عدم معرفة النفس، أصل كل المشاكل النفسية وعدم الرضا

جدول المحتويات
كيف تؤثر معرفة النفس على إحساسنا بالسعادة؟

إهمال معرفة النفس هي أكبر عقبة أمام السعادة

  • كم واحد منا يعرف ذاته الحقيقية ويتواصل معها؟
  • من منا يعرف الكنه الحقيقي لمعرفة النفس؟
  • كم نقضي من الوقت مخصصا في التفكير في هذه المعرفة؟
  • وكم من مشاكلنا نعتبرها مرتبطة بعدم المعرفة الكافية لأنفسنا؟

إنها لحقيقة أن صراعاتنا وقلقنا ينبعان من جهلنا بأنفسنا الحقيقية. بسبب هذا الجهل فإن كل محاولاتنا لتحسين حياتنا وحياة من حولنا تذهب سدى و لو كانت هذه المساعي ذات طابع ديني و خيّر. على الرغم من أنه قد يبدو غريبًا، و لكن اذا القينا نظرة و فحصنا أسلوب حياتنا، فسوف نلاحظ أننا لا نوفر مساحة كافية لأنفسنا الحقيقية في روتيننا اليومي، و هذا هو سبب كل ما نواجهه من مصاعب ومشاكل في الحصول على السلام والسعادة والحب في الحياة.

في هذا المقال، سوف نذكر بإيجاز المشاكل الرئيسية الناتجة عن نقص معرفة النفس، مع الأخذ في عين الاعتبار أن ضرر نقص هذه المعرفة تفوق هذه القائمة بكثير. فنحن جميعا قد تذوقنا طعم هذه الأضرار و ما زلنا نعاني منها في حياتنا. ربما لديك أنت الكثير من الأمثلة في حياتك وحياة من حولك.

اختيارات خاطئة

يكمن جوهر الأمر في معرفة ما إذا كانت “الذات الحقيقية” أو “الذات الزائفة” هي القوة الدافعة وراء اتخاذنا لقراراتنا. عندما نسمح للذات الزائفة بتولي زمام الأمور، فإننا نخاطر بتبديد إمكاناتنا وارتكاب أخطاء في جوانب مختلفة من حياتنا.

على سبيل المثال قد يقع المرء في حب شخص ما، ولكن بعد الزواج، تتلاشى العاطفة. وبالمثل، قد يكرس المرء سنوات من حياته لمتابعة مجال أكاديمي معين، ولكن بعد التخرج و اكتساب المهارة في هذا المجال، يدرك أنه لا يرضيه. أو ربما يتوق المرء للانتقال إلى أرض أجنبية، فقط ليندم لاحقًا على هذا القرار. ما الذي يفسر هذه الهواجس؟ هل هذا الاستياء من الخيارات والظروف الماضية جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، أم أن هناك سببًا كامنًا أعمق؟

إذا تمكنا من الوصول الى تعريف حقيقي دقيق وثابت لأنفسنا الحقيقية، واستخدمنا ذلك كأساس لاتخاذ قراراتنا، فسنكون قادرين على إيجاد الرضا في أفعالنا و اختياراتنا السابقة. و لكن نحن لدينا نقص في معرفة النفس ويخضع تعريفنا لذواتنا للعديد من التغييرات باستمرار، ونفتقر إلى الفهم العميق لذواتنا الأصيلة ومتطلباتها. كلنا نحب أنفسنا بالفطرة و نريد ان نفعل الخير لأنفسنا، و لكن بما ان محاولاتنا تركز على انفسنا الزائفة لذلك فإنها محكوم عليها بالفشل.

تحدثنا عن معنى “النفس الحقيقية” واختلافها عن “النفس الزائفة” في مقالة “ما هي معرفة النفس؟” و شرحنا هناك أن النفس الحقيقية تتجاوز السمات أو القدرات المتأصلة لدى المرء، بل إنها مفهوم مستقل و مشترك في كل واحد منا.

عبادة بلا جذور

بالرغم من كثرة الدعاء والعبادة لا يصل معظمنا إلى السعادة والسلام اللذين وعدهما القرآن لنا، بل إننا نجلس للعبادة مع أنفسنا الزائفة وليس مع أنفسنا الحقيقية! توجد في أنفسنا أقسام مختلفة و لكل قسم وظيفته المختصة به ويتم تحديد بنية كل قسم بناءً على نفس المهمة. إن مدى الاهتمام الذي نوليه لكل قسم من الاقسام نتيجة معرفة الإنسان لنفسه، فإذا كانت هذه المعرفة خاطئة فلن يؤدي أي فعل من أفعالنا الى نتيجة صحيحة. و تكون نتيجة أفعاله على سبيل المثال كطفل يقفز من ارتفاع عال بسبب خوفه من قطة.

هذا بالضبط هو الوضع في صلتنا مع کل ظواهر الحياة منها شؤوننا الدينية، علاقة مبنية على معرفة ناقصة. فترانا على سبيل المثال بعد سنوات من العبادة ما زلنا مترددين في صلاتنا، نؤدي الشعائر الدينية دون معرفة الغرض منها: نصوم و ليس لنا إلا الجوع و العطش منه، نساعد الآخرين و نقوم بالأعمال الخيرية و لا نرى تأثير ذلك في حياتنا.  وللأسف فهو أسوأ وأكثر تعقيدًا في الأمور الفكرية أو الاجتماعية أو العائلية. و إذا لم تقترن ممارساتنا الدينية بالمعرفة، فسوف يؤدي هذا إلى إهمالنا لأنفسنا الحقيقية ونسيانها، و نؤدي طقوسنا الدينية بدافع العادة دون أن نشهد أي تطور روحي. وفي الواقع، كل أعمالنا، حتى الأعمال الصالحة التي نقوم بها بحسن نية، هي مثل أزهار مقطوفة جميلة تتلاشى بسرعة لأنها تفتقر إلى الجذور التي تحافظ على هذه الزهور وتضمن بقاءها وهي معرفة النفس.

