ما هي علامات مرض القلب أو الروح؟ ولماذا لا يرتبط القلب المريض بعالَم الغيب؟
إلى أيّ حدّ تعرف عن مرض القلب أو الروح؟ ولماذا يعجز القلب المريض عن الاتصال بعالَم الغيب؟ بل لماذا ينبغي للإنسان أصلاً أن يكون له صلة بعالَم الغيب؟ إنّ مرض القلب وانقطاع صلته بعالَم الغيب والملكوت من أعظم البلايا، إذ يخلّف آثارًا أشدّ فتكًا من الأمراض الجسدية أو الأزمات الاقتصادية، لأنه لا يقتصر على إفساد الحياة الدنيوية، بل قد يدمّر حياة الإنسان الأبدية وآخرته.
أشرنا في الدروس السابقة أن القلب أو الروح هي الجانب الأصلي من وجود الانسان، أي الجانب الإنساني والذات الحقيقية. فالقلب هو الكنز الوحيد الذي نصطحبه معنا إلى الآخرة. فمن لم يطهّر باطنه في الدنيا، ولم يرتقِ به إلى مقام القلب السليم، فقد خسر أهم ما يملك لبلوغ السعادة الأبدية ولا يُدرى ما المصير الصعب الذي ينتظره في الآخرة. مما يدلّ على صحة القلب وسلامته هو شغفه بالتغذية الروحية والمعنوية. فكلما كان القلب تواقًا إلى غذاء يلامس روحه و إنسانيته، كان ذلك مؤشراً على سلامته. فالقلب المريض، كالجسم العليل الذي يفقد شهيته للطعام اللذيذ والفواكه الطيبة والمشروبات المنعشة، يصدف عن كل ما يغذّي الروح من معانٍ سامية وتواصل مع عالم الغيب. إذًا، الاتصال بعالم الغيب والملکوت هو أحد أهم أسباب نقاء القلب وسلامته، وهو ما سنتناوله في هذا الدرس بالتفصيل.
لماذا يُعدّ الارتباط بعالَم الغيب ضرورة لا غنى عنها؟
كلّ ما لا تدركه الحواس الخمس يُطلق عليه “الغيب”. وبناءً على ذلك، فإن ذات الله المقدّسة، والملائكة، والجنّة والنار، وأهل البيت(عليهم السلام)، ويوم القيامة، وما شابهها، جميعها من مظاهر الغيب. وكلّما ازداد ارتباط الإنسان بالله والعالم الغيبي، ازدادت درجته وارتفعت منزلته. فمدى شرف المرء يتناسب طرديًا مع عمق تواصله مع الله والعالم غير المنظور. إلى أيّ مدى تهفو أرواحنا إلى مناجاة المحبوب الإلهي طوال يومنا؟ كم مرة تضيق صدورنا شوقًا إلى عائلتنا السماوية، أهل البيت(عليهم السلام)؟ إلى أيّ مدى نحن في أُنسٍ دائم مع الملائكة وسكان عالم الملكوت؟ كم مرة نستحضر الموت، ونستشعر الجنة والنار؟ جميع ذلك مؤشرات حيّة على صحة القلب وسلامته.
القلب السليم هو ذلك الذي بلغ مراتب المعرفة الحقيقية بالنفس، أي حيث يدرك صاحبه أنّ قلبه، أو روحه، نفحةٌ إلهيةٌ نُفخت فيه من قِبل الخالق سبحانه. ويعلم أن هذا القلب هبةٌ سماوية، لم تُمنح لأيّ مخلوق في الوجود سوى الإنسان. من يصل إلى هذه المعرفة، يُدرك أن هذه النفحة ليست مجرد جزء من كيانه، بل هي كلّ ثروته، وهي أعظم وأغلى ثروةٍ في هذا العالم. إنها ثروة عظيمة لدرجة أن الإنسان قادر بها على بناء أبديّةٍ من لذّة وسرور وسعادة لا تزول؛ قادرٌ على تشييد جنةٍ تمتدّ بسعتها بامتداد السماوات والأرض.
الاتصال بعالم الغيب يحيي القلب ويبعث فيه الحياة. فعالَم الدنيا هو عالم الكثرة والتشتيت، أما عالم الغيب فهو عالم الوحدة والصفاء. فقد جئنا إلى هذا العالم من عالم الوحدة، ولسنا بطبيعتنا من هذا المكان. ولهذا فإن غزارة الكثرات، والانشغال باليوميّات، والتعلّق المفرط، والركض خلف شواغل الدنيا، كلّها تُنهك الروح وتُثقلها وتُخدّر القلب.
