النعم المادية والكمالات المحدودة: ميدان لابتلاءات الإلهية
إنّ لله تعالى سُننًا متعددة ثابتة في تدبير هذا الكون الواسع، ومن أعظمها “سُنّة الابتلاء“، تلك السنّة التي شاء الله من خلالها أن يمتحن عباده في دار الدنيا على اختلاف أحوالهم وأقدارهم. فليس في هذا العالم أحدٌ خارجٌ عن دائرة الامتحان، بل لا بدّ أن يتذوق الجميع طعم الاختبار، وإن اختلفت صوره وألوانه. يشبه هذا الأمر حال الطلاب في مسيرتهم التعليمية، حيث يتعين على الجميع خوض الامتحانات في نهاية المطاف دون استثناء، ولكن قد يمتحن أحدهم اليوم، والآخر غدًا، والثالث الأسبوع المقبل. علاوة على ذلك، قد يمتحن طالب في الرياضيات، وآخر في الفيزياء، وثالث في الأدب، ورابع في الجغرافيا، وهكذا تتنوع المواد.
هكذا صُمّمت الحياة الدنيا أيضاً: نظامٌ دائم التقييم، لا يغفل لحظة عن رصدنا ووزننا بميزان الحقّ. وقد يأتي هذا الامتحان على هيئة شِدّة، أو مرض، أو فقر، أو فقد، وقد يأتي أيضًا في صورة نعمة: مال وفير، جمال ظاهر، سلطة، شهرة، أو جاه. ففي بعض الأحيان، نُبتلى بما يملكه الآخرون من نعم، فتنقدح في النفس جذوة الحسد أو غريزة التنافس، وهنا يُختبَر مدى صفاء القلب وثباته. وفي أحيان أخرى، يُرزق الإنسان مالًا كثيرًا، ثم يُبتلى بفقده، ليُرى: هل سيتبدّل سلوكه؟ وهل يفقد اتزانه؟ أم سيتغيّر تعامله مع الناس؟ ما نودّ تسليط الضوء عليه في هذا المقال، هو واحدٌ من أعظم ميادين الابتلاء: كيف يختبرنا الله من خلال النعم المادية والكمالات المحدودة في الدنيا؟ وكيف ننجح في هذا الامتحان الذي قد يبدو خفيًا لكنه من أدقّ اختبارات الحياة؟
حقيقة وجود الإنسان في صراع دائم مع الدنيا ونِعَمها المادية
تعلمنا من دروسنا السابقة أن امتلاكنا للجانب ما وراء العقلي يجعلنا بطبيعتنا نميل إلى طلب ما لا نهاية له، فلا يمكن للأمور الزائلة والمحدودة أن تشبعنا. ففطرتنا التي تتوق إلى الكمال المطلق لا تحتمل التخلّف أو الإهانة، وتضيق ذرعًا بالضعف والعجز والقيود والرفض. لذا، فإننا نرغب في كل نعمة مادية أو كمال دنيوي—من قوة وثروة وحياة وراحة وعلم وجمال—أن تكون بغير حدود. ولهذا نشعر دائمًا بالحاجة، ونعيش حالة من القلق والانقباض كلما فقدنا شيئًا منها.
لا أحد على وجه هذه الأرض يمكنه أن يتصالح مع ثقافة الدنيا المحدودة؛ حتى رئيس الولايات المتحدة، وصدام، وهتلر، ومعاوية، ويزيد، جميعهم سعوا نحو حقيقة مطلقة، وحياة أرقى، ومتعة أعمق، وتحرّر من القيود، ونيل كمالٍ لا متناهٍ. والكثير من الحروب، والنزاعات، والضغوط، وسفك الدماء، إنما نتجت عن هذه الرغبة في اللانهائية في مواجهة عالم محدود الإمكانيات. نحن البشر، جميعًا، قد تذوّقنا طَعم اللانهاية من قبل، وها نحن اليوم في ضيق مؤقّت داخل هذه الدنيا، ولن نجد سكينةً أو قرارًا حتى نعود إلى أصلنا ووطننا الحقيقي، لأن الدنيا دار نقصٍ وضعف، ولا يمكن لها أن تُرضي فطرتنا الراغبة إلى الكمال.
زد على ذلك، أن الدنيا دار تغيّر وفقدان؛ فكل نعمة نحصل عليها فيها، يرافقها دومًا قلق دفين. فإذا كان لنا شريك حياة طيب، نعيش قلق فراقه في أي لحظة. وسائر النِّعَم كالأبناء، والصحة، والمنزل، والعمل، والمقام، والشباب، والجمال، والبهجة، جميعها دوماً معرّضة للفقدان.
إن وجودنا الأبدي، الذي يتوق بطبيعته إلى اللانهاية، لا يعرف السكينة إلا في ظل الحياة الخالدة والوصال بالمحبوب الحقيقي؛ أي الله، الكمال المطلق واللانهائي. كم من أناس بلغوا ذروة النعم الدنيوية، و امتلكوا مظاهر القوة، و الثروة، و الجمال، والعلم، ومع ذلك انتهى بهم المطاف إلى الفراغ، بل أقدم بعضهم على الانتحار! لأن ما أودعه الله في أعماقهم لا يُروى بهذه الأشياء المحدودة، ولا يُشبع بتلك الكمالات الزائفة.
