جذور الكسل والضجر؛ كيف ننتقل من الهروب من المسؤولية إلى التوجّه نحو الكمال؟
تصوَّر رجلًا يعلم أنّ إطار سيارته قد اهترأ، ومع ذلك يؤجّل تبديله إلى غد، ثم إلى ما بعد غد. إنّه يعلم خطر السير بهذا الإطار، لكنّ المسافة بين «العلم» و«الفعل» قد تكلّفه عطلًا في السيارة، أو حادثًا، أو ضررًا به أو بغيره. أو خذ مثال رجلٍ يبدأ ممارسة الرياضة حفاظًا على صحّته، ثمّ يتركها بعد أيّام قليلة. هنا لا تكمن المشكلة في أنّه لا يملك برنامجًا رياضيًّا فحسب، بل في عجزه الأعمق عن المواظبة على أمرٍ يعلم هو نفسه مدى ضرورته له.
ولا يقتصر هذا التناقض بين ما نعلمه وما نفعله على موقفٍ بعينه، بل يتسلّل إلى تفاصيل حياتنا كلّها. قد نعرف ما ينبغي أن نفعله في مسؤولياتنا العائلية، أو في عملنا ودراستنا، أو في عبادتنا، ومع ذلك نؤجّله أو نبدأه ثمّ نفقد الرغبة في إتمامه. بل قد يظهر الأمر في أبسط شؤون الحياة؛ فنؤجّل ما نحتاج إلى إنجازه، أو نبدأ أمرًا نعرف أهميّته ثمّ نتركه قبل أن يكتمل. وهنا يظهر الفرق بين صورتين متقاربتين في الظاهر، لكنّهما مختلفتان في الحقيقة: أن لا نبدأ أصلًا، وهذا كسل، وأن نبدأ ثمّ نعجز عن الاستمرار، وهذا ضجر. وفي كلتا الحالتين، تتبدّد طاقات الإنسان الوجودية سدى.
وإذا تحوّل هذا الحال في حياة الفرد إلى عادةٍ راسخة، فإنّه لا يعود يسير في طريق النموّ والكمال؛ لأنّ النموّ لا يتوقّف على امتلاك الموهبة أو معرفة الطريق فحسب، بل يحتاج إلى حركةٍ منتظمة، وصبرٍ على المشاقّ، ومواظبةٍ على العمل.
في هذا السياق، يُعدّ «الصبر» من الصفات الأساسية اللازمة لبناء شخصية الإنسان. فالإنسان، لكي يبلغ الكمال، يحتاج إلى أن يميّز بين رغبات النفس العارضة وبين غايته العظمى، وأن يتحمّل، في سبيل بلوغ تلك الغاية، مشاقّ قصيرة الأمد. أمّا الكسل والضجر، في المقابل، فيوقفان الإنسان عن مواصلة الطريق. ومن هنا، فالمسألة ليست مجرّد ضعفٍ سلوكيّ عابر، بل ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمفهوم المسؤولية، وبنظرة الإنسان إلى المستقبل، وإلى الأبدية، وإلى القدرات الكامنة في داخله.
الكسل والضجر؛ اختلالان في علاقة الإنسان بالعمل
قال الإمام الباقر عليه السلام، في روايةٍ أوردها ابن شعبة الحرّاني في كتابه تحف العقول: «إيّاك والكسل والضجر؛ فإنّهما مفتاح كلّ شرّ»[1]؛ وتدلّ هذه الرواية على أنّ الكسل والضجر ليسا نقصين طفيفين في السلوك فحسب، بل يمثّلان منبعًا لكثيرٍ من المشكلات التي تعترض حياة الإنسان، ومدخلًا إلى جملةٍ من وجوه الخلل في علاقته بالفعل والعمل.
ولأجل فهم الأمر جيّدًا، لا بدّ من معرفة الفرق بينهما: فالشخص «الكسول» هو من يخشى بدءَ العمل والمواجهةَ مع نفسه، لا يطيق تحمّلَ مشاقّ الطريق، فيحجّج دائمًا أو يلقي المسؤوليات على عواتق الآخرين. قد يعرف أيّ العمل الصواب، لكنّه لا إرادةَ عنده لأدائه. وهذا النقصُ ناشئ عن ضعفٍ في القناعة والمعرفة.
أمّا الشخص «الضّجر» فهو أبعد في المسار؛ إذ عنده جرأةُ البدء، لكنّه بسبب قِلّة البصيرة وضعفِ الرؤية لا يستطيع متابعةَ العمل حتى نهايته. فيبدأ الرياضة ثمّ يدعها قبل إتمامها، أو يتزوّج لكنّه يقصّر في مسؤولياته العائلية، أو يبدأ العبادة لكنّه لا يتابع عمقَها وأثرَها.