إذا كنا لا نعرف أنفسنا الحقيقية، فلن نصل الى السعادة و السلام حتى لو كنا علماء و مجتهد و علّامة، ذلك لأن العلم الذي لا يكون ثمرة لمعرفة النفس ليس سوى بعض المعلومات والمصطلحات العقلية التي لا قيمة لها والتي تخلق وهم الحكمة.

التعلم الجاهل

بشكل عام، نحن لدينا إجابات للعديد من الأسئلة العلمية المعقدة لأن معظمنا يقضي سنوات في الكليات والجامعات والمختبرات لنشر المقالات وكتابة الكتب وإنشاء واستكشاف أشياء مختلفة ولا نعرف الإجابات المباشرة على الأسئلة المتعلقة بأنفسنا، ولا نعرف من نحن أو من أين أتينا، ولا نهتم حتى بهذه المعرفة.

كل هذه التناقضات من جراء أن الجانب من كياننا الذي يتعلم الأشياء ليس هو “نفسنا الحقيقية”، بل هي “نفسنا الزائفة”، لهذا السبب، فإن التعليم والتقدم العلمي بدون معرفة النفس لا يجلبان النقاء الداخلي للإنسان، بل يتسببان به في الشعور بالقلق والتكبر، يكون التعلم بدون معرفة النفس بمثابة حجاب سميك يغطي أعيننا ولا يسمح لنا برؤية الحقائق الواضحة.

نفاد الصبر

السبب الجذري لنفاد الصبر عند مواجهة الصعوبات هو الضعف في معرفة النفس. في الواقع فإن تحديات الحياة لا تقوم بالضغط على “أنفسنا الحقيقية”، بل إن “أنفسنا الزائفة” هي التي تخضع لهذه الضغوط. كلما تعرضت أنفسنا الزائفة لضغوطات الحياة، حلّقت و نضجت أنفسنا الحقيقية. لكننا غير قادرين على فصل هذين الجزأين لأننا لا نعرف أبعاد وجودنا بصورة صحيحة.

عدم الرغبة في الحياة الأبدية

عندما نسمع عن وصف جمال منطقة معينة من الكرة الارضية نشعر برغبة عارمة للذهاب لرؤيتها و الاستمتاع بها. ولكن عندما نقرأ وصف نعيم الجنة و بركاتها في القرآن فإننا غالبا نفتقر الى نفس الحماس و الرغبة في الوصول إليها، بينما نحن نعلم جميعا أنّ جمال هذا العالم مقارنة بالجنة هو كرسمة طفل. و هنا قد نسأل أنفسنا: فلماذا لا تشتاق  ارواحنا إلى الجنة؟ يعود السبب إلى أنّنا وعلى الرغم من إيماننا بالحياة بعد الموت، لم يترسخ هذا في قلوبنا جيدا، نحن لا نؤمن حقّا أنّنا مخلوقات خالدة، لأنّ إيماننا بطبيعتنا الأبدية مقيَّد بالنفس الزائفة لدينا، فتحصر أنفسنا الحقيقية في حدود هذا العالم الأرضي. وحتى نتمكن من إخضاع غرورنا والسماح لأنفسنا الحقيقية بالانتصار، ستظل رغباتنا تافهة وغير ناضجة.

عدم استقرار الشخصية

يتم تحديد قيمة كل شخص من خلال رغباته وطموحاته. البعض منا يساوي ثمن هاتف محمول باهظ الثمن أو سيارة فاخرة، والبعض منا ثمنه درجة طبيب، بينما يتمتع البعض الآخر بقيمة لانهائية لا تُحصى. كل ذلك يعود إلى كيفية تعريفنا لأنفسنا.

ترتبط قيمة الفرد ارتباطا وثيقا بكيفية تعريفه لنفسه. فكل من يفشل في التعرف على قيمته الذاتية سوف يعاني من عدم الاستقرار في شخصيته ويستمر سعره في الصعود والهبوط مثل سعر العملات في الأسواق.

 الهروب من الذات

  • كم يمكنك تحمل البقاء بمفردك؟
  • كيف تقضي الساعة التي تكون فيها بمفردك؟
  • وما هي الأفكار التي تدور في بالك عندها؟

معظمنا لا يملك الشجاعة لمواجهة نفسه، نحن نخشى البقاء بمفردنا مع “أنفسنا” و حتى من أن يتم تذكيرنا بذلك من قبل شخص آخر. لهذا السبب بمجرد ان نكون بمفردنا، نحاول أن نشغل أنفسنا بالتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة والكتب. وحتى لو لم نقض الوقت في هذه الأشياء، فسنجلس ونفكر في إخفاقاتنا السابقة أو مشاكلنا المستقبلية. الشخص الذي لا يستطيع أن يكون وحيدًا مع حقيقته ويهرب باستمرار من “نفسه الحقيقية” يظل طفلًا حتى لو كان يبلغ من العمر سبعين عامًا.

کل ما تقدم كان مجرد جزء صغير من آلاف المشاكل والأضرار الناجمة عن نقص معرفة النفس. يمكنك بالتأكيد إضافة العديد من الاضرار الأخرى لهذه القائمة. الحقيقة هي أنه لا يوجد سبيل لتحقيق السعادة الأبدية غير أن نقضي وقتا كافيا للتعرف على أنفسنا الحقيقية و بنائها و تحسينها قبل أن نقوم بأي خطوة.

اكتب رأيك