تصنيف القلوب في القرآن الكريم بناءً على الكمالات الوجودية
من أيّ زاوية ينظر الله إلى الإنسان؟ وعلى ماذا يرتكز في تقييم كيانه؟ لماذا يُشَبّه الله في القرآن فئة من الناس بالحجارة، ويصف بعضهم بأنهم كالأنعام بل أضلّ؟ هل الهدف من هذه الألفاظ هو الإهانة لشخصية الإنسان، أم أن هناك غاية أعمق من ذلك؟ وما هي أنواع القلوب في القرآن الكريم؟ ولماذا يصنّف القرآن الناسَ بناءً على قلوبهم؟ هل تأمّلت يومًا في المعايير التي يعتمدها عالم اليوم لتصنيف الناس وتحديد مكانتهم؟ أسود البشرة وأبيضها، غني وفقير، متعلّم وأمّي، دول متقدّمة ودول من العالم الثالث… لا أثر في أي من هذه التصنيفات لكرامة الإنسان وجوهره، بل يُنظر إليه كشيءٍ تُربَط قيمته بكمالاته الخارجية الظاهرية وحدها! وكلما كان الإنسان أكثر امتلاكًا لهذه الكمالات، كان أكثر جاذبية ورغبة! ولا غرابة في هذا؛ فعندما تُبنى نظرة الإنسان إلى ذاته على أوهام ومعايير زائفة، ويُغفل فيها عن البُعد الحقيقي لوجوده، فمن الطبيعي أن تنتج عنها هذه التصنيفات السطحية الخالية من الروح. لكننا هنا لا نكترث بهذه المعايير؛ فما يهمنا هو نظرة الله إلى الإنسان. إنها نظرة شاملة تمتد من الأزل إلى الأبد، وليست نظرة قصيرة ومحدودة بضيق الدنيا. في تصنيف الله، لا مكان لمظاهر الأفراد ولهذا نجد أنّ قيمة إنسانٍ أسمر، وأمّي من العالم الثالث، قد تكون عند الله أعلى بكثير من إنسان أبيض، ومتعلّم من العالم الأول؛ لأن الله لا تنخدع عيناه بظواهر الناس كما ننخدع نحن، بل هو يرى بواطنهم وحقيقتهم. القلب هو الجوهر الحقيقي للإنسان؛ فما عداه من الممتلكات والقدرات لا يعدو كونه عارية مؤقتة. إن الأنشطة العقلية والمساعي الدراسية، وعمليات التعليم والتعلم، وكل أمر في العالم من أفكار وهمية، وتصورات خيالية، وإدراكات حسية، ليس سوى مقدمات أساسية لبناء القلب وصقله.
إن القلب، أو الروح، هو البعد غير المادي لوجودنا والشيء الوحيد الذي يبقى معنا بعد الموت. وبناءً عليه، فإن المقياس الحقيقي الذي تُقَيَّم به النفوس في الآخرة هو قلبها. وكما يمكننا من نظرة واحدة إلى جسد المولود أن نفهم كيف كانت فترة حياته الجنينية، فإن نظرة واحدة إلى قلب الإنسان في الآخرة تكشف لنا كيف قضى عمره وما هي المكتسبات التي حصدها؛ وإن كان تشخيص هذا الأمر ليس صعبًا في هذه الحياة أيضًا، فسلوك المرء ونمط حياته يعكسان ما يكمن في أعماق قلبه. وفيما سيأتي، سنتعرف على أنواع القلوب في القرآن الكريم، والتي تمثل في حقيقة الأمر تصنيفًا للبشر من منظور إلهي. فيما يلي، نستعرض أنواع القلوب المذكورة في القرآن، والتي تمثل تصنيف البشر من منظور الله.
أنواع القلوب في القرآن الكريم
يقسّم الله تعالى الناس في القرآن إلى فئتين رئيسيتين: المؤمنين والفاسقين. من وجهة نظر الله، وحدهم المؤمنون هم الذين يمتلكون قلبًا إنسانيًا حقيقيًا، وهم وحدهم مَن يَصْلُح أن نُطلِق عليهم بحقّ صفة “الإنسان”. هؤلاء هم الذين بلغوا غاية معرفة النفس، فعرفوا ربهم ومحبوبهم الحقيقي، واكتشفوا الهدف من وجودهم، وبنوا حياتهم كلّها على هذا الأساس. ويتميّزون بأربع صفات رئيسية، تُميّزهم عن سائر الناس: الإيمان، والعمل الصالح، التواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر. وقد تحدّثنا عن هذه الصفات بالتفصيل سابقًا في موضوع “الخُسران”. أما سائر الناس، فهم مُصابون بالفسق واختلال باطني في شخصياتهم. ورغم أنهم يشبهون الإنسان من حيث الظاهر، إلا أن باطنهم قد انهار و خرج عن الصورة الإنسانية.