فالفارق الجوهريّ أنّ الكسلَ يمنع البدء، والضجرَ يمنع الاستمرار. وكلاهما ينتهي إلى نتيجةٍ واحدة: أنّ الإنسان لا يستطيع تحويلَ طاقاته إلى عمل. وأمّا «الصبر» هنا فهو تلك الطاقة التي تساعد الإنسان على تحمّل مشاقّ الطريق حتى يتمّ العمل، لا أن يتحمّل عبثًا بلا هدف.
ومن هذا المنظور، لا يتحقّق نموّ الإنسان بمجرد أداء عمل، بل يتحقّق بـ«التغيير» الذي يجري في أثناء ذلك العمل. فإذا كانت العبادة أو الدراسة أو العمل عندنا مجرّد أداءٍ للتكليف، فلن نحصل إلّا على عملٍ متكرّر. وحينئذٍ نكون ظاهريًّا في حال الفعل، لكنّنا في باطننا لا نتحرّك نحو الكمال.

الجذور الوجودية والمعرفية
أوّل جذور هذه المسألة هو «ميلُ النفس إلى الراحة». فالنفس بطبيعتها تحبّ الراحة، وتهرب من المشقّة والمواظبة. فإن لم نضبط هذا الميل بالوعي والإرادة، فضّلنا دائمًا الأعمالَ السهلة الخاوية على الأعمال الشاقّة النفيسة. فقد نبذل جهدًا كبيرًا في كسب المال أو بلوغ مكانةٍ دنيوية اجتماعية، لكنّنا لا نبذل أيّ جهدٍ في نموّنا الأخلاقيّ والروحيّ الذي يمتدّ إلى الحياة الأبدية.
ولا يتناسب هذا التصرف مع بنية الإنسان الوجودية؛ فإنّ الإنسان لم يُخلق لأشياء صغيرة محدودة، لأنّ الله نفخ فيه من روحه. والقرآن يصف مقام أهل الجنة فيقول: ﴿وإذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾[2]؛ ومع ذلك، فإذا غفلنا عن الأبدية، صرفنا كلّ طاقاتنا في أمورٍ دنيوية عابرة، ولم نضع طاقةً كافيةً للهدف الذي يستحقّ حقًّا. والمشكلة الجوهرية أنّنا لا نفرّق بين قيمة الأعمال المختلفة. فقد نضع لوظائفنا الدنيا برنامجًا دقيقًا، لكنّنا لا نضع أيّ برنامجٍ لتربية أنفسنا أو إصلاح علاقتنا بأسرنا. وليس هذا مجرّد قِلّة وقت، بل هو عجزٌ عن تمييز الأولويات. ومن كان همه اليومَ دون نظرٍ إلى الآخرة، فضّل دائمًا أسهلَ الخيارات وأقربَها. كما أنّ ضعف القناعة والتفكير يجعل الإنسان يتراجع عند أوّل عائق. فمثل هذا يرى العبادةَ والمحبّةَ العائلية عمليّتين منفصلتين لا رابطَ بينهما. وإن لم ينظر إلى أثر العمل في أخلاقه وسلوكه، واقتصر على ظاهره، تحوّلت العبادة عنده إلى عادةٍ متكرّرة لا أثر لها.
الكسل والضجر في علاقتهما بالشيطان وترك الإنسان لنفسه
في هذا المنظور، يستغلّ الشيطان كلّ فرصة، ومن مداخله أن يُلقي في الإنسان حالةً من الفتور والكسل. ولا يعني ذلك أنّنا كلّما تعبنا نقول: العيبُ على الشيطان؛ بل يعني ألّا نسمح للفتور أن يكون حُجّةً على الفرار من المسؤولية. فإذا عزم الشخص على عمل، ثمّ أوقفه عند كلّ حُجّة من تعبٍ أو كسل، ضعفت إرادته تدريجيًّا مع الزمن. قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في وصف بعض من سخط الله عليهم: «رَجُلٌ وَكَلَهُ اللّهُ إِلَى نَفْسِهِ»[3]؛ فإذا ابتعد الإنسان عن المسار التربويّ الذي حدّده الله، وفرّ من مسؤولياته، فقد حرَم نفسه من الهداية الإلهية في الحقيقة. إنّ الكسل والضجر ليسا مجرّد شعورٍ سيّئ، بل هما دليلٌ على أنّ الإنسان لا يقبل معادلةَ النموّ. فالإنسان لا يُبنى إلّا بالتدريب والاستمرار وتحمّل المشاقّ. لذا فإنّ الفرارَ من العمل فرارٌ من «البناء» نفسه.
آثار فردية وعائلية واجتماعية
إنّ المشكلات الناجمة عن الكسل لا تخصّ صاحبها وحده؛ فنحن نعيش في مجتمع، وأعمالنا تؤثر في الآخرين. فمن قصّر في توفير احتياجات أسرته، لم يؤذِ نفسه فقط، بل أخلّ بأمنها وطمأنينتها. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَلعونٌ مَلعونٌ مَن ضَيَّعَ مَن يَعُولُ»[4]؛ من أهمل من يعول فقد أبعد عن رحمة الله. وليست هذه المسؤولية مجرّد كسب المال، بل تشمل توفيرَ المحبّة والأخلاق والحاجات الروحية للأسرة.
