ما المقصود بالحُجُب الظلمانية والنورانية؟
كم من سنواتٍ قضيناها في الصلاة دون أن نستشعر لذتها! وكم من ليالٍ سهرناها في العبادة دون أن ننال ثمارها! وكم من أعوامٍ غصنا فيها في الدراسات المعرفية والعرفانية دون أن يخفق القلب شوقًا إلى الله وعالم الغيب!
لعلّك مررتَ أنت أيضًا في مسيرتك الإنسانيّة بمثل هذه التحديات، وراودك هذا التساؤل: لماذا، رغم كل هذه العبادة الطويلة، وزياراتنا للمراقد الطاهرة، وجلوسنا بين يدي الأساتذة، وتحملنا مشاقّ الرياضات الروحيّة، لا نزال أسرى في سجن الجسد، محرومين من لذّة الاتصال بعالم الغيب؟ ولماذا هناك من يبلغ مقام الأنس بالله والملائك وأهل الملكوت، حتى تُفتح لهم أبواب السماء واحدةً تلو الأخرى؟ ما الذي يحول دون أن نبني مع الله وأهل السماء علاقةً حبّ وعشق؟ هل سبق أن سمعت عن «الحجاب الظلماني» و«الحجاب النوراني»؟
تحدّثنا في دروس سابقة، عن مفهوم الملكوت، وعرفنا أن عالم الدنيا كسائر الظواهر، له باطن وملكوت، وهو العلّة الكامنة وراء وجوده، يحيط به ويدير شؤونه. ولولا فيض الملكوت، لانطفأت الدنيا بكل ما فيها في طرفة عين، مهما بلغ اتساعها وعظمتها. هذا الملكوت، بكل تجلياته وحقائقه، يُعرف في المصطلح القرآني بـ «عالم الغيب»، عالمٌ يتعذر على الحواس الخمس إدراكه. غير أن القلب والروح، كونهما من جوهر ذلك العالم، قادرين على الاتصال به بسهولة، ومن خلال هذا الاتصال، ينعمان بأمنٍ وسكينةٍ لا توصف.
لقد قيل الكثير عن مهارات الاتصال بعالم الغيب وطرق تعزيزه، ولكن قلّ ما قيل عن العوائق التي تقف في وجه هذا الارتباط؛ في حين أن أول خطوة في مسار السلوك الإنساني والتقرّب من الله وعالم الغيب، هي فهم هذه العوائق والحجب التي تعترض الطريق.
نواجه عادةً ما في مسار تزكية النفس وبناء الجانب الروحي فينا، نوعين من الحجب: الحجاب الظلماني والحجاب النوراني. ولا سبيل للوصول إلى الله وعالم الغيب إلا بتجاوز هذه الحُجب. فما لم نتخطّها، فإن حضورنا في الدروس، ومشاركتنا في المجالس العلمية والمعرفية، وأعمالنا الصالحة، لن تثمر في تحسين جودة علاقتنا بالله وعالم الغيب، بل قد تُفضي بنا مع مرور الوقت إلى قساوة القلب وتبلّد في الإحساس الروحي.
إن كنت تطمح إلى فهم أعمق للحجاب الظلماني والحجاب النوراني، وترغب في تحسين علاقتك بالله وعالم الغيب، فتابع معنا، ففي هذا المقال، سنسلّط الضوء على هذين الحجابين، بوصفهما من أهمّ العوائق التي تعترض سبيل من يسلك درب الملكوت.
الحُجُب الظلمانية كعوائق الاتصال بعالم الغيب
تُشكِّل الحُجُب الظلمانية والنورانية حواجز بين الإنسان والله سبحانه، تمنع من رؤية الحقائق الروحية. غير أنّ تمييز الحُجُب الظلمانية غالبًا ما يكون أسهل، إذ أن الغبار الذي تُخلِّفه على القلب أكثر وضوحًا من الحُجُب النورانية. تنشأ الحُجُب الظلمانية عادةً من هجمات الشيطان من ثلاث جهات: الأمامية، الخلفية، واليسرى. الهجوم الأمامي يتمثل في قلق غير مبرر على المستقبل يزرع في النفس الخوف والتوتر، بينما الهجوم الخلفي يتجلى في استحضار أخطاء الماضي وإخفاقاته التي تعكر صفو القلب. أما الهجوم الأيسر، فهو الوساوس التي تُزِلُّ القدم عن الصراط المستقيم وتُوقِع في المعصية وارتكاب الذنوب.
وغالبًا ما تكون الذنوب هي السبب الأكبر في تلبّد القلب، وهي من أبرز مظاهر الحُجُب الظلمانية، فالذنب يظلم القلب ويغلق باب الاتصال بالله أمامنا. ومهما بذلنا من جهد وقدمنا من أعمال صالحة، فلن نستطيع أن نقيم علاقة فعالة مع الله وعالم الغيب. إذا كنت رغم دراستك للمعارف الروحية، واستماعك للمحاضرات، وأدائك للفرائض والنوافل، وما تبعه من أعمال خير، تشعر بحزن عميق أو اكتئاب داخلي، ولا تتذوق لذة العبادة، فذلك يعني أنك ارتكبت ذنبًا ما. قد تكون مشكلة بسيطة مثل سوء خلق، أو تجاهل الوالدين، أو جرح مشاعر الآخرين، أو حتى ظلم النباتات والحيوانات، أياً منها تكفي لإهدار سنوات من الجهد، وإعاقة التقدم الروحي في طريق السلوك. بشكل عام، تُقسم الذنوب إلى قسمين:
• ذنوب جسدية، تُرتكب عبر أعضاء الجسد، وتُعيق تقدم السالكين في طريق التقوى، مثل شرب الخمر، الزنا، القمار، الضرب، أكل مال حرام، الغيبة، وما شابه ذلك. ومن بين الذنوب الجسدية، لا شيء يُبطئ السير في طريق السلوك ويوقفه بقدر «اللُقمة الحرام»، لأن تناول ما هو محرّم يفتح الباب أمام ذنوب أخرى. حتى وإن كان الإنسان ملتزمًا بالأعمال الصالحة والفرائض والنوافل، أو كان من تلاميذ الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) وتحت إرشادهم، فإنه لن يكون محصّنًا من آثار لقمة الحرام السيئة.
