بلوغ الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها.

وهنا تبرز أهمية الوجهة. لقد أثبت التاريخ أن انحراف المسير لا يبدأ في كثير من الأحيان من أعداء ظاهرين، بل من النقطة نفسها التي يفترض أن تكون مصدر هداية. فعندما تبتعد نخبة المجتمع عن محور أهل البيت، أو تنظم جهودها في اتجاه آخر، فإن الخسارة الكبرى لا تعود على النخبة وحدها، بل تُبعد المجتمع الذي وثق بها عن مساره الحقيقي. ولهذا، فإن خيانة النخبة ليست مجرد زلة فردية، بل قد تتحول إلى عامل يطيل أمد محنة يشترك فيها جميع البشر: الحرمان من حكم الإمام المعصوم.

ومع ذلك، لا تنحصر المسألة في نقد النخبة فحسب. بل السؤال الأعمق هو: إلى أي مدى استطاع كل إنسان في حياته أن يوفق مسار جهوده مع الوجهة الحقيقية للكون؟ إذا كان أهم سؤال في يوم القيامة هو: «ماذا صنعت مع إمام زمانك؟»، فإن كل أنشطة الإنسان – من الدراسة والعمل إلى القرارات الاجتماعية والسياسية – يجب أن تجد معناها في ضوء هذا السؤال.

ولعل الخطر الأكبر هو أن يجتهد الإنسان سنين طويلة، ليكتشف في النهاية أن جهوده قد صُرِفت في غير الوجهة الحقيقية. إن فهم هذه الحقيقة يدعونا إلى تأمل جاد: هل تدور حياتنا في فلك الغاية التي خُلق الكون من أجلها، أم أصبحنا – عن غير قصد – جزءاً من تلك اللاوجهة التاريخية التي أطلت أمد الوعد العظيم؟

لیس الجواب على هذا السؤال مجرد تأمل نظري، بل هو نقطة انطلاق لإعادة النظر في علاقتنا بمسير تاريخ الانتظار. ولعل الخطوة الأولى في هذا الطريق هي أن نسأل أنفسنا، قبل أن ننتقد الآخرين: في أي اتجاه تسير جهودنا؟ وما نصيبنا من تقريب ذلك الوعد الإلهي أو إبعاده؟

اكتب رأيك