كثيرًا ما نجهل ما تريده أرواحنا حقًا، ونضلّ الطريق بحثًا عن الطمأنينة في أوهام مادية وجمادية. فنظن مثلًا أن تحصيل العلم وبلوغ أعلى الشهادات هو غاية الروح، لكننا نُفاجأ بأن كل درجة نصلها تتركنا أكثر عطشًا، لا أكثر رضًا. ولا شك أنك، إلى هذه اللحظة، بدأت تدرك السبب الحقيقي لتلك الضغوط والتناقضات التي تلازمنا كلما واجهت كمالات الدنيا ونعيمها الزائل.
نِعَم الدنيا وكمالاتها المحدودة؛ أدواتٌ لنموّ ما وراء العقل
إنّ الدنيا محدودة ولا بقاء لنِعَمها وكمالاتها، ولهذا لا يمكن أن تُرضي ميل الإنسان الفطري للكمال المطلق. فملذّات الدنيا، مهما بلغت، لا تنفكّ عن منغّصاتٍ ومصائب وضعفٍ ومرضٍ ومشاكل. بل ما يزيد من اضطراب هذه النعم هو أنها لا تخضع لقانون توقيتٍ دقيق؛ وليس بإمكاننا أن نعلم متى تنتهي اللذة ولا متى يقع البلاء. ولكن، ما الحكمة من هذه التناقضات والضغوط؟ وهل لهذه الأزمات دور في بلوغنا هدفَ الخلق الذي وُجدنا من أجله؟
الحقيقة أن الدنيا تُشبه نادياً رياضياً هائلًا، وكأن نِعَمُها ومصائبُها شركاء تدريبٍ أرسلهم الله للإنسان ليقوّوا روحه وماوراء العقل. تمامًا كما يتحمّل الرياضي مشقّاتٍ مدروسة وفق برنامج مدربه، ليتهيّأ شيئًا فشيئًا ويصبح شبيهًا به في القوة والانضباط.
كل ما يحدث في هذه الدنيا، من فقر أو غنى، جهل أو علم، أخلاق أو فساد، ليس عبثًا، بل هو جزء من مسارنا نحو النمو والرقي الإنساني. فالحياة الدنيا، بما فيها من قيود وآلام ولذّات، ليست سوى ساحة امتحان تكشف فيها عن معدن شخصيتنا. لا شيء في الدنيا نهائي أو جدي، فالحروب، والنزاعات، والانتصارات، والخسائر، والثروات، والفقر، كلّها وسائل تساعدنا على النمو، وكلما أحسنا الاختيار، اقتربنا من الله أكثر فأكثر.
الدنيا هي ميدان امتحاننا. يمتحننا الله مرارًا، في ظروف متنوّعة، حتى نكتسب صفاته ونصبح أقرب إليه في أسمائه. ومن يدرك هذه الحقيقة، ويتأمل الدنيا على أنها عالم دائم التقلّب والتحوّل، لا يعلّق قلبه بها. وعندها، لن تعود النعم المادية أو الكمالات الجسدية أو النباتية أو الحيوانية أو العقلية سببًا للقلق أو الغرور، ولن يهمّ إن كنا فقراء أو أغنياء، جميلين أو لا، متزوجين أو عازبين، لدينا أولاد أو لا. سنبقى في طمأنينة وسعادة، لأننا نعلم أن الدنيا مجرد أيام قليلة، نغادرها سريعًا إلى الحياة الأبدية لنلتقي بمحبوبنا الحقيقي.
أما في الآخرة، فإن جميع مظاهر الدنيا تفقد معناها، فما كنا عليه، وما كانت مكانتنا أو رتبتنا، لن يمنحنا قيمة هناك. بل الأعجب من ذلك، أن ما يُعدّ عذابًا أو شدة أو بلاءً في الدنيا، سواء كان بسببنا أو بفعل القضاء والقدر، يُعدّ من رصيدنا الأخروي وثروتنا الحقيقية، وسنعوّض عنه في الآخرة بما هو أعظم وأدوم.
في هذه المقالة تحدّثنا عن التناقضات والصراعات التي تعانيها أرواحنا التي تميل إلى اللانهاية، عند مواجهتها لقيود هذا العالم ومحدودية إمكاناته. وقلنا إن الضغوط والمشاق التي نواجهها في طريقنا نحو نيل نِعَم الدنيا المادية و كمالاتها المحدودة، ما هي إلا من أعظم الابتلاءات والاختبارات الإلهية، التي تنتهي برحيلنا عن هذه الدنيا. إذن، لا سبيل لنا سوى الاستفادة من هذه الامتحانات في سبيل ارتقاء أرواحنا وتحقيق الغاية من وجودنا.
ما هو أصعب امتحان واجهك الله به في حياتك، أو الذي تمرّ به الآن؟ وكيف تعاملت معه؟ شاركنا تجربتك.