لماذا لا يمكن الإجابة عن أهمّ سؤال في القيامة من دون امتلاك أسلوب حياة إلهي؟
من الطبيعيّ أن تحظى معرفةُ الأولويّات وتنظيمُ مسار الحياة على أساسها بأهميّةٍ خاصّة في كلّ مرحلة من مراحل العمر. فكثيرًا ما نواجه قضايا تبدو مهمّة، وهي في حقيقتها لا تستحقّ أن تتصدّر اهتماماتنا؛ والانشغال بها في غير أوانها، أو بصورة مفرطة، قد يؤدّي إلى خسارة رؤوس أموالنا المادّية والمعنويّة.
وإذا كان هذا الأمر أوضحَ في شؤون الحياة الدنيويّة، فإنّ آثاره في ما يتعلّق بالمصير الأبديّ أشدّ خطرًا وأعظمُ خسارة؛ إذ قد ينتهي بالإنسان إلى أن يبني حياته حول ما لا قيمة له في الآخرة، فلا يحصد إلّا حسرةً وندامةً لا تزول.
ومن هنا تبرز أهميّةُ معرفة ما سيُسأل عنه الإنسان يوم القيامة، ويتقدّم ذلك كلَّه فهمُ أهمّ سؤالٍ فيها؛ لأنّ الوعي بأسئلة القيامة ينعكس مباشرةً على أسلوب حياتنا في الدنيا، ويحدّد مقدار استعدادنا للآخرة. وإنّ الخسارة حينئذٍ تكون فادحةً لا تُعوَّض إذا لم نُحسن ترتيب حياتنا وفق هذا السؤال المحوريّ.
في هذا الدرس سوف نسعى إلى بيان أهمّ سؤالٍ في القيامة، وإبراز مكانته، واستجلاء ما يترتّب على الغفلة عنه من نتائج.
أهمّ سؤال في القيامة
وفقًا للآيات[1] والروايات، فإنّ أهمّ سؤال يُطرح على كل إنسان يوم القيامة هو عن كيفية علاقته بالوليّ المعصوم وإمام زمانه. غير أنّ الوصول إلى فهم صحيح لهذا السؤال يتطلّب منّا مراجعةً إجماليةً للغاية التي حدّدها الله تعالى لخلقنا؛ إذ إنّ الإنسان لا يبلغ السعادة الحقيقية إلا إذا نظّم جميع أبعاد حياته وجوانبها المختلفة لتحقيق هذا الهدف، وسار نحو غايته المنشودة.
وبما أنّ هدف خلق الإنسان هو التشبّه بالله تعالى، وتفتّح أسمائه وصفاته في وجوده، فإنّ الوصول إلى هذا الهدف لا يكون ممكنًا إلا بوجود قدوة كاملة ومرشد المتقدم يوجّه الإنسان في طريق التشبّه بالله. وفي الحقيقة، فإنّ الإمام المعصوم وحده هو الذي يمتلك أهلية الهداية والإرشاد في هذا المسار.
ومن ثمّ، فمن البديهي أن يتمحور أهمّ سؤال في القيامة حول علاقتنا بذلك الالمتقدم المعصوم الذي ترتبط سعادتنا الأبدية والسرمدية باتباعه والسير على نهجه.
إنّ الإنسان يُسأل يوم القيامة عن النعم التي وُضعت بين يديه، وأعظم نعمة أُعطيت له في هذا الطريق هي نعمة وجود الإمام، ذلك الالمتقدم المعصوم الذي يمثّل القدوة والدليل. ذلك لأنّه من دون وجود مظهر كامل لأسماء الله وصفاته، فإنّ سعي الإنسان للتشبّه بالله لن يتجاوز حدود الوهم، وسيبقى ناقصًا ومبتورًا. ومن هنا، فمن الطبيعي أن يكون قبول سائر أعمال الإنسان متوقفًا على شكر نعمة الإمام وإقامة العلاقة الصحيحة معه.
التعريف الصحيح للعلاقة
إنّ إقامة علاقة صحيحة مع الإمام المهدي (عليه السلام) لا تعني مجرّد علاقة ظاهرية، أو الحضور في المناسبات والشعائر بدافع أداء التكليف فحسب؛ فقد أثبت لنا التاريخ أنّ مجرّد المعاصرة للنبي أو الإمام، أو القرب المكاني منهما، لا يعني أداء حقّ الإمام، ولا يقود إلى النتيجة المطلوبة. إنّما يمكننا الادعاء بأنّ لنا علاقة مؤثّرة مع إمام زماننا عندما نسعى إلى تنفيذ أوامره، ونهيّئ الأرضية لتحقيق أهداف ذلك الوليّ المعصوم وطموحاته في الزمن الذي نعيش فيه.