ومع أن هؤلاء يُجمعهم وصف “الفاسقين”، إلا أن القرآن يمنحهم مراتب ومقامات مختلفة، بناءً على التركيبة الباطنية لقلوبهم. وبحسب هذا التصنيف، فإن أنواع القلوب، باستثناء القلب الإنساني، تنقسم في القرآن إلى خمس مراتب: القلب الحجري، القلب أشدّ قسوة من الحجر، القلب النباتي، القلب الحيواني، والقلب الشيطاني.
وجدير بالذكر أن المقصود من “القلب” في هذا السياق هو باطن الإنسان وجوهر روحه، فالإنسان في حقيقته ما هو إلا قلبه، ولا يُفهم من القلب هنا أنه شيء منفصل عن وجوده. فما خصائص كلّ واحد من هذه القلوب؟ ولماذا سمّاه الله بهذه الاسماء؟ هذا ما سنستعرضه في الفقرات التالية.
القلب الحجري
من بين أنواع القلوب في القرآن، هناك قلوب تنتمي من حيث الكمالات الوجودية إلى أدنى مرتبة، وهي المرتبة الجمادية، وتُعدّ من نفس رتبة الجمادات. يشبّه الله تعالى هذه القلوب بالحجارة، إذ يقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾[1]؛ والحجر معروف غالبًا بالصلابة وعدم القابلية للاختراق. هذا التشبيه من الله، والذي ليس مجرد تشبيه بل معيار للتقييم، يُراد به بيان قيمة بعض الأشخاص. فالحجر بحد ذاته ليس شيئًا سيئًا، بل هو مخلوق من مخلوقات الله، وله قيمته وكماله في موضعه. والله من خلال هذا التشبيه لا يريد إهانة أحد، بل يريد القول إنّ بعض البشر لا تتعدى قيمتهم قيمة حجر، ولا يملكون قيمة إنسانية.
القلب الحجري يظهر نتيجة غلبة البعد الجمادي. فالأشخاص الذين يُفرطون في التعلّق بالكمالات الجمادية، كالمنازل، والسيارات، والمال، والذهب، والملابس، والأثاث، وسواها، إلى حد أن تصبح هذه الكمالات أولوية حياتهم الأساسية، يبتعدون تدريجيًا عن الباطن والقلب الإنساني، ويُبتلون بالقلب الحجري أو الجمادي.
القلب الحيواني والقلب النباتي
من أنواع القلوب الأخرى التي ذكرها القرآن الكريم، تلك القلوب التي تقع في مرتبة الكمالات الحيوانية. يشبه الله أصحاب هذه القلوب بالأنعام في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾[2]. لا يُقصد من هذا التشبيه التقليل من شأن الحيوانات؛ فالحيوان، كالحجر، مخلوق من مخلوقات الله، وله قيمته وكماله في موضعه. بل إن للحيوانات كمالات كثيرة، فهي تعرف خالقها وتعبده بطريقتها، وتملك وفاءً، حياءً، رحمة، وتقدم خدماتها للكائنات الأخرى. إذاً فالتشبيه بالحيوان ليس إهانة، بل هو وصفٌ لقيمة بعض الناس الذين لم يرتقوا إلى مرتبة الإنسان. هم يملكون بعض الكمالات، وقد تكون مقدسة ونورانية، وربما يُثابون عليها في الآخرة، لكنهم لم يبلغوا رتبة الإنسانية.
من بين أنواع القلوب في القرآن التي أشار إليها الله في نفس الآية بعبارة «بَلْ هُمْ أَضَلُّ»، وهي القلوب التي تعتبر من حيث المرتبة الوجودية، أدنى من الحيوانات؛ أي أنها محرومة حتى من الحد الأدنى من الكمالات الحيوانية. إن أصحاب هذه القلوب، وفقاً للتصنيفات التي تحدثنا عنها سابقاً في موضوع الكمالات، لهم مكانة مساوية للنباتات. هذه القلوب تقتصر اهتماماتها ورغباتها على الكمالات النباتية مثل اللياقة البدنية، الطعام، وزينة المظهر، ولا تهتم بما هو أرقى وأعمق من الكمالات السطحية، فصارت في مرتبة النباتات.