• ذنوب قلبية، وهي أخطر وأشد ضررًا من الذنوب الجسدية، ونتائجها في الآخرة أكثر طولًا وعذابًا. ذلك لأن قلب الإنسان هو جوهر وجوده، وإذا أصابه الذنب، يصعب علاجه. لذلك، طالما ظلت صفات مثل البخل، والتكبّر، والحسد، والضغينة، وسرعة الغضب، وغيرها في القلب، فلا يمكننا أن نتوقع إقامة اتصال حقيقي ومؤثر مع عالم الغيب والله، ولا نستطيع أن نستنشق لذة العبادة. تمامًا كما لا يقوى الجسم المريض حتى تزول العدوى أو تخرج الفيروسات منه، بالرغم من تناول أفضل الأطعمة، كذلك الروح تضعف وتتألم بسبب الذنوب، فلا تذوق طعم الاتصال بالغيب حتى لو تلقت علومًا راقية من أفضل الأساتذة، أو قامت بأرقى العبادات.
الحُجب النورانيّة كعوائق الاتصال بعالَم الغيب
قد يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، ولكنّ الحواجز التي تحول بين الإنسان وعالم الغيب لا تقتصر على الذنوب والمعاصي فحسب؛ بل كثيرًا ما تكون الكمالات العقلية، والعبادات، والمظاهر المقدّسة، من أعظم تلك الحواجز، وقد تكون أخطر حتى من الذنوب نفسها! هذه الحواجز تُسمى “الحُجُب النورانية”، وهي وإن كانت مشرقة في ظاهرها، إلا أنها قد تحجب البصيرة عن الحقيقة المطلقة. من أبرز هذه الحُجب هما حجاب الكِبر والعُجب، وهو شائع للأسف بين المتديّنين، وذوي المقامات العلمية والعقلية الرفيعة. فهؤلاء، وإن ظنّوا أنّهم في علوّ وسموّ، قد وقعوا فريسة لهجوم شيطاني خفيّ وخطير يُعرف بـ الهجوم من الجانب اليمين حيث يذكِّر الإنسان بكمالاته حتى يقع في فخِّ الذاتية، فيرى نفسه صانعًا لتلك الكمالات، بل وقد يطالب الله بها! هنا، تتحول النعمة إلى نقمة، ويصبح التكبُّر حاجزًا يفصل الإنسان عن الغيب، رغم قداسة ما يفعله.
ليس كلّ عمل مقدّس عملًا صالحًا. فالصلاح الحقيقيّ يُقاس بقدرته على تهذيب النفس، وبنائه للإنسان من الداخل، ودفعه في طريق النموّ الروحي. وأولى خطوات هذا النموّ هو توسعة الوعاء الوجودي. فكما لا يمكن أن نملأ إناءً صغيرًا بلترين من الماء، لا يمكننا أيضًا أن نتحمّل فيوضات روحيّة وعقليّة من دون أن نمتلك القابلية اللازمة لها. إنّ لم نُهَيّئ أنفسنا داخليًّا، فإن أنوار العلم، وقيام الليل، والحج، والزيارات، يمكن أن تحوّل نور ذلك الكمال إلى نار ،وتُبعدنا شيئًا فشيئًا عن الله، وغاية الخَلق، والأنبياء والأئمة والملائكة، بل وعن عالم الغيب والملكوت كلّه. وهذا ليس مجرد افتراض؛ هذا ما وقع فيه بعض من فضَّلوا الكراسي العلمية على جبهات الجهاد في فترات الجهاد والقتال ضد الأعداء، ظنًّا منهم أن العلم أولى. الشيطان في “هجومه من اليمين” لا يُسقط الإنسان في الحرام بل يعمل بدهاءٍ، فيخلط الأولويات، ويجعلنا نختار “الجيد” على حساب “الأفضل”وهكذا يُضلّه عن الطريق دون أن يُدرك!
في هذه المقالة، تناولنا أهم عوائق الاتصال بالغيب: الحُجُب الظلمانية (الذنوب والرذائل) والنورانية (الكمالات غير المُعدَّة لها النفس). وأوضحنا أن الحرام ليس وحده ما يحجبنا، بل حتى الأفعال المقدسة قد تُصبح أدوات تدميرٍ روحيٍّ إذا لم تُؤدّ بوعيٍ. فكّر مليًّا في مسيرتك الإنسانية، ما هي الحُجب التي واجهتها أكثر؟ هل وقفت يومًا أمام حجاب ظلمانيّ؟ أو سقطت في فَخّ حجاب نورانيّ؟ هل لديك أمثلة أخرى على هذه الحُجب؟ اكتب لنا، وشارِكنا تجربتك.