ضرورة ابتلائات المؤمن في مسار الكمال الإيماني؛ كيف يختبر الله عباده المؤمنين؟

جدول المحتويات
ضرورة ابتلائات المؤمن في مسار الكمال الإيماني؛ كيف يختبر الله عباده المؤمنين؟

حكمة ابتلاتات المؤمن: كيف تعزّز الإبتلاءات الإلهية الإيمان؟

هل تأملتَ يومًا، وسط الأزمات والمِحن، وسألت نفسك: «لماذا أنا؟» أو «لماذا الآن»؟ كم من مرة تظنّ أنك تسلك طريقا صحيحا، فإذا بعاصفة من الابتلاءات تجتاحك على حين غرة، و ينقلب كل شيء رأسًا على عقب في اللحظة التي كنت تظن فيها أن الأمور قد استقرت؟

قد يبدو الأمر عجيبًا، لكن الحقيقة أن هذه الآلام جزءٌ لا يتجزأ من طريق القرب من الله. في المنظور الإلهي، الابتلاء ليس دليلًا على غضب الله، بل هو مظهر من مظاهر التربية الربانية، ووسيلةٌ لتطهير الإيمان وصقله، ووسيلةٌ لارتقاء الإنسان إلى مراتب أعلى.

لا يستثنى أحد من هذه القاعدة: لا الأنبياء، ولا الأولياء، ولا عباد الله الصالحون. لعلّك تذكر مما تعلمته سابقًا، أن الإبتلاء سنةٌ إلهية جارية، تشمل جميع الناس، حتى الأنبياء والأولياء. فالطريق إلى الكمال والتشبّه بصفات الله ليس ممكناً دون مشقّة، وهذه المشقّات نزلت على الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) أشد وأعظم. نظرة سريعة إلى سيرهم، وهم خير خلق الله، تكشف لنا بوضوح أن حياتهم كانت مليئةً بأنواع التحديات والمصاعب.

والسر في ذلك أن البلاء ينزل دائمًا بما يتناسب مع مستوى إيمان الإنسان؛ كلما علا مقام الإيمان، ازدادت شدة الابتلاء، وحيث إن الأنبياء بلغوا ذروة الإيمان، نزلت عليهم البلايا بأعلى درجاتها.[1] فالإنسان، بحسب مرتبة إيمانه واستعداده النفسي والروحي، يُكلَّف بتحمّل نصيب أعظم من المشقّات، ويُواجه أعداءً أقوى.

وقد شبّه علماء الدين الإنسان المؤمن بكفّة الميزان: كلما زاد الإيمان في كفّة، زادت المصائب في كفة أخرى؛[2] فالإيمان هو مقياس البلاء، وبه يُختبر المؤمن، وبه يترقى. وما يجدر الانتباه إليه هو أن المؤمن، وإن كان كغيره عرضة لأنواع البلاء، إلا أن شخصيته الحقيقية لا تتضرر أبدًا، لأنه مسلّح بسلاح الإيمان. أما الضغوط فهي تُمارس على جانبه الجسدي فقط، لا على جوهره الروحي.

في هذا المقال، سنسعى إلى التعمق في فهم حكمة الابتلاءات عند المؤمن، ونستعرض أنواعه، ونتأمل كيف يمكن لهذه الابتلاءات أن تكون سلّمًا للنمو والارتقاء والاقتراب من الله عز وجل.

تحليل لأنواع ابتلاءات المؤمن

كما أن المدرّب الماهر في الفنون القتالية يُخضع تلاميذه لأنواعٍ من التمارين الصعبة ويضعهم في مواجهة خصومٍ أقوياء ليصيروا أصلب وأقوى، كذلك يفعل الله تعالى، بصفته الربّ والمربّي، مع عبده المؤمن؛ إذ يُعرضه باستمرار لخمسة أنواع من الابتلاءات.[3] كلٌّ منها أشبه بفرنٍ ينضج فيه القلب وتُصفّى فيه الروح، حتى يرتقي المؤمن درجة بعد أخرى في سلّم الإيمان والإخلاص. في الواقع، فإن الله سبحانه وتعالى من خلال أنواع الابتلاءات، يحرث قلب المؤمن ليزرع فيه بذور الإيمان والمحبة والعشق. هذه الابتلاءات الخمسة، وإن بدت مؤلمة، إلا أنّ وجودها في حياة المؤمن ضروري، كضرورة الأوكسجين للتنفس.