القلب المريض أو الروح المعتلّة لا تعود قادرة على أن تحيا الحياة كما ينبغي، ولا تذوق لذّتها كما خُلقت لها. فتتعلّق بلذّاتٍ واهية وضعيفة، لا تملأ فراغها، ولا تشبع توقها اللانهائي. فالروح بطبيعتها تطلب الكمال المطلق، ولا يكفيها إلا معشوقٌ لا نهائيّ. وإذا حُرمت هذه الروح من الخلوة مع محبوبها الأزلي، أصابها الحزن، واستبدّ بها الاكتئاب، وابتعدت عن الفرح والسكينة، وهما أعظم ما يميز السعادة الإنسانية.
أما الاتصال القلبي بالعالم الغيبي، وعلى رأسه الله سبحانه وأهل البيت(عليهم السلام)، يُزيل هذه الأعراض، ويُخفف من ثقل الروح. بالإضافة إلى ذلك، فإن التفكر في العوالم ما بعد الموت، وأهوال جهنم وروعة الجنّة، والصداقة مع الملائكة والتردّد في مجالس الذكر، والحضور في البقاع المقدّسة، كلّها تُنقذ الإنسان من الغرق في مستنقع الدنيا، وتوقظ فيه حنين التحرّر والانعتاق. وفوق هذا كلّه، فإن السير في مدارج السلوك إلى الله، والتقدّم في سلّم الكمال الإنساني، لا يمكن أن يتمّ دون رابطٍ قلبيّ راسخ ومنتظم مع الغيب والملكوت.
لذلك ينبغي لكلّ واحدٍ منّا أن يخصّص يوميًا دقيقة لهذه الخلوات الروحيّة، وإلّا سيتعرّض للمرض، مرضٌ لا يهدّد حياته الدنيوية فحسب، بل يعرّض حياته الأبدية للخطر أيضاً كذلك.
عواقب الانقطاع عن عالم الغيب
إن الثروة الحقيقية لكلّ واحدٍ منّا، تكمن في مقدار ما نحمله من حبٍ ورفقةٍ صادقة مع محبوبنا الأصلي، و هو الله سبحانه وتعالى. ذلك المحبوب الذي لا يرفضنا ولا يتركنا يوماً. ولكن القلب المريض ينفر من الخلوة مع الله، ويستثقل لذة المناجاة والعشق مع محبوبه الحقيقي، فلا يجد في الحديث إليه والابتهال بين يديه أدنى سعادة.
إلى جانب الله عزّ وجل، فإن بناء علاقة ودّ ورفقة مع سائر كائنات عالم الغيب، كالأَنبياء وأهل البيت (عليهم السلام)، يُعدّ هو الآخر كنزًا روحيًا بالغ القيمة. إنهم أصدقاء حقيقيون، لا يخذلون من يلجأ إليهم، ولا يتخلّون عمّن يحتاج إلى معونتهم. ولكن من أُصيب بالمرض في قلبه وروحه، فقد حُرم من هذه الثروة الجليلة، وراح يُهدر حياته في السعي وراء محبوباته الجمادية أو النباتية أو الحيوانية أو حتى العقلية، فتراه غارقًا في همومٍ تافهة، ومنشغلًا بقلقٍ لا يُثمر غير الحيرة والتعب.
من امتلأ قلبه بمحبّة الله واستمد عاطفته من السماء، لا يكون يومًا متسوّلًا لعاطفة الناس، ولكن القلب المريض محروم من هذه الثروة العاطفية الكبرى، ويُصبح هشًا أمام أدنى تقصير أو إساءة، فإذا واجه تجاهلًا، أو قلّة احترام، أو غضبًا، أو خيانةً من أهله وأصدقائه ومن حوله، تهاوى قلبه، وغرق في الحزن والاكتئاب.
إن مَن يملك قلبًا مريضًا لا يشتاق إلى الجنّة، رغم أنها أوسع وأجمل وأعظم من الدنيا بمليارات المرات؛ بل تسعده متعة دنيوية صغيرة زائلة ويعلّق كلّ أمله وسعادته على هذا المتاع المؤقّت. وبوجهٍ عام، فإن من كان قلبه مريضاً، لا ينال سعادة الدنيا ولا يتذوق راحة البال، ولا يذوق في آخرته طعم السعادة والهناء.
في هذا الدرس، تناولنا مفهوم المرض الروحي وبيّنا أنّ المرء إذا اعتلت روحه أو قلبه، عجز عن معرفة ذاته حق المعرفة، وانصرف عن كل ما يغذّي إنسانيته من قيم ومبادئ سامية. ونتيجة لذلك، يعجز هذا الشخص عن الارتباط بعالم الغيب وما يمثّله من حقائق مقدّسة كذات الله تعالى، والملائكة، والأنبياء، وآل البيت الأطهار (عليهم السلام)، وأمثالهم من رموز الهداية والنور.
فالقلب المريض يهرب من الخلوة والمناجاة، وينفر من معية الله ورفقة أوليائه، ويظلّ أسيرًا للمعشوقات الدنيوية الزائلة. وبذلك، يبقى هذا الشخص متسولًا لعواطف الآخرين، ولا يذوق أبدًا حلاوة السرور الحقيقي والسكينة الأبدية.