إنّ الزواج ليس نهاية الطريق، بل هو بداية التزامات. فإذا قصّر أحدٌ في الإحسان، أو في تربية الأولاد، أو في العناية العاطفية بزوجته، فقد أضعف رابطةَ الأسرة. وحتى الأشياء الصغيرة كاختيار لون الثوب، والطيب، والنظافة، مهمّة. وفي سيرة أهل البيت عليهم السلام نلحظ العنايةَ بالجمال وبذوق العائلة؛ فنقل أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان يعتني بذوق زوجته، فيلبس الثياب الملوّنة. وإهمالُ هذه التفاصيل يدلّ على ضعف روح المسؤولية في العلاقات.
وعلى مستوى المجتمع، من لا يؤدّي واجباته تتراكم عليه الأعمال. ومن الواضح أنّه لو كان الجميع كسالى، لما بلغ أيّ مجتمعٍ رشدًا. ولا بدّ أن ننتبه إلى أنّ الكسل ليس دائمًا قصورًا في الإرادة. فقد يكون الجسدُ مصابًا بعِلّة. فالأنيميا، أو نقص الزنك، أو أمراض الغدّة الدرقية قد تسبّب فتورًا شديدًا. وفي مثل هذه الحالات، لا يصحّ أن نقول لصاحبه: إنّك عديمُ الإرادة أو غيرُ ملتزم.
فلا بدّ من تشخيص الأصل. فإن كان السبب جسميًّا، عولج بالفحص الطبّي والعلاج المناسب، أو بإصلاح النظام الغذائيّ. وإن كان قولُنا إنّ الجسد والروح منفصلان غير صحيح، لكنّ كلّ فتورٍ ليس سببُه ضعفَ الإرادة. والتشخيصُ الصحيح أوّل خطوةٍ نحو العلاج.
الكسل والضجر في مسار الأبدية
لا يُقطع طريق الأبدية بأعمالٍ متفرّقة غير منظّمة. إنّ الدنيا موضعُ بلوغ القلب السليم، ولا يُنال هذا الجوهرة النفيسة إلّا عبر التناقضات والنزاعات، والصبر على المشكلات، والعبور من المشاقّ. فإن لم نفهم ذلك، بقينا مشغولين بأعمالٍ عابرة، وغفلنا عن غايتنا الكبرى. فالكسل والضجر سلسلةٌ مدمّرة: تُبعدنا أوّلًا عن طاقاتنا، ثمّ تُدخل المشكلات على الأسرة والمجتمع، وأخيرًا تمنعنا من بلوغ الغاية الكبرى للحياة. وللمواجهة مع هذا الداء، لا بدّ أن نُغيّر نظرنا إلى الزمن والعمر. إنّ الحياة تخرج من حالة التوقّف عندما يتحوّل «العلم» إلى «عزم»، والعزم إلى «عملٍ مستمرّ».
ومن الطرق التي ذُكرت في كلام العلماء لمقاومة هذا الداء:
١. المسؤولية الشجاعة: لا بدّ أن نعرف الأعمال الصواب، ونبدأ بها رغم المشقّة. وليست الغاية إلغاءَ الراحة والترفّه، بل منع «طلب الراحة المفرط».
٢. إدخال النظام في الأعمال: أحيانًا يجتهد الشخص لكنّه لا يبلغ نتيجةً لأنّه لا برنامجَ له. فالعملُ القليل المستمرّ خيرٌ من الجهد الحماسيّ العابر. وكما قيل: «اعملوا قليلًا تنعّموا كثيرًا»[5]؛ اعملوا قليلًا لكنّ بديمومةٍ حتى تنالوا نفعًا كثيرًا.
٣. الاهتمام بجودة العمل: ليست الغاية مجرّد إنجاز العمل ثمّ ينتهي الأمر؛ بل لا بدّ أن نرى إلى أيّ مدى غيّرنا هذا العمل. فإن لم تُحدث العبادة أو مسؤوليّتنا تغييرًا في أخلاقنا، فلا بدّ من مراجعة طريقتنا.
٤. التذكير الواعي وإبداء العهود: نعاهد أنفسنا على الأعمال الحميدة. فالنذر أو العهد، إن كان صادقًا، يساعد الإنسان على مقاومة الكسل.
٥. الاستعانة بالله: في اللحظات التي نقصُ فيها فعلًا، نستعين بالله وملائكتنا. وهذا الطلب لا يغني عن العمل، بل يمنحنا طاقةَ البدء.
[1] تُحَفُ العُقول: 295.
[2] سورة الإنسان: آية76
[3] نهج البلاغة: الخطبة 17، يُنظر تمام الكلام.
[4]بحار الأنوار: ج 13، ص 62.
[5] تنبيه الخواطر: ج 2، ص 183.