ابتلاء المؤمن بالمؤمن الحاسد

من أصعب الابتلاءات التي يواجهها المؤمن، هو أن يُبتلى بمؤمن آخر يحمل في قلبه الحسد، لا يطيق رؤية نموه أو تفوقه. فالمؤمن ليس محبوبًا على الدوام، وقد يُحاصَر بأمواج من الغيرة والضيق من أقرب الناس إليه، خاصة إذا حصل على نعمة من النعم المادية أو المعنوية. على سبيل المثال، قد يحسد الرجل في المنزل زوجته على مواصلة دراستها ويعيق تقدمها ويضع العقبات في طريقها.

من الجدير بالذكر أن من أشد الابتلاءات التي يتعرض لها المؤمن، وأكثرها إيلامًا وأقسى أثرًا، هي حسد المؤمن الآخر؛ وذلك لأن خبث المؤمن الحاسد وعداوته تأتي من داخل دائرة الإخوة في الإيمان، مما يجعلها أشد وطأة. ولكن إذا أدرك المؤمن أن ما يواجهه من أذى هو وسوسة شيطانية، فإنه يتصدى لها بشكل جيد. وأما المؤمن الحاسد فإن تحمله يكون صعبًا ومؤلمًا، لأنه جحيم يُفرض على المؤمن في قالب مقدس، ولا يسهل عليه علاج هذا الورم السرطاني.

ابتلاء المؤمن بالمنافق

في حياة المؤمن، لا يخلو الطريق من وجود المنافقين الذين يضمرون له الحقد، ويحيكون ضده المؤامرات. فالمنافق دأبه التربّص بزلات المؤمن وعثراته، ليقتنصها كفرصة للنيل منه، وهدم سمعته بين المسلمين. يُخفي المنافق وجهه خلف قناع الدين، ويتحدّى المؤمن متظاهرًا بالورع، عسى أن يُكشَف ما في باطنه، وتظهر بصيرته على حقيقتها. والمؤمن، في تعامله مع المنافق، يتدرّب على التخلّق بصفتي الغفور والرحيم من صفات الله عز وجل. لذا، ليس له أن يطلب الراحة أو يتوق إلى السكينة، فالله قد جعل الراحة مقرونة بالآخرة، وجعل الجنّة دار النعيم.

ولا يخفى أن البلاء لا يقتصر على الفرد فحسب، بل يطال المجتمع برمّته، إذ تبقى المجتمعات عرضة لمكائد المنافقين. فهؤلاء، رغم ما يظهرونه من تدين وادّعاء الولاء، فإنهم عمليًا لا يؤمنون بالولاية، ولا بمبادئ القيادة الربّانية، ولا بمصالح الأمة. ومع ذلك، يرفعون شعار خدمة الشعب، ويتغنون بمطالبه، ويدّعون أنهم يسيرون على نهج الإمام.

ابتلاء المؤمن بالكافر

نوع آخر من الابتلاءات التي يواجهها المؤمن هو كافر يسعى جاهدًا لإخراج المؤمن من دائرة الإيمان، وجذبه إلى ملّته. وكما يحتاج الجسد إلى الميكروبات كي يقوى جهاز مناعته، فإن روح المؤمن تزداد نضجًا وقوة من خلال صبرها على أذى الكافرين وتحمّلها للشدائد. فمن كان سريع التأثر، يضيق صدره من أقل إساءة، ويثور لأبسط إيذاء، فإنه لا ينضج، ولا يرقى، ولا يبلغ القرب من الله.

إن الكافر في حقيقة الأمر، يُمهد بسلوكه ساحة الجهاد، ويخلق للمؤمن ميدانًا يرسّخ فيه إيمانه، ويعبّر عن محبته لله. وقد كان الإمام الحسين(عليه السلام) في مواجهته لأعداء الله، كالشمر ويزيد وعمر بن سعد، مثالًا لمن ارتقى إلى أسمى الدرجات، رغم قبح الظاهر من معارك وسفك دماء، فحقيقة تلك المحن كانت رفعة ونماء.

ابتلاء المؤمن بالشيطان

من أعظم ما يُبتلى به المؤمن في حياته وجود الشيطان، ذاك العدو اللدود الذي لا يكلّ ولا يملّ من السعي لإغوائه وإضلاله. فبغض الشيطان للإنسان متجذّر وعميق، حتى أنه أقسم بعزة الله أن يضلّ جميع الخلق. والشيطان لا يكتفي بالإغواء من بعيد، بل يترصّد حتى على الصراط المستقيم، ويتحين الفرصة لإسقاط من ساروا في طريق الحق، وعلى رأسهم المؤمنون.[4]  ولهذا، إذا تاب الإنسان وسلك طريق الهداية، يجد نفسه أكثر من أي وقت مضى هدفًا لهجمات الشيطان الأربع، ووساوس الأفكار السلبية.