وبناءً على ذلك، فإنّنا اليوم، ونحن نعيش في زمن غيبة آخر أولياء الله المعصومين، ينبغي أن نكون قادرين على الإجابة عن أسئلة من قبيل:
- أين إمام زماني الآن؟ وما هو الدور الذي قمت به في سبيل تحقيق أهدافه واهتماماته؟
- ماذا كنت أفعل في الوقت الذي كان فيه إمام زماني يعيش الوحدة والغربة والاضطرار والتشرّد والإقصاء؟
- ما هو نصيب الإمام المهدي (عليه السلام) وهمومه في حياتي؟
وبعبارة أخرى، لا يمكننا أن نخرج مرفوعي الرأس من اختبار نصرة الإمام، ولا أن نكون قادرين على الإجابة عن أهمّ سؤال في القيامة بشأن إمام زماننا، إلا إذا تصرّفنا كمنتظرين فاعلين غير سلبيين، وسخّرنا جميع أبعاد وجودنا لإزالة الموانع أمام ظهور الإمام؛ أي أن نبذل، لا أموالنا فقط، بل أوقاتنا وسمعتنا وخبراتنا ومحبّتنا في سبيل تحقيق ما يريده الإمام، وإزالة العوائق أمام ظهوره، وأن نستشعر حضوره في مختلف جوانب حياتنا.
تنظيم أسلوب الحياة بما يتناسب مع الإمام
إنّنا في كل عصر نواجه وليًّا من أولياء الله، ونموذجًا كاملاً يعكس صفات الله تعالى، ومن أجل الوصول إلى غايتنا القصوى، أي إلى الله، لا بدّ من تنسيق جميع جوانب حياتنا معه. ولا يمكن الاقتراب من تحقيق هذا الهدف إلا من خلال امتلاك أسلوب حياة إلهي قائم على المعرفة المتخصّصة.
إنّه أسلوب حياة لا يقتصر على تنظيم أفعالنا الفردية والشخصية بهدف التشبّه بالله، بل يمتدّ أثره ليشمل أنشطتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وغيرها، فيجعلها جميعًا منسجمة مع أهداف وليّ الله وتطلّعاته.
وبهذا الشكل، تنتقل علاقة الإمام في حياتنا من كونها علاقة سطحية أو شكلية أو مجرّد وسيلة لرفع التكليف، إلى حضور فعّال ومؤثّر؛ فيصبح الإمام، الذي تقع على عاتقه إدارة شؤون العالم، عنصرًا مؤثّرًا في مختلف أبعاد حياتنا، فتغدو جميع شؤوننا مرتبطة به، ومنظّمة وفق إرادة وليّ الله وأهدافه.
ومن الطبيعي أنّ امتلاك جواب مناسب عن أهمّ سؤال في القيامة يتطلّب ـ قبل كل شيء ـ أن نخصّص وقتًا للإمام في حياتنا الدنيا. غير أنّ كل خطوة نخطوها من أجل اكتساب هذه الجهوزية وإصلاح هذه العلاقة، تعود في النهاية بالنفع على حياتنا في الدنيا، وتقودنا إلى السعادة في الحياة الأبدية في الآخرة.
العجز عن الإجابة عن أهمّ سؤالٍ يوم القيامة ليس خطأً عابرًا، ولا هفوةً يمكن تداركها؛ بل هو منعطفٌ حاسم قد يُذهب بجهود العمر كلّها، ويحوّل مسار الإنسان من طريق النجاة والسعادة إلى طريق الهلاك والخسارة الأبديّة. فالإجابة الصحيحة عن هذا السؤال هي التي تمنح الأعمال قيمتها، وتمهّد لقبولها.
وإلّا، فإنّ عباداتٍ كالصلاة والصيام والحجّ وسائر الأعمال الصالحة لا يكون لها وزنٌ في ميزان العدالة الإلهيّة؛ إذ لا تكتسب قيمتها الحقيقية ولا موقعها الصحيح إلا بالارتباط بوليّ الله، ومن دون هذا الارتباط لا تؤدّي دورها في إيصال الإنسان إلى الغاية التي خُلق لأجلها
[1]يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم، سورة الإسراء، الآیة 17