إلى جانب القلوب الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والإنسانية التي تُصنف بناءً على الكمالات الوجودية، هناك نوعان آخران من القلوب لا ينتميان تقريباً إلى أي من هذه الكمالات. هذان النوعان هما القلوب الأشد قسوة من الحجارة والقلوب الشيطانية، والتي سنشير إلى خصائصها فيما يلي.
القلب الأشد قسوة من الحجارة
قد تظنّ أن لا شيء في الدنيا أقسى وأصلب من الحجر… لكنّك مخطئ! قلب الإنسان يمكن أن يبلغ من القسوة ما يتجاوز به قساوةَ الحجر ذاته. وقد أشار الله تعالى إلى هذا الأمر في القرآن، حيثُ تابع الحديث عن القلوب الحجرية بقوله: “ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ”؛[3] أمّا قلبُ بعض الناس فقد يبلغ من التصلّب والقسوة ما لا يدع فيه منفذًا واحدًا للنفوذ أو التأثر! وهذا هو المعنى الحقيقي لقساوة القلب الذي تحدّثنا عنها في الدروس السابقة. فـ”قساوة القلب” لا تعني أن يكون كالحجر، بل تعني أن يكون أقسى من الحجر، أي أن يصبح التغيير والتحوّل فيه شبه مستحيل، ويُوشك أن يُقطع الأمل منه تمامًا.
قساوة القلب قد تنشأ عن غلبة أيّ نوع من الكمالات، فهي لا تقتصر على كمالٍ معين. فبعض الناس، كقارون وفرعون، أصيبوا بقساوة القلب بسبب هيامهم بالكمالات الجمادية والحيوانية، مثل تكنيز الثروات والوله بالسلطة. وبعضهم أصيب بها نتيجة للكمالات النباتية، كالإفراط في إبراز الجسد أو الشراهة المفرطة. وفئة أخرى ابتُلوا بها بفعل الكمالات العقلية والعلمية؛ بل حتى الكمالات ماوراء العقلية والمظاهر المقدّسة يمكن أن تكون سببًا في قساوة القلب، وهذا بالتحديد من أخطر الأسباب، لأنّ ذكر الله، وهو أقوى عامل لإيقاظ القلب، يتحوّل لدى هؤلاء إلى مجرّد عادة فاقدة للأثر والتأثير.
القلب الشيطاني
آخر صنف في تصنيف أنواع القلوب في القرآن هم أولئك الذين يُطلق الله عليهم “شياطين الإنس”.[4] هؤلاء سقطوا إلى دركٍ سحيق بسبب وفرة ذنوبهم، حتى خرجوا تمامًا من ولاية الله، ودخلوا تحت ولاية الشيطان، وصاروا في مرتبة أتباعه. كما ذكرنا في مبحث “القرب إلى الله” إنّ الكونَ كلَّه يُدار بأسماء الله الحسنى، ولا وجود في الكون إلا لتجلّيات الأسماء والصفات الإلهية. حتى الشياطين هم مخلوقات الله، وهم مظاهر أسماء الله، لكن الاسم الذي يتجلّى فيهم أكثر من غيره هو اسم “المُضِلّ”. فهؤلاء، بسبب طغيانهم واتباعهم لهوى النفس، لا يُضلّون أنفسهم فقط، بل يُضلّون غيرهم أيضًا، و يدفعونهم نحو الهلاك.
إن وصول الإنسان، الذي هو أشرف المخلوقات والمؤهل لبلوغ مقام الخلافة الإلهية، إلى مرتبة تُحاذي الشيطان، ليصبح مظهرًا للضلال بدلًا من أن يكون مظهرًا للرحمة، هو حقيقة صادمة وواقعٌ مثير للتأمل يعكس مدى تعقيد النفس البشرية. ومع ذلك، فإنّ القلوب الشيطانية يمكن أن تتحوّل إذا تعرّضت لنور الله، ويمكن أن تجد طريق الهداية من جديد. لكن القلوب التي تصل إلى القسوة لا تعود قادرة على الرجوع إلى الصراط المستقيم أبدًا. إنّ قساوة القلب، في الحقيقة، هي أدنى مرتبة يمكن أن يبلغها قلبُ إنسان.
ما عرضناه هنا كان شرحًا مختصرًا لأنواع القلوب في القرآن، وسنتحدّث في الدروس القادمة، بإذن الله، عن خصائص كلّ نوعٍ منها بشكلٍ مفصّل.
[1] . سورة البقرة، الآية 74
[2] . سورة الأعراف، 179
[3] . سورة البقرة، الآية 74
[4] . سورة الانعام، الآية 112.