وفي الحقيقة، لولا وجود الشيطان، لما ترسّخ إيمان المؤمن، ولا ترقّى إلى مقامات الولاية، ولا ذاق لذة المحبة، ولا اختبر صدق الجهاد والإخلاص. فغياب الشيطان يعني غياب ميدان التزكية والامتحان، ولا يبلغ أحد درجات الجنة إلا وقد خاض غمار الصراع مع نفسه ومع الشيطان. فكل من ارتقى في مراتب القرب الإلهي، إنما كان بصبره على كيد النفس الأمارة، وبثباته في وجه مكايد الشيطان.

هوى النفس

أما خامس ابتلاء يواجه المؤمن، فهو هوى نفسه، ذاك العدو القريب الملاصق الذي لا يفتأ يصارعه في كل لحظة من حياته. فطبيعة الإنسان تفرض عليه أن يظل في صراع دائم مع نفسه وشهواته. والانتصار على هوى النفس هو بوابة الدخول إلى عالم المحبة الإلهية. إذ لا مجال لتفضيل مراد الله على مراد النفس إلا بوجود هذا الصراع. فالنفس الأمارة بالسوء لا تكفُّ عن إثارة الشهوات والرغبات، وما يتبعها من رذائل كالكِبْر والرِّياء والغرور، مما يعيق سير المؤمن الروحي ويُحاول حرف مساره عن الصراط المستقيم. لكن المؤمن الفطن، يدرك أن هذه الابتلاءات ليست إلا مننًا خفيّة، ووسائل تربية إلهية، لا تهدف إلى إضعافه، بل إلى صقل روحه، ورفع درجاته.

فكلما عظُمت ساحة المجاهدة، ازداد أمله في الفوز والارتقاء، كما أن الطائرة الورقية لا تحلق عاليًا إلا حينما تشتد الريح، وموج البحر لا يمنح لراكبه متعة الركوب الحقيقي إلا إذا ارتفع وهاج. كذلك المؤمن، كلما اشتد البلاء عليه من نفسه، كان ذلك علامة على أن الله يُعدّه لأعلى المقامات وأجمل القربات.

قد يبدو للوهلة الأولى أن وقوع المؤمن في شتى أنواع الابتلاءات أمرٌ قاسٍ وظالم، غير أن الله سبحانه وتعالى جعل من مرارة الابتلاءات سببًا لتذوّق حلاوة الإيمان، وإذا لم يتعرض المؤمن للحسد، أو لم يواجه نفاق المنافقين، أو لم يتلقَّ وساوس الشيطان، أو لم يُمتحَن بكفر الكافرين، أو بصراعه الداخلي مع شهواته، فكيف كان سيختبر صدق إيمانه؟ وكيف كان سينمو ويزدهر حتى يبلغ مقامات القرب من ربه؟

إن ابتلاءات المؤمن ليست أعداءه، بل أساتذته، جاء كلٌّ منها ليوقظ في روحه صفةً ساميةً نائمة: صبرًا، أو حكمةً، أو صدقًا، أو إخلاصًا، أو بصيرة. ومع كل اجتيازٍ لميدان من ميادين الابتلاء، يتخلّص المؤمن من قشرة العادية، ويخطو خطوة نحو التخلّق بأخلاق الله، والسير في طريق التشبّه بأنواره.

وإن كنت اليوم في قلب معركةٍ من معارك النفس، أو بين شباك وساوس الشيطان، أو بين طعنات الغدر، وضغط الأعداء، فلا تنسَ أن هذه الابتلاءات دليل محبة الله لك، وعلَم من أعلام اصطفائه، ومن كان محبوبًا عند الله، فلن يكون وحده يومًا.

تحدّثنا في هذا الدرس عن ابتلاءات المؤمن، وقلنا إنه دوماً ما يواجه خمس صعوبات، وهي: مؤمن حاسد، الشيطان، الكافر، المنافق، وهوى النفس. وهذه الابتلاءات، وإن كانت شاقة، إلا أنها من أخصّ حاجات المؤمن في طريق الكمال، فإن لم يُعرَض لها، لم يُفتَح له باب الرفعة، ولم يُدرِك معنى السير إلى الله.


[1] الإمام صادق (عليه السلام): «إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل.» (الكافي، محمد بن يعقوب، ج2، ص252) (أشد الناس من حيث البلاء والمحنة هم الأنبياء، ثم الذين يتبعونهم، ثم من هو أفضل من الآخرين بالتدريج.)

[2] الإمام صادق (عليه السلام): «إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.» (الكافي، محمد بن يعقوب، ج2، ص253)

[3] النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، ونفس تنازعه، وشيطان يضله.» (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام، ج1، ص96)

[4] سورة الأعراف، الآية 16.

اكتب رأيك